; جدوى الحوار الفلسطيني الأمريكي | مجلة المجتمع

العنوان جدوى الحوار الفلسطيني الأمريكي

الكاتب عبدالعزيز العمري

تاريخ النشر الثلاثاء 21-مارس-1989

مشاهدات 68

نشر في العدد 909

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 21-مارس-1989

  • الوعود الأمريكية بإعطاء أبي عمار الضفة وغزة والقدس تشبه الوعود التي سبقت مجازر صبرا وشاتيلا.
  • أمريكا لا تضع مشكلة الشرق الأوسط ضمن أولوياتها.. وتركز على القضايا الداخلية.

أنظار القيادة الفلسطينية والأنظمة العربية نتجه نحو أمريكا.. ونحو إدارة بوش.. حيث تأمل هذه الأطراف أن تقوم الإدارة الأمريكية بدور أكثر فعالية للوصول إلى تسوية ما في الشرق الأوسط.. كما تأمل الأطراف أن يتطور الموقف الأمريكي إلى حد طرح مبادرة سياسية بعد أن يكون قد استطلع مواقف وآراء الأطراف المختلفة.. خاصة بعد الاجتماع بين بوش وكل من رئيس وزراء العدو إسحق شامير، والملك حسين، والرئيس حسني مبارك خلال الفترة القادمة.. إضافة إلى استطلاع الموقف السوفييتي من خلال اجتماع بيكر شيفارنادزة.. 

والآن وبعد إعادة استئناف الحوار الأمريكي الفلسطيني.. يبقى السؤال الأهم: ما الذي تريده واشنطن من المنظمة؟.. وما الذي تريده المنظمة من واشنطن؟!

  • الحل بيد أمريكا

صرح عرفات أكثر من مرة قائلًا: «الحل بيد أمريكا»، وذلك في معرض حديثه عن أهمية الحوار الفلسطيني الأمريكي.. باعتبار أن أمريكا هي الطرف الدولي الرئيسي الذي له تأثيره في مجريات الأمور في المنطقة، وباعتبار خصوصية العلاقة الأمريكية «الإسرائيلية».. ومن هذا المنطلق فقد هدفت منظمة التحرير من حوارها مع الإدارة الأمريكية إلى تحقيق الأمور التالية: 

(1) الحصول على اعتراف أمريكي رسمي بالمنظمة كممثل للشعب الفلسطيني. 

(۲) إزالة التحفظات الأمريكية تجاه مشاركة المنظمة في المؤتمر الدولي. 

(۳) تليين موقف أمريكا تجاه الدولة الفلسطينية.. حيث ما زال الموقف الأمريكي يرفض إقامة هذه الدولة.. ومحاولة الحصول على موافقة أمريكا على قيام دولة فلسطينية مقابل ضمانات أمنية فلسطينية وعربية ودولية لدولة العدو اليهودي.. 

(٤) ممارسة ضغط على الكيان اليهودي لإقناعه أو إجباره على قبول ما يسمى «بمبادرة السلام الفلسطينية».. والدخول في مفاوضات من خلال المؤتمر الدولي.

  • حقائق أمريكية

هذا فيما يتعلق بالأهداف الفلسطينية من الحوار مع الإدارة الأمريكية.. وقبل الخوض في الأهداف الأمريكية من الحوار مع المنظمة، يجدر بنا أن نؤكد على جملة الحقائق التالية:-

(1) أن الموقف الأمريكي لم يتغير.. وإنما بقي ثابتًا منذ العام ١٩٧٤ برفض الحوار مع م. ت. ف. قبل موافقتها على الشروط الثلاثة التي وضعها وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر.. وهي الاعتراف صراحة وبلا مواربة بحق دولة العدو في الوجود، والموافقة على قراري ٢٤٢ و ٣٣٨، ونبذ الإرهاب بكل أشكاله وألوانه..

(۲) أن الذي تطور وتغير هو الموقف الفلسطيني الذي عاد بعد ١٤ عامًا وقبل الشروط الأمريكية الثلاثة.

(۳) أن الموقف الأمريكي الحالي لا يزيد عن مجرد إجراء حوار مع م. ت. ف. قابل للتوسع، أو التجميد، أو الإيقاف في أية مرحلة من مراحل الحوار ولأي سبب.

(٤) الموافقة الأمريكية على إجراء الحوار مع المنظمة هي محاولة أمريكية «مخلصة» لإنقاذ دولة العدو اليهودي من «ورطتها» التي فرضتها عليها الانتفاضة المباركة لأبناء الشعب الفلسطيني.

(٥) أن الإدارة الأمريكية لا تتجه عادة لطرح مبادرات، أو تنشيط تحركاتها الدبلوماسية في المنطقة إلا لأحد سببين:

الأول: إذا وقع الكيان اليهودي في مأزق.

الثاني: لشغل أي فراغ دبلوماسي في الساحة من زاوية ضرورة، وسد الأبواب أمام محاولات التسلل السوفييتي للعب دور فاعل في المنطقة.

ليس ضمن أولوياتها..

والحقيقة أنه ليس هناك ما يدفع الإدارة الأمريكية الممارسة أية ضغوط «حقيقية» على الكيان اليهودي، خاصة في غياب الموقف العربي الموحد.. وفي ظل  الضعف والعجز العربي.. كما أن هناك جملة من الظروف والمعطيات تتعلق بالوضع الداخلي الأمريكي.. تجعل الإدارة الأمريكية غير متشجعة للقيام بمثل هذا الدور..

فصحيح أن بوش لم ينجح بأصوات اليهود.. وأنه ذو خبرة عملية طويلة في قضايا الشرق الأوسط.. وصحيح أن وزير خارجيته جيمس بيكر ورئيس موظفي مكتبه جون سنونو يلقى ارتياحًا عربيًا رسميًا.. لكن معاونيه الآخرين مثل سكوكرفت وايغلبيرغر وغيرهم من أشد أنصار «إسرائيل».. كما أن اللوبي اليهودي ما زال قويًا ومتماسكًا وفاعلًا في السياسة الأمريكية رغم ما أحدثته الانتفاضة من انقسام في الرأي في أوساط اليهود الأمريكيين، وتقول مصادر مختلفة إن بوش رجا ريغان أن يتخذ قرار فتح الحوار مع «م. ت. ف» لكيلا يكون بوش في عهده الجديد محرجًا مع اللوبي اليهودي. 

كما أن هناك اعتقادًا لدى محررين أمريكيين من أصل عربي وغربيين مطلعين على الأوضاع الأمريكية، بأن إدارة بوش لا تضع الشرق الأوسط ضمن أولوياتها، وإنما تركز اهتماماتها على ما يلي:

(۱) معالجة العجز المستمر في الميزانية الأمريكية 

(۲) إصلاح العلاقة بين الرئيس والكونغرس، وتعديل ميزان القوة والتأثير بين الجمهوريين والديمقراطيين.

(۳) التوصل إلى قرارات مصيرية حول السيطرة على الأسلحة الاستراتيجية.

لذلك فإن الإدارة الأمريكية غير متحمسة لطرح مبادرات جديدة أو جدية، وهي تسعى لكسب الوقت من خلال فتح الحوار مع منظمة التحرير الفلسطينية.

  • معالم الموقف الأمريكي

ومع هذا فإن معالم الموقف الأمريكي واضحة.. ويمكن إيجازها بما يلي :-

(۱) ترفض الإدارة الأمريكية مبدأ قيام الدولة الفلسطينية، مؤكدة أنها يمكن أن توافق على هذه الدولة إذا وافقت عليها «إسرائيل».

(۲) تصر الإدارة الأمريكية على ضرورة إشراك الأردن في أية تسوية، وارتباط أي شكل من أشكال الإدارة للمناطق المحتلة به. 

(۳) تسعى الإدارة الأمريكية لمنع اعتراف دول أوروبا الغربية بالمنظمة أو بالدولة الفلسطينية.

(٤) ممارسة ضغوط مستمرة على منظمة التحرير من أجل إجبارها على تقديم المزيد من التنازلات، وصولًا إلى محاولة وقف الانتفاضة التي تهدد الكيان اليهودي.

وعلى كل حال فإن إدارة بوش قد أعلنت أنها بصدد تقويم سياستها الخارجية، وهذا يحتاج إلى مزيد من الوقت، كما يحتاج إلى تشاور وتنسيق مع المجتمع الدولي، وخاصة مع الاتحاد السوفييتي.. 

وفي ضوء هذه الحقائق فإن إدارة بوش لم تغير من موقفها حتى الآن كما قال رئيس الكيان اليهودي في أعقاب لقائه مع بوش في طوكيو.. وتشير كل التوقعات المنطقية إلى أن إدارة بوش تراهن على الزمن، ولذلك ستظل تعمل على تحريك «جو» التسوية في المنطقة، وليس طرح تسوية واضحة المعالم.

  • جدوى الحوار!!

وتشير المعلومات إلى أن نقاشًا جديًا يجري بين القيادات الفلسطينية حول جدوى الحوار مع الولايات المتحدة.. نتيجة التباطؤ الأمريكي في مناقشة قضايا جوهرية خلال جلسات الحوار.. كما برز تيار يدعو إلى وقف هذا الحوار إلى حين موافقة إدارة بوش على الدخول في حوار حول القضايا المتعلقة بحل المشكلة الفلسطينية، باعتبار أن كل اللقاءات والاتصالات التي تمت بين المسؤولين الأمريكيين والمنظمة أنحصرت في رغبة واشنطن في الحصول على معلومات عن المسؤولين عن تفجير طائرة البوينغ الأمريكية فوق أسكتلندا في ديسمبر الماضي.. ومطالبة الأميركيين بوقف كل العمليات العدائية ضد «إسرائيل»، في حين يعارض التيار الآخر وقف الحوار مع أمريكا حتى لا تتخذ دولة العدو ذلك ذريعة للقيام بحملة إعلامية ودبلوماسية في الساحة الأمريكية والدولية، تتركز على أن منظمة التحرير ليست جادة في حوارها مع الولايات المتحدة، وبالتالي فهي ليست جادة في سعيها إلى إحلال السلام مع «إسرائيل».. الأمر الذي سينعكس سلبًا على ما يسمى «بمبادرة السلام الفلسطينية».

وتحاول قيادة المنظمة إقناع الإدارة الأمريكية بضرورة مناقشة أربع قضايا أساسية لمحاولة الوصول إلى تفاهم بشأنها.. وهذه القضايا كما ذكرتها مصادر فلسطينية مطلعة للقبس هي:

1- تسوية وحسم موضوع دور المنظمة في عملية السلام؛ بحيث تكون المنظمة «هي الممثل الشرعي الوحيد» للفلسطينيين.

٢- مناقشة كيفية عقد المؤتمر الدولي للسلام، مع استعداد المنظمة لمفاوضة ومحاورة العدو اليهودي قبل عقد المؤتمر.

3- مناقشة كيفية تأمين حق تقرير المصير وقيام الدولة الفلسطينية 

4- تحديد معنى الإرهاب والعمليات الإرهابية، وتحديد معنى الكفاح المسلح المشروع ضد الاحتلال.

  • الأوراق الموقعة:-

.. ورغم أن أبا عمار يؤكد أن لديه أوراقًا موقعة من أمريكا بإعطائه الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس.. ورغم أن القيادة الفلسطينية أعطت نفسها مدة ستة أشهر بعد موافقتها على الشروط الأمريكية.. لتبدأ بعد ذلك كما يقولون.. ثمار المواقف الفلسطينية السلمية.. إلا أننا نعتقد كما أسلفنا سابقًا أن كل هذه الوعود من أمريكا وغيرها لا يخرج عن سياق المراوغة الأمريكية الصهيونية المتناسقة من أجل نزع آخر الأوراق من يد القيادة الفلسطينية، والحصول على مزيد من التنازلات، وإنقاذ الكيان اليهودي.. وهذه الوعود المكتوبة وغير المكتوبة لن تكون أحسن حالًا من الوعود التي حصل عليها عرفات أثناء الغزو اليهودي للبنان عام ۱۹۸۲.. ثم خروج قوات الثورة من بيروت استنادًا إلى ورقة موقعة من أمريكا بضمانة إحدى الدول العربية.. نعم لقد صدقنا الوعود الأمريكية، فكانت مجازر صبرا وشاتيلا هي أبشع المجازر التي عرفها القرن..

إننا كإسلاميين نؤمن بأن الحوار مع أمريكا لن يخدم إلا مصلحة العدو المحتل، وأن المصلحة الأمريكية تتطابق مع المصلحة اليهودية بضرورة بقاء «إسرائيل» قوية في المنطقة، ورفض قيام دولة فلسطينية، وستمضي ال «٦» شهور، وكل الشهور، ولن يجني الفلسطينيون إلا تشددًا أمريكيا.. ورفضًا يهوديًا.

فكما بقي الأمريكان أكثر من «١٤» عامًا على موقفهم، سيبقى اليهود أيضًا على موقفهم.. وسيكون مطلوبًا من الطرف الفلسطيني كما اجتاز مسافة ال ١٤ عامًا ليوافق على الشروط الأمريكية.. سيكون مطلوبًا منه أيضًا اجتياز كل المسافة مع العدو ليتطابق معه في الموقف، وإن المراقب لتطورات الحوار.. والمتأمل بما يمكن أن يفضي إليه، ليتذكر قوله تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ ﴾ (آل عمران: 120).

 الذي يعيد الحقوق.. هو القوة مع الإصرار على هذه الحقوق، وليس التخفف منها أمام كل عقبة.. 

ومما اشتهر عن جزار صبرا وشاتيلا.. وزير حرب العدو الأسبق أرييل شارون قوله «إن الدبابات خير من يخوض الحوارات الصعبة».

الرابط المختصر :