العنوان حقيقة الموقف السوري من حرب الخليج
الكاتب عبد الرحمن الناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يونيو-1984
مشاهدات 74
نشر في العدد 677
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 26-يونيو-1984
التعاون السوري الإيراني طائفي أم سياسي؟
لاحظ المراقبون أن الحكومة السورية زادت من تحركاتها الدبلوماسية في المنطقة الخليجية خلال مناقشة مجلس الأمة الكويتي للميزانية العامة للدولة والتي تضمنت مسألة الدعم المالي لسوريا حيث كان هذا الدعم يتعرض لما يشبه الرفض الجماعي من قبل الشعب الكويتي والذي ظهرت معالمه في حينها عبر المقالات الصحفية والمنتديات الشعبية... إلخ..
وخاصة أن مناقشة هذا الدعم جاء متزامنًا مع قيام الطائرات الإيرانية بقصف عدة ناقلات نفطية تابعة للكويت والسعودية.
وكان التحرك السوري على أعلى مستوى حيث قام عبد الحليم خدام نائب الأسد بزيارة إيران في بداية شهر يونيو حيث صرح في حينها أن هدف زيارته لإيران هو العمل على تجنب توسيع الحرب ووقف تدهور الوضع في منطقة الخليج، وقال خدام أنه لمس أثناء زيارته لطهران رغبة إيران بعدم مهاجمة الدول الخليجية بل وإقامة علاقات حسنة مع حكوماتها!!
وما إن انتهت جولة خدام، وانتهى مجلس الأمة الكويتي من مناقشة الميزانية العامة وإقرار الدعم المالي لسوريا حتى قامت الطائرات الإيرانية بقصف ناقلة النفط الكويتية كاظمة يوم ١٠/ ٦/ ٨٤م وعندها لم يلاحظ أي تحرك من قبل الجانب السوري مما أثار الدهشة والحيرة والأسى في نفوس المواطنين في الخليج العربي وأصبح السؤال الذي يدور في أذهان الجميع: ما هي حقيقة الموقف السوري من حرب الخليج؟!
ولنصل إلى حقيقة الموقف السوري لا بد من معرفة حقيقة العلاقات السورية-الإيرانية.
- العلاقات السورية- الإيرانية:
منذ بداية الثورة الإيرانية والعلاقات ما بين سوريا وإيران يزداد مؤشرها ارتفاعًا إلى أن وصلت إلى الحد الذي وضع إلى جانب هذه العلاقات إشارات استفهام عديدة والسبب الذي من أجله وضعت إشارات الاستفهام يكمن في أن أيديولوجية الثورة الإيرانية وأيديولوجية الحكم السوري الذي يتبنى على حد قوله القومية الاشتراكية تتعارضان معارضة تامة وقاطعة، ومع هذا فإن التواجد الإيراني في سوريا كما يقول المراقب الصحفي ديفيد أوتاداي لجريدة الوطن الكويتية في «٥» يناير من العام الحالي ملحوظ بشكل واضح مع أنه لا يعرف حجم تأثير هذا التواجد، وقد أثار هذا التحالف دهشة المراقبين الدبلوماسيين في العاصمة السورية، وكما يقول جودیت میلر مراسل صحيفة النيويورك تايمز أن هذا التحالف بين سوریا وإیران يعتبر أمرًا غريبًا.
وقد لوحظ أن هذه العلاقات أكدتها الاتفاقيات المختلفة التي أبرمت ما بين إيران وسوريا ففي شهر مارس ۸۲م قام وفد سوري مكون من ٤٠ عضوًا وبرئاسة خدام بزيارة طهران حيث عقد عدة اتفاقيات نفطية وتجارية واقتصادية وصناعية. وقد قال وزير خارجية إيران علي أكبر ولايتي في كلمته التي ألقاها بعد توقيع الاتفاقيات أن هذه الاتفاقيات التي أبرمت بين سوريا وإيران تعتبر أكبر وأوسع اتفاقيات من نوعها في دول العالم الثالث.
والنقطة الأهم في هذه العلاقات تكمن في ذلك الانفتاح الذي تشهده سوريا أمام موجات الإيرانيين الذين يتدفقون بالآلاف إلى العاصمة السورية في صورة لم يسبق لها مثيل ولم تشهد سوريا من قبل في أي عهد من العهود فقد ذكرت صحيفة الوطن الكويتية بتاريخ ٢/ ١/ ٨٤م نقلًا عن المراقب الصحفي ديفيد أوتاواي أن إيران ترسل ألف سائح إيراني كل أسبوع إلى سوريا على أساس أنهم حجاج يزورون الأماكن المقدسة الشيعية في دمشق وينزل هؤلاء الإيرانيون في فنادق وسط دمشق مزينة بصور الخميني وشعارات الثورة الإيرانية وتنظم لهم جولات جماعية داخل سوريا، وكما يقول جوديت ميلر مراسل صحيفة النيويورك تايمز أن سوريا وافقت على دخول ألوف السياح والحجاج الإيرانيين إلى سوريا وأن عدد هؤلاء يبلغ ألفي زائر أسبوعيًّا، ويقول ميلر أن الحكومة السورية تقوم بتقديم تسهيلات الفنادق والطعام والنقل البري لهؤلاء الإيرانيين أثناء تواجدهم في البلاد.
وإضافة لكل ذلك فقد لاحظ المراقبون أن تسرب المقاتلين الإيرانيين إلى لبنان كان يتم عبر الأراضي السورية وبتشجيع وتسهيل السوريين وقد تمركز أكثر هؤلاء في منطقة البقاع قرب بعلبك حيث تتواجد القوات السورية العاملة في لبنان ويقول ديفيد أوتاواي أن السوريين أكثر تعاونًا مع حرس الثورة الإيرانيين المتواجدين قرب بعلبك حيث يساعدونهم في تدريب الشيعة اللبنانيين على السلاح وسكان دمشق يعلمون أن ما بين ألف إلى ١٥٠٠ حارس ثوري إيراني متواجدون داخل الأراضي السورية وفي منطقة الزبداني بالذات.
هذا موجز للعلاقات السورية- الإيرانية التي باتت تثير تساؤل وخشية المراقبين من أن تكون هذه العلاقات قد بنيت على أسس طائفية نظرًا لكون الغالبية العظمى من أركان الدولة السورية ينتمون إلى الطائفة العلوية التي تلتقي تاريخيًّا مع المذهب الشيعي الحاكم في إيران.
وأن لم يكن الأمر كذلك كما تقول سوريا على لسان أحد كبار المسؤولين فيها وهو محمد حيدر حيث يقول: نحن لا نؤيد الثورة الإيرانية لأنها دينية بل لأنها تلتحم بموقفنا، أننا نصادق إیران علی أسس سياسية لا دينية.
فكيف نفسر كل ما ذكرناه آنفًا حول العلاقات السورية- الإيرانية وكيف نفسر وقوف سوريا إلى جانب إيران في حربها مع العراق؟
- الموقف السوري من الحرب:
من المعروف أن الحكم السوري أعلن وقوفه إلى جانب إيران منذ بداية حربها مع العراق ۱۹۸۰م ولم يقتصر على إعلان التأييد بل سارع إلى وضع كل الإمكانيات في خدمة المجهود الحربي الإيراني فقد نقلت نشرة الأخبار التي تصدرها وزارة الإعلام الكويتية بتاريخ ٨/ ١٠/ ٨٠م عن صحيفة الديلي تلغراف البريطانية قولها أن الاستخبارات السورية بناء على طلب من إيران تقوم ببذل جهود كبيرة داخل الأردن لعرقلة مرور قوافل الشاحنات التي تنقل المعدات من ميناء العقبة الأردني إلى الأراضي العراقية كما أكدت الصحيفة على أن سوريا تحث إيران على مواصلة الحرب ضد العراق ورفض أي مبادرة عربية أو دولية تدعو لوقف إطلاق النار وأن سوريا تقوم بتزويد إيران بصورة متواصلة بتقارير استخبارية عن الأوضاع العراقية. وقد ذكر ديفيد أوتاواي في تقريره الصحفي أن سوريا ترسل أسلحة سوفياتية إلى إیران وتمنع العراق من تصدير نفطه الخام عبر الأنابيب التي تمر في سوريا معطيًا بذلك خدمة كبيرة لإيران في الجانب الاقتصادي من الحرب. ويقول جوديت ميلر أن سوريا تسرها أن ترى العراق تستنزف في حربها مع إيران.
وكانت صحيفة الرأي العام الكويتية قد ذكرت نقلًا عن صحيفة ديلي تلغراف قولها أن أنباء أوردتها أجهزة المخابرات الغربية أن بعض الصور التي التقطت من الجو وبعض الأنباء الواردة من طهران تكشف عن نقل كميات ضخمة من العتاد والإمدادات المختلفة إلى ايران قادمة من سوريا.
هذا موجز للموقف السوري من الحرب العراقية- الإيرانية والذي لم يطرأ عليه أي تغيير منذ بداية الحرب وحتى هذه اللحظة حيث نقلت وكالة رويتر عن راديو دمشق في تعليقه السياسي في اليوم التاسع من هذا الشهر قوله: إن العرب الداعين لنصرة صدام حسين في الحرب ضد إيران يجب أن يعلموا مدى الجريمة التي اقترفها العراق ضد الثورة الإيرانية التي تقف معنا ضد الإمبريالية وإسرائيل!!! وأن على الذين يريدون إنقاذ العراق من الحرب وإنقاذ الخليج من أخطارها أن يفكروا بأن أفضل الطرق هي إزالة الأسباب وإقصاء المسببين!!
ومن هذا الإصرار السوري على تأييد إيران في حربها ضد العراق نقول: لماذا كان التحرك الدبلوماسي السوري الأخير بعد ضرب ناقلات النفط؟
- الموقف السوري من ضرب الناقلات:
إن المتتبع للموقف السوري من الحرب العراقية الإيرانية وملاحظة إصرار سوريا على استمرار هذه الحرب يتأكد له بصورة لا تدع مجالُا للشك أن تحركها الدبلوماسي الأخير إثر ضرب الناقلات كان يتفق تمامًا مع الموقف الإيراني وبالتالي مع الموقف الغربي الداعي إلى تجزئة الحرب وفصل قضية الناقلات عن قضية الحرب، وهذا الموقف يدور باتجاه الضغط على العراق للتوقف عن ضرب جزيرة خرج الإيرانية التي تعتبر الميناء الرئيسي لتصدير النفط الإيراني إلى العالم ولم يكن الموقف السوري أو التحرك الدبلوماسي السوري يخرج عن هذا الإطار فقد قال عبد الحليم خدام أثناء تحركه الدبلوماسي الأخير أن انتشار الحرب يشكل خطرًا كبيرًا على مستقبل الأمة العربية وأن المعركة مع العدو الصهيوني تستلزم عدم الدخول في معارك هامشية لأنها تستنزف الطاقات وتبدد الجهود وتضعف إمكانية الصمود.
ونحن لا ندري إن كان توسيع الحرب وحده هو الخطر الأكبر أم أن الحرب ذاتها هي الخطر، وهل ما جرى ويجري منذ أربع سنوات بين العراق وإيران لم يكن له تأثير على الطاقات والجهود والصمود وجميع مستلزمات المعركة مع العدو الصهيوني. إن القضية لا تتعلق بالناقلات فقط وإنما بالحرب الدائرة منذ أربع سنوات وأن من يعمل على تجزئة هذه الحرب إنما يساهم من حيث يدري أو لا يدري في تنفيذ المخططات الغربية والأمريكية بالذات والرامية إلى استمرار هذه الحرب وإنهاك المنطقة واستنزافها.