; السودان من التبعية الاقتصادية إلى مرحلة الاعتماد على الذات | مجلة المجتمع

العنوان السودان من التبعية الاقتصادية إلى مرحلة الاعتماد على الذات

الكاتب علي أبو النصر الرشيد

تاريخ النشر الثلاثاء 15-مايو-1990

مشاهدات 74

نشر في العدد 966

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 15-مايو-1990


 

أعلنت الحكومة الأمريكية مؤخرا وقف مساعداتها السنوية، وتعتبر هذه السابقة الأولى من نوعها منذ استقلال السودان، معتقدة أن هذا الإيقاف يضعف الوضع السياسي الحالي لثورة الإنقاذ أو يشكل ضغطا سياسيا ومعنويا للحكومة لتستجيب لكل الشروط الغربية ولحركة التمرد التي تستمد دعمها المادي من تحالف صليبي -

يهودي معاد في أصله لعروبة وهوية السودان الحضارية، وجاء في حيثيات قطع المعونة أن واشنطن أوقفت مساعداتها العسكرية والاقتصادية للسودان بموجب قانون يحظر تقديم مساعدات للحكومات التي تتولى السلطة عن طريق الانقلاب وتفشل في إعادة الديمقراطية خلال ثمانية أشهر والخلفية الأصولية الثورة الإنقاذ التي لم تستطع معالجة مشكلة الجنوب عبر مبادرات سلمية، وقد رد وزير المال السوداني حينئذ في مؤتمر صحفي أن القرار الأمريكي لن يكون له أي أثر على السودان لأن المساعدات تمثل جزءا صغيرا من موارد السودان. وقال: إن المساعدات الأمريكية كانت أقل من ٢٠ مليون دولار عام ١٩٨٩ وإن ١٤ مليونا من هذا المبلغ استخدمت في شراء القمح. وأضاف بأن بلاده ستسعى للحصول على موارد أخرى لتعويض وقف المساعدات الأمريكية.

- صندوق النقد يمهل

وجاءت المحاولة الثانية لإحراج السودان بواسطة صندوق النقد الدولي الذي أعطى السودان مهلة حتى منتصف يوليو القادم لحسم أمر ديون السودان للصندوق البالغة حوالي 1.3 بليون دولار وتبني برنامج إصلاحات للاقتصاد السوداني المتمثلة برفع قيمة الدولار مقابل الجنيه السوداني وتجميد الرواتب والأجور، ولكن الفريق عمر البشير رئيس ثورة الإنقاذ صرح بأن الحكومة لن تستجيب لشروط النقد الدولي وستمضي في برنامج الإصلاحات الذي وضعته، ولم يعد خافيًا أن سياسات مؤسسات التمويل الدولية «البنك وصندوق النقد الدولي» هي نموذج للتسلط ووسيلة لفرض فلسفات اقتصاديات الشمال الغربي الدائن على الجنوب «الفقير» المتخم بالمشكلات، بالإضافة إلى أن الحلول التي طرحتها باتت أكثر خطرًا على الأمن السياسي والاقتصادي من المشكلات نفسها.

وبعيدًا عن تفنيد دعاوى الحكومة الأمريكية التي دعت لوقف مساعداتها أو مناقشة ملابسات المهلة النهائية التي حددها صندوق النقد لحسم ديون السودان والتي ترتبط -إذا لم يذعن السودان لها- بفقده لتسهيلات ومعونات الدول الكبرى، فإنه من المعروف أن السودان مر في الفترة الماضية بظروف صعبة، وخير شاهد على ذلك العلاقة المعقدة بين التدهور البيئي وانخفاض الإنتاج الغذائي لكل فرد وارتفاع الدين الخارجي، حيث يعتبر كواحد من الأربعة عشر بلدًا التي تقل إنتاجية الأرض فيها عما كانت عليه قبل عقد من الزمان.

- إجراءات لحل المعضلة الاقتصادية

من هنا فإن ثورة الإنقاذ قد فطنت إلى ضرورة حل المعضلة الاقتصادية من خلال الاعتماد على الذات في إطار الاكتفاء الذاتي وتحقيق الأمن الغذائي واستغلال ثرواته الطبيعية، ثم فتحت أبوابها للاستثمار العربي المستفيد من المال العربي والإسلامي في مشاريعها التنموية، إضافة إلى استعدادها للتكامل الاقتصادي مع الدول العربية والإسلامية تمهيدًا لموقف عربي وإسلامي يواجه الضغوطات التي تمارسها الدول الكبرى، وبعد فترة وجيزة من قيام ثورة الإنقاذ دعت إلى مؤتمر للإنقاذ الاقتصادي وضع كثيرًا من التصورات على صعيد التخطيط العام لبناء السودان الجديد وتنمية اقتصادياته، ثم تفرعت عنه مؤتمرات أخرى تصب في إنجاز التصورات التي أقرها مؤتمر الإنقاذ الاقتصادي.

ويمكننا تلخيص أهم الإجراءات التي اتبعها السودان لتحقيق نموه الاقتصادي والتكامل مع الدول العربية والإسلامية قبل ثمانية أشهر بما يلي:

1- الاكتفاء الذاتي والسعي لتحقيق الأمن الغذائي:

فقد أنتجت الجزيرة ٤٠٪ من حاجة السودان للقمح، وإذا جمع الحصاد كله شمالًا وشرقًا وغربًا وجنوبًا فيتوقع المراقبون أن يغطي ٧٥٪ من القمح الذي كان يستورده السودان من الخارج، وقد ذكرنا أن ١٤ مليون دولار من المساعدات الأمريكية كان مخصصًا لشراء القمح الأمريكي، أما في مجال السكر فقد أمكن السودان تحقيق الاكتفاء الذاتي؛ حيث أنهت مؤخرًا شركة كنانة موسمها الإنتاجي للعام ٨٩/ ١٩٩٠ بعد اكتمال حصاد وطحن محصول القصب المعد للموسم، وذلك بإنتاج ۲۳۲ ألف طن سكر يمثل ٩٥٪ من الهدف المرصود للإنتاج، وقد ارتفعت إنتاجية الفدان الواحد لهذا العام إلى ٢٧ طنًّا للفدان مقارنة بـ٢٥ طنًّا للموسم السابق ونتيجة تطبيق برنامج التقشف وخفض تكلفة الإنتاج فقد أمكن شركة كنانة أن تصل إلى تكلفة إنتاج تعادل حوالي ٥٠٪ من متوسط تكلفة الإنتاج العالمي للسكر، وقد أكد العقيد صلاح الكرار رئيس اللجنة الاقتصادية لثورة الإنقاذ في مؤتمر صحفي أمام المستثمرين العرب والأجانب، على أن الواقع الذي يعيشه السودان لا يتكافأ وإمكاناته الحقيقية، لذا عزمنا على أن ننهض ونهيئ للشعب كل السبل للانطلاق نحو تأمين الغذاء لنا ولأمتنا العربية.

أما على صعيد استغلال الثروات الطبيعية فقد باشرت بعض الشركات للتنقيب في وسط السودان وعلى الساحل الأحمر وقرب الحدود الليبية المصرية عن البترول والنتائج الأولية مبشرة فيما صرح الفريق البشير أن هناك خطوات جادة لاستغلال كميات من الغاز الطبيعي تم اكتشافها عند ساحل البحر الأحمر بمنطقة «سواكن» لمساعدة السودان في تنفيذ خططه التنموية.

2- فتح بوابة الاستثمار:

ولأن الاستثمار يمثل العمود الفقري للنمو الاقتصادي والاجتماعي للدول، كما يعمل على تحقيق الاستقلال الوطني الحقيقي وهو الطريق المؤدي لتعبئة وتسخير الموارد المادية والبشرية وتحقيق الرخاء الاقتصادي وصياغة وتجديد طاقات الأمة، فقد شجبت ثورة الإنقاذ الاستثمار المحلي والعربي والإسلامي، بالإضافة للاستثمار الأجنبي، وكانت المقدمة إلى ذلك فتح الحدود لجميع أبناء الدول العربية دون تأشيرة دخول، فقد أكد الفريق عمر البشير في افتتاح ندوة ترقية الاستثمار العربي والأجنبي التي عقدت في السودان يوم ١٣/ ٣/ ١٩٩٠ على فتح حدود السودان لجميع أفراد الأمة العربية دون قيود أو إجراءات تتعلق بتأشيرات الدخول، وأشار إلى أن كثيرًا من القوى الأجنبية تسعى لبسط نفوذها على السودان بحكم موقعه ودوره المأمول في تحقيق الأمن الغذائي العربي والإفريقي، وأن السودان يبذل قصارى جهده ويستنفر أشقاءه العرب لمواجهة هذا التحدي ليس بطلب العون؛ وإنما بتشجيع العمل الاستثماري، وأضاف إن السودان متاح لكل المستثمرين في أي مجال من مجالات النشاط الاقتصادي، وستتكفل الدولة بتوفير الأمن والاستقرار للنشاطات الاستثمارية، كما تلتزم بالضمانات لحفظ الأموال وتأمين الحقوق.

- المشروع الجديد للاستثمار

وقد صدر مشروع قانون للاستثمار الجديد في السودان اشتمل على عدة ضمانات لحماية رأسمال المستثمر في البلاد وعلى رأسها عدم فرض الحراسة على رأس المال أو مصادرته أو تأميمه إلا بقرار من محكمة مختصة والسماح بتحويل رأس المال المستثمر في حالة التصفية للمشروع أو بيعه كليًّا أو جزئيًّا بالعملة التي استورد بها وبأفضل سعر عند التصفية، وشملت الضمانات أيضًا عدم إخضاع منتوجات المشروع للتسعير الجبري وتحديد الأرباح، ولكن يجوز للمجلس الوزاري تحديد أسعار المواد الأساسية مع مراعاة التكلفة الاقتصادية لها، ونص المشروع أيضًا على إعفاء المشاريع الاستثمارية بالسودان من ضريبة أرباح الأعمال لمدة خمس سنوات اعتبارًا من السنة التي تلي الإنتاج التجاري، والإعفاء من الرسوم الجمركية يشمل الآلات والمعدات والأجهزة وقطع الغيار ومعدات الإنتاج الأولية والوسيطة والهياكل الأساسية، وكل الإجراءات والضمانات السابقة تشيع جوًّا من الطمأنينة للمال العربي والإسلامي ليبدأ مشوار الاستثمار في الأراضي السودانية.

وقد أتاحت ندوة تحسين مناخ الاستثمار في السودان التي دعي إليها مجموعة من خيرة المستثمرين العرب والمسلمين والأجانب مراجعة قوانين الاستثمار والمتطلبات اللازمة في قانون الاستثمار الجديد.

نداء عربي إسلامي لدعم السودان

وفي ختام هذه الندوة اقترح الشيخ أحمد البزيع الياسين رئيس مجلس إدارة بيت التمويل الكويتي أن يصدر عن الندوة النداء التالي: «بناء على المناخ الاستثماري الجديد بالسودان في ظل التوجهات الجديدة لثورة الإنقاذ الوطني، وتأسيسًا على ما أكده الفريق البشير من جدية في إنقاذ البلاد، وتقديرًا لدعوته للمشاركة في وضع استراتيجية الاستثمار أولوياته نصدر نداء لدول العالم العربي والإسلامي وشعوبها والمؤسسات والمصارف المالية العربية والإسلامية بدعم السودان ومؤازرته اقتصاديًّا؛ إذ إن السودان قد أصبح أكثر من أي وقت مضى مجالًا مناسبًا ومشجعًا للاستثمار فيه».

وقد أشار بعض المستثمرين إلى وجوب إدخال الأسلوب الإسلامي في قانون الاستثمار بالنص على عدم التعامل بالعوائد الربحية لأنها ربا، وإعادة النظر في رسوم الجمارك وفق منظور إسلامي لأنها تؤدي لرفع أسعار السلع، وتؤثر بالتالي على الطبقة الفقيرة وإلغاء التأميم والمصادرة لتعارضها مع الإسلام من حيث حرية الملكية وضرورة النص موضوع أخذ الزكاة على الأموال المستثمرة ويعتقد المراقبون أن تكون هذه الندوة فاتحة خير في السودان.

3- التكامل العربي على الصعيد الاقتصادي والسياسي:

وقد جسدها السودان بالتكامل مع القطر الليبي في شهر مارس الماضي، وجاء في حيثيات هذا التكامل أنه نابع من إدراك البلدين للأوضاع والمستجدات العالمية المعيشة حيث تتعزز بشكل متواصل هيمنة الكيانات الكبيرة والتكتلات الدولية بمختلف صيغها على حساب الشعوب والأمم الصغيرة وإيمانًا منها بأن الأخطار التي تتعرض لها الأمة العربية والعالم الإسلامي وفلسطين السليبة بشكل خاص وما يمارس ضدهم من مؤامرات وعدوان ما كان لها أن توجه نحو هذه الأمة لو لم يكن التشتت والتباعد سمة من سمات الحياة المعيشة، وقد تقرر إقامة هذا التكامل وفقًا للعمل المشترك من أجل بعث نهضة عربية إسلامية إفريقية على مستوى القارة والعالم على أساس من السلام والعدل والتعاون والعمل في دائرة العلاقات العربية والإسلامية والإفريقية مع اتحاد المغرب العربي ومجلس التعاون العربي والخليجي والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي.. والتبشير بمعاني التعاون والوحدة والسعي العملي نحوها في دائرة البلاد العربية والإسلامية والإفريقية.

إن التسعينيات تؤكد كما جاء في ندوة آفاق استمرارية التنمية في التسعينات التي عقدت في عمان من ١٧- ۱۹ مارس ۱۹۹۰ أن وجوب الأخذ بمنهج إيجابي يعتمد على تمكين التعاون وزيادة التماسك الاقتصادي وابتداع الأساليب العملية المؤدية إلى مزيد من التلاحم العربي.

- انقلب السحر على الساحر!

لقد ظن الشامتون أن وقف الدعم الأمريكي أو قروض صندوق النقد والبنك الدوليين سيضع السودان في مأزق حرج يضطره في النهاية للرضوخ للابتزاز السياسي من القوى الغربية، بينما الواقع يشير إلى أن السحر قد انقلب على الساحر؛ حيث يعتبر القرار الأمريكي بمثابة أعظم هدية قدمت للسودان في عصره الحديث ليعتمد على ذاته وسواعد أبنائه وثرواته البكر بدلًا من الالتجاء إلى التسول الدولي أعطوه أو منعوه؛ لأن المعونات الأجنبية -كما يشير أحد المحللين السودانيين- أصبحت كالإيدز الاقتصادي والسياسي هددت مناعات الجسم الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع السوداني واستهدفت دفاعاته، وهو الذي يعتبر سلة الغذاء العربي ولديه إمكانات هائلة لاسيما في قطاعي تربية الماشية والزراعة (توجد فيه أكثر من ٢٠٠ مليون فدان قابلة للزراعة). وهكذا فإن السودان اليوم يوظف طاقة مجتمعة لتحقيق التنمية والتي تجمل أولوياتها في الآتي: تحديد هوية الأمة ووجهتها الحضارية وتحقيق الاستقرار والأمن والسلام وإنقاذ الاقتصاد الوطني السوداني من التدهور والتدني وإعادة الانطلاق من مرحلة الإنقاذ والإصلاح لمرحلة التنمية والارتقاء والقصد من ذلك تحقيق المنعة والقدرة للسودان وتحقيق الأمن الغذائي للأمة العربية والإسلامية.

- الاستثمار السوداني في أرقام

- أهم قطاعات الاستثمار في السودان قطاع الزراعة وتربية الماشية.

- تبلغ مساحة الأراضي القابلة للزراعة نحو ۲۰۰ مليون فدان، وهي تمثل 32% من مساحة السودان، غير أن المساحة المزروعة منها بلغت نحو 18 مليون فدان فقط؛ أي ما يعادل أقل من 10% من المساحة القابلة للزراعة.

- رغم الموارد المائية الهائلة في السودان فإن 10% من الأراضي المزروعة تعتمد على الأمطار، بينما تبلغ المساحة التي تعتمد على الري المنتظم نحو 17% فقط و3% تسقى بمياه الفيضانات، ويرجع ذلك لعدم توافر وسائل الري الحديثة والحاجة لشق القنوات والترع.

- تبلغ مساحة الأراضي الرعوية نحو 600 مليون فدان، وهي إذا ما تم تحسينها وأحسن استخدامها لأمكن توفير أعداد هائلة من الثروة الحيوانية تقدر بنحو 60 مليون رأس من الماشية. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

162

الثلاثاء 07-أبريل-1970

أحداث السودان

نشر في العدد 8

136

الثلاثاء 05-مايو-1970

صحافة - العدد 8