; اختلاط الألوان في حرب كوسوفا | مجلة المجتمع

العنوان اختلاط الألوان في حرب كوسوفا

الكاتب راشد الغنوشي

تاريخ النشر الثلاثاء 08-يونيو-1999

مشاهدات 63

نشر في العدد 1353

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 08-يونيو-1999

عندما ترى من تعودت منه الأذى والشر قد استنفر كل قواه مؤكدًا أنه إنما جاء للدفاع عن أخيك، فإنك لا محالة يصيبك نوع من الدوار واختلاط المشاعر هل تفرح أم تحزن؟ هل تفرح لأن أخاك وجد على كل حال من يدافع عنه وقد عجزت عن ذلك كل الأسرة، أم تحزن لأن من تعودت منه الشر يمكن أن ينجح ويحقق من خلال ذلك أهدافه الخاصة التي جاء من أجلها؟ شر من ذلك هو حالنا اليوم نحن المسلمين الذين طالما اكتووا بنار أمريكا وهي تقف على الشق الآخر في كل جبهة يكون لنا معشر العرب والمسلمين فيها وجود ومصلحة إن قلوبنا يعصرها الحزن عصرًا، ونحن نرى إخواننا في كوسوفا وكأن الأرض قد زلزلت تحت أقدامهم فهدمت قراهم ومحيت أثارهم وأعدم شبابهم، واغتصبت نساؤهم فهم بين من ووري التراب وبين مشرد على السفوح والجبال والأحراش المغطاة بالثلوج وقلبه يحترق حزنًا، وذلك على يد العصابات الصربية نفسها بقيادة المجرم المريض الفاشي سلوبودان هي العصابات نفسها التي فعلت في أهل البوسنة الأفاعيل.. تباشر اليوم عملها في كوسوفا فتشرد خلال أسبوع نحو ۷۰۰ ألف مسلم بمعدل ۱۰۰ ألف يوميًا، وتمسح الأرض مسحًا من كل أثر حضاري وعمراني شادوه خلال مئات السنين, بينما كانت لهم في بداية هذا القرن دولة أسقطها الشيوعيون وعوضوهم عنها بحكم ذاتي، حتى إذا طمع الصرب في أن ترث قوميتهم الفدرالية اليوغسلافية، ولأن القوميات الأخرى الكرواتية والسلوفانية والمقدونية غربية نصرانية، فقد وجدت الدعم الغربي لانتزاع استقلالها بيسر أما مسلمو البوسنة والهرسك ومسلمو كوسوفا من الألبان ومسلمو السنجق، والدور سيأتي عليهم في الإبادة, فقد وجدت فيهم القومية الغالبة الشوفينية الصربية مجالًا؛ لإشباع شرهها إلى المجد والتسلط وموضوعًا مناسبًا لتحقيق الأساطير التي زرعها في نفوسهم شياطينهم من الأدباء والمؤرخين الذين صنعوا ميثيولوجيا المجد الصربي الذي أطاح به المسلمون الأتراك، وكما فعل شياطين اليهود والصهاينة في صناعة أسطورة أرض إسرائيل وقلب أورشليم، فعل شياطين الصرب في محورة أسطورة المجد الصربي حول كوسوفا، وكما نظر الصهاينة إلى السكان الأصليين من الفلسطينيين على أنهم أغراب مغتصبون يجب تطهير الأرض منهم بكل الوسائل بما في ذلك المذابح والاغتصاب الجماعي ونسف وحرق البيوت كما حصل في دير ياسين نظر مرضى الصرب إلى مسلمي يوغسلافيا السابقة من البوشناق والألبان.

 وكما أن الغرب ظل يتفرج على الدماء الإسلامية تتدفق بغزارة ومعسكرات الحصار وأفواج المغتصبات واللاجئين مكتفيًا بعقد المؤتمرات والكلام المعسول ولم يتدخل إلا عندما التقط المسلمون أنفاسهم ونجحوا في تكوين جيشهم الذي بدأ يستعيد مدنه واحدة بعد الأخرى فعل شبيهًا لذلك في حال كوسوفا لقد بدأت عملية تطويق مسلمي كوسوفا وإعدادهم للذبح منذ عام ۱۹۸۹م يوم ألغي استقلالهم الذاتي وحجر على جامعتهم ومدارسهم أن تعلم بلغتهم وحظر عليهم حتى اقتناء السكين ووضعوا في القيد في انتظار الظروف المناسبة للذبح وعلى الرغم من أن حركتهم الوطنية بدأت سلمية رافضة اللجوء للعنف وعلى رغم ما عقدته من صداقات واسعة مع كثير من الجهات الغربية، إلا أن ما تطالب به من احترام هويتها القومية والدينية والحد الأدنى من حقوقها في إدارة شؤونها الداخلية لم يحظ بأي استجابة الأمر الذي دفع جيلًا جديدًا من الشباب إلى السلاح للدفاع عن هويتهم وحرياتهم فتألف جيش كوسوفا الذي وجد التفافًا كبيرًا حوله من طرف الشعب كما وجد الدعم من كثير من فاعلي الخير من الألبان والأتراك والعرب لتجهيز نفسه بأسلحة خفيفة وتسرب بعضها فيما يبدو خلال الفوضى التي تعرضت لها ألبانيا ونقلت السلطة فيها من الرئيس المسلم بريشا الذي كان متعاطفًا مع قضية كوسوفا إلى حكومة أرثوذكسية.. فحرم أهل كوسوفا من سند مهم.. وتوافر الظرف المناسب للوحش الصربي أن ينقض على فريسته.

تفسير واحد لا يكفي

ولأن الصورة في هذه الحرب تختلط فيها الألوان بما يجعل كل مسعى للتفسير بالسبب الوحيد يخيب في تحليلها كان مناسبًا الوقوف عند الجوانب الآتية:

  • هناك بعد قومي ديني بهذا الترتيب لهذه الحرب.. صراع بين قومية صربية متخمة إلى حد المرض بأساطير أمجاد الماضي والحقد الأعمى على المتسببين في كوارثها وهم الأتراك المسلمون.. والألبان «ورثتهم وعملاؤهم».. وبين قومية ألبانية مسلمة مقهورة في حالة دفاع عن النفس من الإبادة وذنبها الوحيد وجودها على أرض تمثل قلب مركز الأسطورة للصرب, ذنب أهل فلسطين في نظر الصهاينة.

  • هناك نظام في قلب أوروبا لا يزال منتميًا إلى حد كبير إلى جزء من النظام الشيوعي القديم المهزوم يمثل بنمط زعامته وبطموحاته التوسعية وارتباطه بروسيا تحديًا في قلب أوروبا ومثار مشكلات للولايات المتحدة زعيمة المعسكر المنتصر ولحلفائها وبخاصة الألبان.. لم يبق مقبولًا تحمل مشكلاته وعنترياته.. وقد جاء الوقت لتحجيمه حتى يقبل من هم أكبر وأشد منه زعامة، ولا سيما أن طموحاته في التطهير العرقي تهدد بالإخلال بالتوازن القائم في عدد من الدول المحيطة.

  • هناك كيان أوروبي يسير قدمًا نحو الوحدة والقوة والاستقلال بما يمثل تحديًا هو الأكبر اليوم للزعامة الأمريكية العالمية مطلوب باستمرار إشعاره بالعجز عن حل مشكلاته الداخلية وتطويعه من أجل التسليم المطلق بالقيادة الأمريكية وكانت البلقان في البوسنة سابقًا وحاليًا في كوسوفا، مناسبة جيدة لتأكيد هذه الهيمنة الأمريكية على أوروبا.

  • هناك روسيا الرجل المريض الذي لا يزال يحدث نفسه بأمجاد الماضي.. ويمكن لو ترك لحاله أن يلتحق بالكيان الأوروبي فيتقوى الطرفان.. وهذا ما ينبغي استبعاده.. والحرب في كوسوفا مناسبة جيدة لإبعاد الطرفين عن بعضهما وإشعار أوروبا الخطر الروسي حتى تزداد اقترابًا من الأب الأمريكي. 

  • هناك قوى أخرى في العالم تحدث نفسها بالاستقلال.. وهذه مناسبة لإبلاغها هذه الرسالة: إن الأطالسة بزعامة أمريكا جاهزون للتدخل دون أي حاجة لغطاء الأمم المتحدة التي هي بصدد اعتبارها جزءًا من النظام القديم، ففي النظام القائم بأكمله لا أحد يزاحم كلمة السيد الأمريكي إنها محنة أن يختلط الصديق بالعدو.

  • شعب كوسوفا المسلم هو وقود هذه المعركة وهو كسائر شعوب الأرض يملك حق تقرير مصيره ولا سيما أن الصرب فشلوا في تطمينه على حقوقه الطبيعية، بل ظلت أبدًا في كل العهود مصممة على التوسع على حساب القوميات الأخرى فاستهدفته وهويته بالاستئصال، فمن حقه الدفاع عن نفسه بكل الوسائل والاستنجاد بمن ينقذه، ولأن المسلمين عاجزون عن مساعدة إخوانهم، ولأن سنة الله في التدافع قد قادت جهة لم تكن معروفة، إلا بالتأليب على المسلمين إلى مواجهة الدكتاتور الصربي المتوحش، فليس لأحد أن يعترض على ذلك إن الغارات الأطلسية على قوى الصرب لم تفض حتى الآن إلا لتحقيق أهداف الصرب في إفراغ كوسوفا من سكانها وذلك ما أثار الغبار حول أهداف الأطالسة هل هو الدفاع عن حق أهل كوسوفا في بلادهم، أم مساعدة القومية الصربية الشوفينية على تحقيق أحلامها التاريخية المريضة ولا سيما أن الأقطار الغربية أخذت توزع المهاجرين الكوسوفيين شذر مذر بما في ذلك الولايات  المتحدة هل هو أمر مؤقت ريثما يتم كسر العناد الصربي ويعود المهجرون إلى أوطانهم أم هي خطة توطين كما حصل للفلسطينيين إن مصداقية الحلف الأطلسي بقيادة الأمريكان في الميزان والمسلمون الذين سرهم في البدء أن يروا أمريكا وحلفاءها الذين طالما رأوهم يغذون العداء للإسلام وقضاياه في تحالف صميم مع الصهاينة وغيرهم يدافعون عن مسلمي كوسوفا، والبوسنة من قبل يتساءلون هل الأمر فعلًا دفاع عن مظلومين، وإن يكونوا مسلمين بما سيساهم في تخفيف التوتر بين الإسلام والغرب ويبعد شبح صراع الحضارات و الخطر الإسلامي، لصالح تكتيل القوى للدفاع عن كل مظلوم ومواجهة كل ظالم بغض النظر عن جنسه وملته أم هي ضروب من المناورة والكيد للمسلمين متواصلة؟

الأيام وحدها ستكشف ذلك ويبقى دور العالم العربي والإسلامي إزاء روابط الدين والإنسانية مع ضحايا العنصرية الفاشية هل هو مجرد استنكار العمل الأطلسي دون أن نفعل نحن شيئاً؟

الرابط المختصر :