; منشور الموت في جروزني | مجلة المجتمع

العنوان منشور الموت في جروزني

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر الثلاثاء 14-ديسمبر-1999

مشاهدات 64

نشر في العدد 1380

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 14-ديسمبر-1999

«أنتم محاصرون، أغلقت كل الطرق المؤدية إلى جروزني ليس أمامكم فرصة سنوفر حتى الحادي عشر من ديسمبر الحالي ممرًا آمنًا، من يبقى يعتبر من الإرهابيين ومن العصابات وسنقضي عليه بالمدفعية والطيران، لا تفاوض بعد الآن، سنقضي على كل من يبقى في المدينة».

هذه بعض كلمات المنشور التحذيري الذي ألقت به الطائرات الروسية على المتواجدين في العاصمة الشيشانية جروزني وتخلي فيه السلطات الروسية مسؤوليتها عما سيجري للمدينة وأهلها بعد الحادي عشر من الشهر الجاري، وهو يكشف عن تبييت النية لاجتثاث المدينة وأهلها من فوق ظهر الأرض. وتريد روسيا بهذا المنشور أن يكون تكأة تتكئ عليها عند ارتكاب ما تنوي الإقدام عليه وسيكون ردها على أي تنديد بأنها حذرت أهل جروزني وأعطتهم فرصة قبل أن ترتكب فعلتها الشنعاء والناظر إلى المهلة التي أعطاها إنذار الموت للسكان وهي خمسة أيام يجدها غير كافية بالمرة لخروج ربع سكان جروزني، فهناك ما يقرب من ٥٠ ألف مدني داخل المدينة يعيشون ظروفًا قاسية وداخل حصار من الألغام، ومعظمهم من الأطفال والنساء والعجائز، بل إن السليم منهم مصاب بالإعياء والمرض والإجهاد بسبب الظروف التي يعيشها، وكل تلك عوامل تجعل من الاستحالة خروج نصف أو ربع هذا العدد وهو ما يعني أن غالبية سكان المدينة ستلقى حتفها لا محالة إذا أقدمت روسيا على تنفيذ تهديدها المجنون.

والسؤال: لماذا تصدر روسيا هذا المنشور قبل اقتحام جرزوني بالذات وتروج له إعلاميًا على أوسع نطاق؟ لو كانت سلامة المدنيين تهمها لأصدرت مثل هذا التحذير قبل اقتحامها للمدن الكثيرة التي سقطت من قبل في أيديها، ولكنها لم تفعل، وهو ما يؤكد أنها لم تفعل ذلك مع «جروزني» إلا إذا كانت تنوي ارتكاب كارثة إنسانية مروعة ويبدو أن الولايات المتحدة وأوروبا تدركان حقيقة ما يمكن أن يقع فبادرتا بالتحذير من عواقب ذلك ذرًا للرماد، ولن يتعدى الموقف الغربي أكثر من كلمات التحذير! مع الإقرار بسلامة الموقف الروسي في الحرب الوحشية، فقد تزامن التحذير الغربي لروسيا مع تأكيد الأمين العام لحلف الأطلسي جورج روبرتسون من أن الروس لا يملكون أي خيار سوى إعادة النظام في الشيشان لكن إذا كانت روسيا تبيد أهل الشيشان بكل هذه الفجاجة، وإذا كان الغرب يؤيدها بالصمت أو إطلاق تصريحات الإدانة في الهواء، فإن غياب الموقف الإسلامي عن تلك الأحداث يمثل قتلًا أشد وأقسى لهذا الشعب المسلم، والغريب أن يتعلل معظم الدول الإسلامية بأن ما يدور هو شأن داخلي روسي لا يحق لنا التدخل فيه! وهو عذر أقبح من ذنب.

فإذا سلمنا جدلًا أن الشعب الشيشاني جزء من الشعب الروسي، فهل هناك قانون دولي أو محلي يسمح لدولة أن تبيد جزءًا من شعبها بهذا الإجرام؟

وهل العالم الإسلامي صار أضعف من فيدل كاسترو رئيس كوبا الذي هدد وقت صدور الإنذار الروسي لجروزني بأنه سيقيم الدنيا ولن يقعدها، ليس احتجاجًا على ما يجري في جروزني، ولكنه احتجاجًا على احتفاظ السلطات الأمريكية بطفل كوبي ماتت أمه خلال محاولة الهجرة في زورق من كوبا إلى أمريكا، مع أن الطفل سليم معافى، لكنه بعيد عن أرضه!

أي عار ذلك الذي يعلو رؤوس المتخاذلين بصمتهم حيال ما يجري لأطفال الشيشان!

الرابط المختصر :