العنوان مفاهيم الحوار والحريات عند الإخوان المسلمين
الكاتب حمدي عبدالعزيز
تاريخ النشر السبت 06-مارس-2004
مشاهدات 56
نشر في العدد 1591
نشر في الصفحة 38
السبت 06-مارس-2004
في معظم حواراته بعد توليه منصبه برر الأستاذ محمد مهدي عاكف -المرشد العام للإخوان المسلمين- دعوة الإخوان للحوار بين الحكومة المصرية والقوى السياسية بأنها تهدف إلى وضع الإمكانات والجهود في خدمة الوطن، معلنًا أن الجماعة ستطرح في الفترة القادمة -إضافة إلى هذا- ملف الحريات على اعتبار أن حل المشكلات ورفع معدلات التنمية لا يتمان في مناخ القهر والتضييق.
هناك عدد من السمات المستمدة من القرآن الكريم لدعوة الحوار التي يطرحها الإخوان منذ عهد المرشدين الراحلين مصطفى مشهور والمأمون الهضيبي، وحتى الآن، وهي:
أولًا: الصبر والروية وعدم الاستعجال والقدرة على الاستماع والفهم كمقدمات للحوار.
ثانيًا: منهجية التثبت والتحقق وعدم الجري وراء الإشاعات الظنون، فهي في حقيقتها الركيزة الأساسية للمحاورة وتبادل الآراء وتقليب وجهات النظر، كما تزرع الثقة وتسهم في هدم الحواجز بين المتحاورين لتأخذ عملية الإقناع والبيان مداها.
ثالثًا: التواصي بالإصلاح والانحياز للعدل ومواجهة البغي كتأكيد على امتلاك العقلية القادرة على التبصر في حقائق الخلاف بين الناس والقائمة على الاحترام المتبادل كأساس للتواصل والحوار والمناقشة بعيدا عن آليات التكبر والعجب.
أما فيما يتعلق بمفهوم الحريات، فالتعريف الشائع أنه تمكين الأفراد من معارضة الحكومة فيما تختص فيه من المجالات للحيلولة دون تمادي الحكومات وطغيانها وهي في المنظور الإسلامي فريضة اجتماعية وتكليف إلهي تتأسس عليها أمانة المسؤولية ورسالة الاستخلاف، وقد قدم العديد من مفكري الحركة الإسلامية رؤية متقدمة في الفهم الإسلامي للحريات، لعل أبرزها أطروحة راشد الغنوشي «الحريات العامة في الدولة الإسلامية» فقد بلور تحليلًا للأدلة الشرعية ومقاصد الشريعة بما يعطي تأصيلًا للعمل السياسي ولا يجعله اجتهادًا سياسيًا فحسب، أو تجارب وخلاصات تتكون بالممارسة العملية.
ولعل الدافع الأول لعملية الحوار يتمثل في تأزم العلاقة مع الحكومات، فمن جهة تقوم الحكومة المصرية بحملة «مواجهة شاملة» مع الجماعة منذ عام ۱۹۹۲ وتتخذ إجراءات مستمرة هادفة لهيمنة الحزب الحاكم، ورغم دعوتها للحوار مع القوى السياسية فإن هذه الدعوات لم تكن دليلًا على جديتها في إجراء الإصلاحات السياسية، نظرا لأنها ما زالت تأخذ بقوانين الطوارئ بما يفتح الباب أمام العديد من الممارسات غير الديمقراطية، فضلًا عن أنها تصر على استبعاد الإخوان في مرحلة جديدة بها تحديات تتزامن مع احتلال العراق وتفاقم الأزمة في الأراضي المحتلة.
ومن جهة أخرى فإن المشروع الإسلامي يواجه تهديدًا جديًا من المشروع العلماني وتسعى الجماعة في إطار المشروع الأول إلى تحقيق نهضة للإخوان المسلمين على أساس الإسلام وتحقيق استقلال حقيقي يؤدي إلى تنمية شاملة لموارد الأمة ينتهي إلى وحدة إسلامية مرورًا بوحدة عربية تجعل الأمة الإسلامية نداً لبقية أمم العالم، وذلك وفق منهج إصلاح متدرج يمد يد الحوار وجسور التفاهم مع الجميع.
تجدد الدعوة للحوار في هذا التوقيت يعبر عن رغبة في تجاوز الإجراءات الحكومية لإزاحة الإخوان وتقليص قدرتهم على العمل الاجتماعي والسياسي، وثبات الجماعة ومصابرتها على المواجهة لا يضرها القمع، بل يزيد أنصارها ويرسخ وجودها، ولكنه يعطل أهدافها بعبارة أخرى إنها محاولة لإيجاد موطئ قدم في المعترك السياسي متجاوزة كل تراث التحفظ الماضي، مادة يديها للتفاهم مع القوى الوطنية والأنظمة في إطار ما يسمى «سياسة التعايش».
إزالة سحب الدخان
أما إذا نظرنا في دوافع الدعوة للحريات وقول المرشد: إن الإخوان يرضون بأي نظام انتخابي مادام لا يوجد به تزوير وتتوافر فيه عوامل المساواة بين كافة المرشحين من الاتجاهات السياسية المختلفة فيمكن تقسيم هذه الدوافع إلى مجموعتين، الأولى داخلية وتتمثل في أن الحكومة ترهن التحول الديمقراطي بإرادتها عبر فرض القوانين التي تكرس سيطرتها وتحرم القوى السياسية من ممارسة نشاطها وتنظيم صفوفها في إطار القانون، وهو ما يعني سيادة عقلية التأبيد في السلطة، وكذلك استمرار السياسات الأمنية والقوانين الاستثنائية التي تطال الجماعة وأفرادها وتقلص قدراتها، هذا من ناحية.
الثانية: تتمثل في وجود بيئة خارجية غير مواتية تستهدف الشعوب والأنظمة في آن, وتتمثل في المشروعين الأمريكي والصهيوني، ويهدف الأول بحسب عبارات المرشد الجديد- إلى تركيع الأمة العربية والإسلامية وتوهين عقيدتها وسلخها من هويتها وخصوصيتها الثقافية وإعادة رسم خريطة المنطقة من جديد. أما الثاني فلم يعد قاصرًا على إقامة الكيان الصهيوني، وإنما تعدي ذلك إلى محاولة من النفوذ حتى الصين شرقًا والمغرب العربي غربًا.
سياق الدعوة للحوار والحريات
وبناء على ما سبق يمكن القول إن ثوابت الإخوان لا تتبدل بشخص المرشد على اعتبار أن عمل الجماعة مؤسسي يتبع سياسات متفقاً عليها، وأن هذه الدعوات تتوافق مع توجهات الجماعة الإصلاحية التي تتضمن مبادرات ومشروعات وأفكارًا داخلية وخارجية.
ويتضح الطابع الإصلاحي للجماعة بصورة قوية منذ النشأة، حيث وجه الإمام حسن البنا رسالة «نحو النور» إلى ملوك ورؤساء حكومات الدول العربية وتحمل رؤية إصلاحية لمناحي الحياة كافة، وينص القانون الأساسي للجماعة الذي أقر عام ١٩٤٨ على أن الإخوان المسلمين هيئة إسلامية جامعة تعمل لتحقيق الأغراض التي جاء بها الإسلام وما يتصل بهذه الأغراض. وهذه الدعوات للحوار وتحقيق الحريات مبنية على إدراك مقاصد الشرع ومناط المصلحة وعلى فکر استراتيجي يحسن الموازنة في ظروف متغيرة فالحوار هو الطريق المتاح لمواجهة تحديات الأوضاع الراهنة التي تفرض تكاتف كل الجهود وترسيخ الاستقرار عبر مد جسور التصالح بين الشعوب والأنظمة وهو ما يؤدي إلى تقليل الضغوط على الأنظمة، إضافة إلى تعبير الحركات الإسلامية عن نفسها بشكل يؤثر في واقع مجتمعاتها.
ومن آليات الحوار التي تقترحها بعض أوساط الجماعة تصميم ورشة عمل لصياغة ورقة نموذج للحوار الوطني، مع استمرار المشاركة بصورة غير رسمية في الحوار مع الأنظمة من خلال منظمات المجتمع الأهلي والنقابات.
وبخصوص الدعوة للحريات فإنها تأتي -كما هو مشار- كخطوة على طريق إصلاح الوضع المتدهور اقتصاديًا واجتماعيًا داخليًا وعربيًا، ويرى الإخوان أن الإصلاح السياسي يعد أحد المداخل الرئيسة لكافة أنواع الإصلاح، ويتلخص في ضرورة إجراء انتخابات تشريعية تكفل لهـا ضمانات الحيدة والنزاهة وتشرف عليها السلطة القضائية حتى يتسنى تشكيل مجالس نيابية تعبر بحق عن توجهات الشعوب وآمالها لتكون قادرة على الرقابة ولكي تصدر تشريعاتها معبرة عن هوية الأمة.
(*) خدمة مركز الإعلام العربي- القاهرة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل