; تفاصيل صفقة الخيانة الكبرى | مجلة المجتمع

العنوان تفاصيل صفقة الخيانة الكبرى

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 14-سبتمبر-1993

مشاهدات 104

نشر في العدد 1066

نشر في الصفحة 17

الثلاثاء 14-سبتمبر-1993

الصفقة التي أبرمها ياسر عرفات مع الكيان الصهيوني والمسماة بمشروع غزة أريحا أولاً والتي نتجت عن أربعة عشرة جولة من الجولات السرية التي عقدت في النرويج بين مسؤولين صهاينة وفلسطينيين لم تكن حسب تعبير كثير من المراقبين والمنصفين والسياسيين المعتدلين سوى خيانة كبرى للقضية الفلسطينية وللشعب الفلسطيني وللمقدسات الإسلامية، وللأمة العربية والإسلامية جميعها، لأنها ليست سوى تكريس للاحتلال الصهيوني ومنحه الشرعية والامتداد ليس على الأراضي الفلسطينية وحدها وإنما على سائر الأمة الإسلامية، وكما كانت اتفاقية (سايكس بيكو) منحنى خطيرًا في تاريخ الأمة الإسلامية فكذلك ستكون غزة أريحا أولاً منحنى أخطر، وقد سعينا لإعداد هذا الملف الذي طرحنا فيه آراء كثير من الخبراء والمعنيين من دول واتجاهات مختلفة وكان شبه إجماع إما بالتصريح أو التلميح بأن ما حدث لا يخرج عن إطار الخيانة الكبرى فإلى تفاصيل صفقة الخيانة الكبرى.

أعد هذا الملف:

محمد الراشد - الكويت، أحمد منصور - الكويت، طالب المسلم - الكويت، أحمد يوسف - واشنطن، محمد الغمقى - باريس، عاطف الجولاني - عمان، بدر محمد بدر - القاهرة، مراسلو قدس برس في لندن وواشنطن والقدس.

خفايا وأسرار الصفقة السرية بين المنظمة وإسرائيل

نشرت صحيفة نيويورك تايمز في عددها الصادر يوم الأحد 5/ 9/ 1993م تفاصيل مثيرة حول الصفقة التي تمت بين م.ت.ف والكيان الصهيوني في النرويج، وقالت الصحيفة: إن تاريخ هذه المباحثات التي أدت إلى التوصل إلى هذه الصفقة يرجع إلى شهر أبريل 1992م. وقالت: إن اللقاء الأكاديمي الذي تم في جامعة تل أبيب في ذلك الشهر هو المكان الذي ولدت فيه الصفقة؛ حيث تعرف يوسي بيلين -وهو من المقربين من وزير خارجية العدو شيمون بيريز- إلى تيرجي رد لارسن -رئيس معهد نرويجي يبحث في ظروف وأوضاع سكان الأراضي المحتلة- حيث عرض الأخير على بيلين إمكانية إيجاد صلة مباشرة بينه وبين مسؤولين في م.ت.ف، ولكن نظرًا لانشغال بيلين بالانتخابات "الإسرائيلية" التي كان موعدها قد اقترب في يونيو فقد كلف أستاذًا جامعيًا يهوديًا بإبقاء الصلة مع الرجل النرويجي. وفي أواسط يوليو 1992م عاد لارسن إلى القدس حيث أصبح بيلين نائبًا لوزير الخارجية الصهيوني ليحاول المباشرة بالفكرة التي كان طرحها من قبل، وفي سبتمبر من عام 1992م وفي تجمع آخر بتل أبيب أبلغ دبلوماسي نرويجي بيلين بأن بلاده على استعداد لتكون المعبر السري لاتصالات مباشرة مع م.ت.ف.

وبعد ذلك وخلال اجتماعات ومناقشات في عدة دول وفي غرف الفنادق العادية ومنزل وزير خارجية النرويج بين ممثلين من م.ت.ف والكيان الصهيوني، تم التوصل إلى مبادئ هذا المشروع (غزة - أريحا).

ويقول البروفيسور اليهودي يائير هيرشفلد الأستاذ في جامعة حيفا والذي كان يمثل بيلين في هذه الاتصالات إن أصعب شق في الموضوع كان إبقاء الأفواه المشاركة مقفلة للمحافظة على سرية الاتصالات، حيث لم يعرف بذلك أكثر من اثني عشر (12) شخصًا.

ويذكر أن الوفد الفلسطيني المفاوض في واشنطن كان ممن لا يعلمون، كما كان أعضاء الحكومة "الإسرائيلية" والقادة الفلسطينيون المحليون في الأراضي المحتلة ممن لا يعلمون كذلك، ويبدو أن النرويجيين قد وضعوا الولايات المتحدة بالصورة منذ البداية، لكن أميركا لم ترغب بالدخول فيها.

وقد حظيت الصفقة بدعم مبكر من بيريز تبعه دعم من رابين في مراحل متقدمة من المناقشات منذ الربيع الماضي، وقد حظيت هذه الصفقة بدعم ياسر عرفات شخصيًا منذ البداية.

ويذكر أن بيريز قد حضر التوقيع بالأحرف الأولى في النرويج في 20 أغسطس 1993م. وكان من الأمور المثيرة التعاون الذي ظهر بين بيريز ورابين حول هذه الصفقة رغم ما بينهما من عداء سياسي ورغم أن كل مكسب لأحدهما هو خسارة للآخر في المعركة السياسية الداخلية بينهما داخل حزب العمل الصهيوني في أي انتخابات قادمة!

وقد علق بيريز على ذلك بقوله: «نحن شعب ناهض، ولم نعد نهتم بمن يملك السيطرة من بيننا، فنحن نقود شعبنا نحو المستقبل من أجل أن نحمي أنفسنا من أن نقع تحت دائرة «البلقنة» وحتى لا نقع في حالة تشبه ما يجري في يوغوسلافيا السابقة».

قصة الصفقة

يقول يائير عن هذه اللقاءات: منذ الحوارات الأولى كان واضحًا أن (م.ت.ف) تشعر بأن عليها أن تتحرك الآن حيث إن نفوذ -حماس- في الأراضي المحتلة في ازدياد، وإن الناس الذين في تونس يشعرون أن عليهم إنجاح المفاوضات.

في العشرين من يناير 1993م عقد الاجتماع الأول من سلسلة اجتماعات بلغت أربعة عشر (14) في النرويج. وكان هذا الاجتماع بين البروفيسور اليهودي يائير والمسؤول الفلسطيني أحمد قريع (أبو علاء)، وحضر الاجتماع كذلك مساعد لقريع وبروفيسور يهودي يدعى رون بونداك إضافة إلى يائير، وقد كانت مهمة بونداك تتركز على أخذ الملاحظات وطباعة الأوراق وحجوزات الطيران، وهو أستاذ في جامعة تل أبيب.

وقد عقدت المحادثات الأولى قرب مدينة ساربسبوغ التي تبعد 60 ميلاً شرقي العاصمة النرويجية أوسلو، وتم ذلك في المنتجع الصيفي لملوك النرويج في العصور الوسطى، وهو منتجع ضخم محاط بالحقول الزراعية والغابات، حيث اعتقد النرويجيون أنه المكان الأنسب لكي يخلع الفلسطينيون و"الإسرائيليون" جاكيتاتهم وربطات الأعناق ليجلسوا أمام موقد النار للتعرف على بعضهم بلا حواجز أو رسميات!

جاءت الاتصالات السرية في أوسلو بعد توقف المفاوضات العلنية في واشنطن إثر إبعاد "إسرائيل" 415 فلسطينيًا إلى جنوب لبنان في 17 ديسمبر 1992م.

وفي مارس 1993م قامت "إسرائيل" بإغلاق الأراضي المحتلة بعد سلسلة من عمليات المقاومة ضد الجنود الإسرائيليين، وقد خيمت هذه الخطوة على المحادثات السرية في أوسلو وأثارت جوًّا من الضياع والشعور بصعوبة استعادة الأجواء حسب تعبير يائير، ولكن تم تجاوز هذه الأزمة بناء على تشجيع من الأمريكيين الذين تم وضعهم بالصورة منذ أوائل نوفمبر 1992م. وفي الاجتماع الثاني الذي تم في فبراير 1993م في أوسلو رسم أبو علاء ويائير مسودة اتفاق كانت الأولى من نوعها بين الجانبين وقدمت فيها فكرة ربط غزة بأريحا!! ولم يكن لدى "الإسرائيليين" أي اعتراض على إعطاء الفلسطينيين في غزة حكمًا ذاتيًا محدودًا حيث يعتبرونه مصدرًا لصداع سياسي واقتصادي ومنبعًا للإرهاب، ومصيدةً للموت بالنسبة للجنود "الإسرائيليين" الذين يقومون بأعمال الدورية بين مدنه ومخيماته، كما يؤيد معظم "الإسرائيليين" ذلك، لكن الاختلاف كان على من يتم تسليم القطاع له؟!

رفع مستوى المباحثات

في أبريل وبضغط من الطرف الفلسطيني تقرر رفع مستوى المباحثات إلى المستوى الرسمي؛ حيث سعى يوري سافير (40 عامًا) وهو المدير العام لوزارة الخارجية "الإسرائيلية" لرئاسة الوفد "الإسرائيلي"، كما انضم معه كذلك يوئيل زنغر وهو محام خبير في القانون الدولي ومحترم الرأي لدى رابين، وهو ضابط احتياط في الجيش الصهيوني، ويقال إنه كان له دور كبير بإقناع رابين بالمضي قدمًا بهذه الصفقة.

ومنذ نهاية أبريل وحتى أواخر أغسطس 1993م تولى قيادة المحادثات عن الجانب "الإسرائيلي" يوري سافير، وقادها عن الجانب الفلسطيني أحمد قريع يساعده مستشار قانوني اسمه طاهر شاش، وقد استغرقت هذه المرحلة إحدى عشرة جلسة في النرويج، وكانت الجلسات تنتقل من مكان إلى آخر داخل النرويج حول العاصمة أوسلو (فنادق، منتجعات، بيت وزير الخارجية النرويجي).

وفي منزل وزير الخارجية النرويجي قامت زوجته بتحضير الطعام الساخن بنفسها، إضافة إلى إعداد الخمرة التشيلية! ويقول وزير خارجية النرويج: كان علينا أن نأكل وفق نظام مناسب، وقد أكلنا الكثير من لحم الضأن، كما تبادل أبو علاء وسافير المزاح والنكات والمرح، ويضيف: إنه كلما ازدادت شقة الخلاف كانت تقطع ببعض النكات. لقد كانت علاقاتهم غير رسمية، كانت متداخلة وقوية ومكثفة.

الوصول إلى الاتفاق

يقول يائير: لقد كان هناك صعود وهبوط كثير في يوليو 1993م. وكان التفاؤل والتشاؤم يتسابقان حول الكثير من النقاط، ويبدو أن أكثر هذه المسائل التي كانت تزيد من الخلاف: السيطرة على جسر اللنبي، والممر بين أريحا وغزة، ووضع القدس الشرقية، والاعتراف المتبادل بين المنظمة وإسرائيل، وذلك بعد أن تعلن أنها أسقطت من ميثاقها الأجزاء الداعية إلى تدمير الدولة اليهودية وأعلنت أنها تنبذ الإرهاب، وتؤمن بالحوار والمفاوضات كسبيل وحيد للتعامل مع "إسرائيل"، ورغم تدخل رابين وبيريز من داخل "إسرائيل" لحل هذه الإشكالات غير أن ذلك لم يكن كافيًا.

ولذلك فقد شهدت المراحل الأخيرة من الاتفاق تحركات عدة كان أبرزها:

·       قيام نمرود نوفيك -أحد مساعدي بيريز- بزيارة إلى القاهرة في يونيو 1993م حيث استمع خلالها إلى رد ياسر عرفات على خيار غزة أريحا من أسامة الباز مدير مكتب الرئيس المصري.

·       عقد اجتماع بين وزير البيئة "الإسرائيلي" يوسي ساريد ونبيل شعث في القاهرة أيضًا في نهاية يوليو 1993م

·       اجتماع وزير الصحة "الإسرائيلي" حاييم رامون في القدس مع د. أحمد الطيبي المقرب من ياسر عرفات.

وفي أغسطس أبلغ سافير وزير الخارجية شيمون بيريز أن الصفقة أصبحت جاهزة وفي متناول اليد على أساس «غزة وأريحا- اعتراف متبادل- سيطرة "إسرائيل" على الحدود- رسم تعاون اقتصادي مشترك، مع بقاء مسألة السيطرة على جسر اللنبي والممر بين أريحا وغزة».

وفي 19 أغسطس 1993م سافر بيريز إلى أوسلو أعلن أنها جزء من رحلة روتينية إلى إسكندنافيا.

لكنه -بعد انصراف الضيوف من الاستقبال والعشاء- صعد سلم بيت الضيافة الحكومي النرويجي ليجد أحمد قريع بانتظاره في غرفة كبيرة؛ حيث تصافحا في اللقاء الأول بينهما!

ومن ثم تم التوقيع على الاتفاق بالأحرف الأولى بين أحمد قريع ويوري سافير ولكن بحضور بيريز ليعكس ذلك مباركة الحكومة "الإسرائيلية" على أعلى المستويات لهذا الاتفاق.

وقالت صحيفة معاريف الصهيونية: إن بيريز هاتف رابين وأيقظه من نومه في وقت مبكر من صباح 20 أغسطس 1993م وأبلغه: لقد وقّعنا، حيث رد عليه رابين بقوله: عمل جيد، ثم كلف بيريز بلقاء كريستوفر لإطلاعه على الاتفاق من أجل دعمه والمساعدة في تحصيل الدعم له من "الإسرائيليين" والعرب.

ورغم تأخر التوقيع الرسمي على الاتفاق غير أن البروفيسور يائير هيرشفلد يرى أنها مسألة وقت ليس إلا، وقال: لو كنت أفهم بقليل من السياسة فإنني لابد أن أقول إننا وصلنا إلى نقطة اللاعودة.

ومما يجدر ذكره أن الاتفاق تم في اتصالات متواصلة منذ أبريل 1992م حتى أغسطس 1993م، والتي تمت في العديد من العواصم والمدن في العالم أبرزها: تل أبيب، لندن، أوسلو، القاهرة، القدس، وأخيرًا أوسلو، وقد استغرقت المرحلة التمهيدية 3 جلسات في النرويج، كما استغرق إقرار المسودة للاتفاق 11 جلسة في النرويج أيضًا، ويذكر أن كلاً من رابين وبيريز قد نسقا جهودهما منذ أبريل 1993م.

تعليق وتعقيب

بينما يحاول فيصل الحسيني وأتباعه المسلحون المرور على المدن والمخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية -تحت بصر وسماع قوات الاحتلال- من أجل عرض اتفاقية غزة - أريحا أولاً فإن الشارع الفلسطيني وخصوصًا في غزة لا يزال يغلي.

وقد قامت كتائب القسام التابعة لحماس بهجوم عسكري في الخليل قتل فيه جندي صهيوني وجرح آخر بجراح خطيرة بعد انقلاب العربة العسكرية التي كانوا يستقلونها.

وفي غزة قام شاب بطعن جندي فقتله جندي آخر بالرصاص، وفي ذات الوقت قتلت القوات "الإسرائيلية" صبيًا لم يتجاوز السادسة عشر في مظاهرة تندد بمشروع غزة- أريحا.

وفي استطلاع للرأي أجرته شبكات التلفزيون الأمريكية للقطاع يقول المراسلون: إن المعارضة للاتفاق تزيد قوتها شيئًا فشيئًا في حين يبدو عرفات غير قادر على إقناع أقرب المقربين له في الشارع الفلسطيني ممثلاً في حركة فتح. ففي اجتماع للمجلس المركزي لحركة فتح الأسبوع الماضي عارض الاتفاق أربعة أشخاص من أصل (14) من الحاضرين وتحفظ عليه بقية الأعضاء فتمت إحالة الاتفاق على الأطر الأخرى لحركة فتح والمنظمة.

وبينما يحاول عرفات كسب التأييد من الأنظمة العربية فلا يزال الملك حسين غاضبًا وقلقًا من الاتفاق بالرغم من ضغط أمريكا المتواصل عليه، وقد تحفظ الرئيس الأسد عن التأييد المطلق للاتفاق لحين حصول عرفات على تأييد الشعب الفلسطيني له.

ومن المعلوم أن الاتفاق تم التوصل إليه سرًا عبر جلسات متواصلة في منتجع نرويجي بين قيادي في حركة فتح (أحمد قريع) ونائب وزير الخارجية "الإسرائيلي" يوسي بيلين؛ قال يوسي بيلين: إن هذا الاتفاق هو تحالف بين منظمة التحرير وإسرائيل ضد حماس.

وقال لجريدة لوس أنجلوس تايمز في 2/ 9/ 93م: إن الاتفاق مشروط ويمكن التراجع عنه، والشرط الرئيسي هو أن تثبت السلطات المحلية الفلسطينية قدرتها على حفظ النظام في حالة انسحاب الاحتلال العسكري، وبالنسبة لإسرائيل فإن ذلك يعني منع الهجمات ضد جنود العدو وآلياته في مناطق انتشارهم وعند المستوطنات.

يقول مراسل شبكة (NBC) تعليقًا على المهرجان الذي عقده فيصل الحسيني باستغراب شديد: إن فيصل الحسيني يقول للجمهور هنا بأن م.ت.ف قد حصلت على دولة فلسطينية! ليس هذا في الواقع ما حصل عليه عرفات لكن هذا ما تقوله القيادة الفلسطينية في القدس لشعبها.

واشنطن: مراسل المجتمع


نبيل شعث: الاتصالات السرية بين المنظمة وإسرائيل بدأت قبل عام من الآن

قال عضو بارز في منظمة التحرير الفلسطينية: إن الاتفاق الفلسطيني "الإسرائيلي" حول ما يعرف بمشروع غزة أريحا أولاً يعتبر أفضل ما قدم للجانب الفلسطيني من عروض منذ انطلاق عملية السلام في مدريد قبل نحو واحد وعشرين شهرًا، وأكد الدكتور نبيل شعث المستشار السياسي للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وعضو فريق المفاوضات داخل منظمة التحرير: إن ما عرضه الوفد الأمريكي برئاسة دينس روس في 30 حزيران (يونيو) الماضي كان أقل بكثير مما عرضه "الإسرائيليون" في الاتفاق الذي توصلنا إليه أخيرًا، وعزا ذلك إلى قيام محادثات مباشرة بين منظمة التحرير وإسرائيل. ونفى في الوقت نفسه أن تكون العروض التي قدمت للفلسطينيين تعبر عن موقف ضعيف في منظمة التحرير الفلسطينية، وإنما تعبر عن رغبة فلسطينية و"إسرائيلية" قوية للوصول إلى اتفاق سلام يستطيع أن يقبله الطرفان ويتعايشا معه، ويخلق أوضاعًا على الأرض تؤدي إلى سلام شامل.

وأكد شعث في حديث لوسائل إعلام أمريكية أن الاتصالات السرية بين "إسرائيل" ومنظمة التحرير الفلسطينية بدأت في آب (أغسطس) 1992م، أي بعد نحو شهر من تولي إسحاق رابين زعيم حزب العمل رئاسة الحكومة "الإسرائيلية" إثر فوزه في الانتخابات التشريعية.

وقال: إن تلك الاتصالات كانت موجودة في السابق بين زعماء معسكر السلام "الإسرائيلي"، ومسؤولين في المنظمة، غير أنها تحولت إلى شكل رسمي بعد تشکیل حزبي العمل وميرتس للائتلاف الحكومي الجديد غير أنه قال إن المفاوضات السرية التي بدأت في العاصمة النرويجية جاءت في شهر تشرين ثاني (نوفمبر) الماضي واستمرت مدة ستة أشهر حتى شهر أيار (مايو) المنصرم، ولم تتمخض عن نتائج إلى أن تجددت في الشهر الماضي حيث تم التوصل إلى مشروع الاتفاق حول غزة أريحا.

واشنطن: غادة المصري - قدس برس


البنود السرية في الصفقة

في الوقت الذي كانت مختلف وسائل الإعلام مركزة أضواءها على ما يجري في مفاوضات واشنطن، كانت تُعد في العاصمة النرويجية أوسلو طبخة "إسرائيلية" بمباركة من عرفات وبعض رفاقه ومن العديد من الأوساط الغربية في ظل تعتيم إعلامي كلي. ثم أُعلن عن اتفاق لحكم أو بالأحرى لإدارة ذاتية في أريحا وغزة، ماذا عن تفاصيل هذا الاتفاق السري وما الملابسات والظروف التي حفت به؟

ككل الاتفاقات السرية، فقد دارت حول الاتفاق الأخير في أوسلو نقاشات وتساؤلات كثيرة بالنظر إلى خطورة أبعاده على قضية جد حساسة في قلب منطقة الشرق الأوسط.

وخارج البنود المعلنة وذات المعالم الواضحة -الإعلان عن بدء تطبيق المرحلة الانتقالية في الضفة والقطاع- هناك بعض القضايا التي تحدث عنها الاتفاق لكن ما زالت غامضة المعالم ومبهمة مثل ماهية الولاية الجغرافية الفلسطينية وماهية الصلاحيات التي أشار إليها الاتفاق والتي سيقوم على أساسها حق التشريع للفلسطينيين. ثم مسألة المعابر الحدودية؛ حيث تطالب منظمة التحرير بسلطة دولية عليها بينما يطالب الكيان الصهيوني بسلطة "إسرائيلية" إلى جانب مسألة العلاقة بين الضفة الغربية بعد الانتخابات وبين قطاع غزة وأريحا اليوم، وكذلك القرار 242 الذي اعتبره الاتفاق خاتمة المطاف حيث سيتم تطبيقه في المرحلة النهائية لكنه معلوم بأن هناك قراءات مختلفة لهذا القرار على مستوى تنزيله إلى أرض الواقع.

بالإضافة إلى هذا الغموض حول قضايا هامة، لم يتطرق الاتفاق إلى إشكاليات أساسية لمستقبل الصراع في الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية بالتحديد مثل العلاقة مع الأردن وموضوع النازحين عام 1967م، والمستوطنات والاستيطان والعلاقة بين كيان أريحا - غزة وباقي الضفة وكذلك الحدود التي أشار إليها الاتفاق في إطار إعادة انتشار الجيش "الإسرائيلي" في القطاع وأريحا وانسحابه إلى الحدود والمستوطنات..

أما في البنود السرية للاتفاق فقد تناقلت مصادر عديدة هنا في باريس أن الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني قد وقعا اتفاقًا مريبًا يقضي بتزويد حكومة رابين بقمر صناعي جديد تتكفل واشنطن بإعداده وإطلاقه لنقل كل تفاصيل ومراقبة ما يدور في غزة وأريحا على مدار 24 ساعة، بالإضافة إلى تزويد القوات "الإسرائيلية" بأجهزة رادار متطورة وأسلحة تعمل بأشعة الليزر لضبط الأمن في الكيان الجديد مع التركيز على القوى الإسلامية وكل المعارضين للحلول الاستسلامية.

من جهة أخرى تقول نفس المصادر: إن مصر تعهدت بإقامة نقاط تفتيش "إسرائيلية" - مصرية مشتركة للحيلولة دون عبور أي من الفلسطينيين من الأراضي المصرية من خلال قطاع غزة.

والواضح أن هذا الاتفاق السري كرس مصالح الكيان الصهيوني مقابل وعود تافهة لعرفات بكسر الطوق عنه وإنقاذه من السقوط تحت ضربات الانتفاضة وبعض القيادات الفلسطينية الوطنية، وقد دفعت القضية الفلسطينية الثمن غاليًا مقابل هذه المواقف الخيانية، ذلك أن الصهاينة توصلوا إلى تحقيق أغراضهم بالحفاظ على أمن "إسرائيل" عن طريق التأكد من استعداد الطرفين (الفلسطيني (خط عرفات) والمصري) للتعاون مع القوات "الإسرائيلية" لخنق المعارضة الإسلامية، ومنعها من تسديد ضربات قوية في قلب الكيان الصهيوني بعد أن قام هذا الأخير بتأمين حدوده الشمالية مع لبنان إثر الاجتياح الأخير للجنوب اللبناني، بل أبعد من ذلك فإن عرفات وصحبه قد أعطوا ضمانات للصهاينة خلال الاتفاق السري الأخير بالتخلي ليس عما تسميه الأوساط الغربية الصهيونية بـ«الإرهاب» فقط، وإنما بالإعراض أيضًا عن النضال المسلح، في حين أن هذا الصنف من المقاومة مشروع في ظل احتلال مغتصب.

أما عن الظروف والملابسات التي حفت بهذا الاتفاق فقد أشارت العديد من المصادر إلى اللقاءات السرية العديدة بين الطرفين برعاية الدبلوماسية الخفية للدول السكندنافية (السويد عام 1988م ثم النرويج) فقد صرح وزير خارجية النرويج بأن بلاده اختارت إدخال الدبلوماسية من الباب الخلفي الخاص حتى تكون ناجحة، وقامت الحكومة النرويجية بربط العلاقات السرية بين الطرفين بالاعتماد على اتصالاتها الدورية القديمة مع عرفات وعلى الروابط الوثيقة بين الحزبين الاشتراكيين النرويجي و"الإسرائيلي"، وتمت هذه الاتصالات بموافقة واشنطن حسب دبلوماسي نرويجي قريب إلى المفاوضات.

ومهما يكن من أمر، فإن الاتفاق السري محكوم عليه مسبقًا بالفشل لأن قضايا الشعوب لا تُحل في الكواليس وراء ظهورها في الوقت الذي يدفع فيه الممثلون الشرعيون والمناضلون الحقيقيون ضريبة الدفاع عن الكرامة والتحرر من قيود التبعية والاضطهاد.

باريس: محمد الغمقي

الرابط المختصر :