العنوان هدف في المرمى اليهودي .. أهداف في المرمى الفلسطيني!
الكاتب ماجد إبراهيم
تاريخ النشر الثلاثاء 15-أغسطس-1989
مشاهدات 66
نشر في العدد 928
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 15-أغسطس-1989
تواصلت «هجمة السلام الفلسطينية» وتتابعت تصريحات القادة الفلسطينيين تجاه دفع ما يسمى بعملية السلام منذ انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني التاسع عشر وما تبع ذلك من تحركات كوثيقة ستوكهولم وإعلان جنيف ومؤتمر ياسر عرفات الصحفي الذي تلا خطاب جنيف.
وبعد قرار الولايات المتحدة بفتح حوار مع
منظمة التحرير الفلسطينية راجت تكهنات وتحليلات وربما تسريبات إعلامية عن احتمالات
التجاوب الدولي مع التحركات الفلسطينية فكيف كان الرد في الجانب الآخر؟ وما هي
آفاق التسوية في ضوء المتغيرات الأخيرة؟
تصاعدت في الجانب الآخر تحركات سياسية
للكيان اليهودي لاستثمار الاعتراف الفلسطيني به في فتح مغاليق العلاقات بين هذا
الكيان ودول إفريقيا، فهذه كينيا تستأنف علاقاتها مع الكيان اليهودي بعد انقطاع
دام أكثر من خمسة عشر عامًا حيث جاء هذا القرار بعد مجهودات يهودية مضنية أقنعت
فيها كينيا مستخدمة الاعتراف الفلسطيني كسلاح فعال في الإقناع، وهذه مجهودات أخرى
تسير في نفس الطريق مع إثيوبيا ويتوقع لها أن تثمر استئنافًا قريبًا في العلاقات
بين الجانبين.... والحبل كما يقال على الجرار... لقد استثمر اليهود «هجمة السلام
الفلسطينية» في هجمات أشد عنفًا تمثلت بتجذير كيانهم المزعوم وتثبيت أركانه، كما
عمل هذا الكيان بتصريحات زعمائه، وعلى رأسهم شامير على تشتيت «الأهداف الفلسطينية»
عن المرمى اليهودي ونقل اللعب إلى الملعب الفلسطيني وذلك بطرح مبادرات مضادة لشغل
الرأي العام العالمي لها ولتخفيف الضغط الدولي عليه، فمن الدعوة إلى انتخابات حرة
في الضفة والقطاع مقابل إيقاف الانتفاضة إلى التلميح بإمكانية قبول نوع من الوساطة
الدولية لحل القضية إلى غيرها من التصريحات التي لم تتجاوز حدود التسوية على أسس
كامب ديفيد لا أكثر.
إن أخطر ما يمكن أن يحصل عليه هذا الكيان هو حصوله على الشرعية من
قِبل ممثلي الشعب الفلسطيني... بل إن أكبر إنجاز سياسي هو ما يجعل هذا الكيان
كيانا مقبولًا في محيطه... وهذا ما عملت أمريكا لتحقيقه منذ ١٩٧٥ بفرضها شروط
التحاور مع م. ت. ف..... إذن فالكيان الصهيوني حقق مكاسب لا يستهان بها من جراء
التحركات السلمية الأخيرة، ويتوقع له تحقيق المزيد منها، وإذا نظرنا للقضية من
جانب آخر وهو وضع التحركات السلمية الحالية في الميزان مع استشراف لمستقبل القضية
الفلسطينية في ضوئها فسنخرج بالنتائج التالية:
أولًا: لم تحقق «المقاسات» الأمريكية التفصيلية
لشروط عقد النسوية والضغط على الكيان اليهودي للتنازل والتحاور وأن كانت قد حققت
«المقاسات» العامة والتي هدفت أمريكا منها إكساب الشرعية للكيان الغاصب، فمع أن
الحوار الأمريكي– الفلسطيني قد افتتح، فإنه ما يزال حتى الآن «حوارًا تجريبيًّا»
كما يصرح الأمريكان بذلك، رغبة في اختبار حسن نوايا م. ت. ف وقدرتها على الالتزام
بما تعهدت به وخصوصًا فيما يتعلق بنبذ الإرهاب، مما يجعل هذا الحوار على «كف عفريت»!
ثانيًا: إن نظرة متأنية في التعاطي
الأمريكي مع القضية الفلسطينية، تؤكد أنه لم يكن تعاطيًا جديًّا مع الحق الفلسطيني
الشرعي بل تميزًا بالتحيز الواضح تجاه الحليف الإستراتيجي وهو الكيان اليهودي،
وتجاهلًا للحقوق الفلسطينية التي يصر أصحابها على عدم التفريط بها، وأقرب هذه
الدلائل رفض منح ياسر عرفات تأشيرة لدخول الولايات المتحدة لإلقاء خطاب في
نيويورك.. وأن فتح الحوار الأمريكي الفلسطيني كان نتيجة طبيعية لتجاوب م. ت. ف مع
الشروط الأمريكية ولا يعني بأي حال من الأحوال تغيُّرًا أو تبدُّلًا في الموقف
الأمريكي تجاه ما يسمى بمشكلة الشرق الأوسط، وهذا هو جل تصريحات الأمريكان من رفض
للدولة الفلسطينية المستقلة والتلويح بفرط الحوار إذا قامت م. ت. ف بأية «عملية
عسكرية ضد العدو الصهيوني». فهذا جيمس بيكر وزير الخارجية في الإدارة الأمريكية
الجديدة يجدد هذه المقولة امام لجنة الاستماع في الكونغرس، وهذا بوش الرئيس
الأمريكي الجديد يؤكد أن الولايات المتحدة سترى ما إذا كانت م. ت. ف ستفي بوعدها
وأن واشنطن تريد التزاما طويل المدى، وإنها ستقيِّم على ضوء ذلك سلوك م. ت. ف» كما
أحب أن يعلن معارضته لقيام دولة فلسطينية مستقلة في اليوم الأول لاستلامه مقاليد
السلطة، ولقد قالها بيلترو السفير الأمريكي في تونس منذ أول لقاء مع م.ت. ف «لا
تزال المسافة بيننا بعيدة»
ثالثًا: إن التغلغل اليهودي في الإدارة
الأمريكية الجديدة كغيرها من الإدارات، والحلف الإستراتيجي بين أمريكا والكيان
الغاصب، تجعل من الصعب على أمريكا في حالة «جديتها» في التعامل مع المعطى
الفلسطيني أن تمارس ضغطًا حقيقيًّا يجبر هذا الكيان للتخلي عن تعنته في
الحوار مع م. ت. ف أو التخلي عن جزء من أرض فلسطين المغتصبة، ولعل من دلائل تغلغل
اليهود في هذه الإدارة تعيين رئيس مجلس الأمن القومي برینت سكو كرفت ونائب وزير
الخارجية الأمريكي لورنس ايغلبيدغر، ودينيس روس مديرًا لمكتب التخطيط السياسي في
وزارة الخارجية واحتمالية تعيين أرون ديفيد ميلر رئيسا لدائرة الشرق الأوسط في
مجلس الأمن القومي، وجميع هؤلاء من المؤيدين للسياسات الصهيونية المدافعين عنها،
وزملاء لهنري كيسنجر وزير الخارجية الأسبق الذي حث الكيان اليهودي على سحق
الانتفاضة ومنع وسائل الإعلام الغربية من الدخول للأراضي المحتلة!!
رابعًا: إن تشكيل حكومة الشراكة اليهودية
بين الليكود والعمل وبرنامج هذه الحكومة الذي كانت أبرز خطوطه لا للمنظمة... لا
للدولة المستقلة.... لا للانتفاضة، وكذلك اتخاذ القرارات المتعلقة بشأن الوضع
النهائي للأراضي المحتلة بالاتفاق بين رأس الحزبين شامير وبيريز، فضلًا عن إقامة
٥- ٨ مستوطنات كل ذلك يعرقل تحقيق تسوية سلمية ويزيد من إمكانية لجوء هذا الكيان
إلى أكثر من خيار وبديل لدفع التسوية عن كاهله، ومن هذه الخيارات المتاحة عوضًا عن
التحركات السياسية المضادة الترحيل وهو خيار مطروح بتزايد مستمر في الكيان اليهودي
ويشكل خطرًا حقيقيًّا على الشعب الفلسطيني وقضيته.
كما يرى كثير من المراقبين بأن اليهود قد
يلجئون للتهديد العسكري لخلق واقع جديد، إما في لبنان أو الأردن أو سوريا.
خامسًا: وفي ظل النَّهم الأمريكي نحو
المزيد من التنازلات الفلسطينية وعدم جدية الإدارة الأمريكية في التعاطي مع
القضية، والتحيُّز الواضح تجاه الكيان اليهودي وتشكيل حكومة «الحرب» اليهودية
وغيرها من المعطيات، فإنه يتوقع الدفع بالمزيد من التنازلات التي قد تتجاوز المزيد
من الخطوط الحمراء في ظل شكوك واضحة بالثمرات التي سيجنيها الشعب الفلسطيني من هذه
التحركات خاصة وأن هذه التحركات سياسية محضة وتتقاطع مع الفهم الحضاري التاريخي
للصراع العربي– اليهودي.
وفي ضوء ما سبق ترتسم علامات استفهام كبيرة
حول مستقبل القضية الفلسطينية في ضوء التحركات الحالية.
ومن هنا فإن الحكمة تقضي بأن ينتبه قادة
العمل الفلسطيني لخطورة ما يسمونه بهجمة السلام الفلسطينية،