; التحدي الحضاري للأمة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان التحدي الحضاري للأمة الإسلامية

الكاتب زينب الغزالي الجبيلي

تاريخ النشر الثلاثاء 09-أغسطس-1988

مشاهدات 79

نشر في العدد 877

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 09-أغسطس-1988

نحن أمام تحد حضاري كبير، لا في الوطن العربي وحده بل في العالم الإسلامي كله... فهناك عالم صناعي هائل القدرة، يمتد شرقًا وغربًا بمعسكراته المختلفة، فخورًا بما وصل إليه، مستعرضًا إياه أمامنا، وملوحًا يجذبنا إليه بلا وعي، فنأخذ ونعطي مبهورين بما نرى، فلا نحس أننا نعطي الثمن ولا نأخذ إلا البخس، ونفقد التوازن النفسي، فيبقى هو المالك، وتبقى يده العليا ويدنا السفلى، واليد العليا خير من اليد السفلى كما قال الرسول عليه أفضل الصلاة وأذكى السلام فكيف حدث هذا؟! كيف أصبحت يدنا السفلى، وقد كانت العليا؟ إن شيئًا ما على أرض العالم الإسلامي كله لم يتغير بل لعلي لا أكون مبالغة حين أقول: لقد تحسنت الأشياء في العالم الإسلامي ولكنه الإنسان المسلم الذي ضاعت معالم شخصيته، فلم يبق منه إلا هيكلًا أجوف...

فكيف نعيد بناء هذا الإنسان بناءً إسلاميًا صحيحًا، ويكون ذلك أول أهدافنا في خطانا المواجهة التحدي الحضاري؟ فلنحاول أن نستعرض معًا أسس بناء الإنسان في الإسلام، لنرى ما إذا كانت صالحة لمواجهة هذا التحدي أم لا». 

من الإنسان؟ وما بناؤه؟ وكيف نتعهد هذا البناء؟ أما الإنسان فهو ذلك الكائن الحي الذي اختاره الله عز وجل ليكون خليفة في الأرض فيعمرها: وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة.... وأما بناؤه، فهو الطين، منفوخ فيه من روح الله ليتحقق بهذا المزيج هذا التوازن الذي شاء الله عز وجل أن يرفع به الإنسان فوق المخلوقات ويسخرها لخدمته... إني خالق بشرًا من طين، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين».

على أن الله عز وجل ترك الأمر بعد الخلق الأول للإنسان الذي يختار استمرار تحقيق هذا التوازن الدقيق بتعهد هذا البنيان، وهو ما اصطلح على تسميته بالتربية» ولم يشأ الخالق الكريم أن يترك خليفته في تيه وضلال، فأرسل الرسل بالرسالات توضح له معالم الطريق دون أن يسلبه حرية الاختيار.

نحن أساس الحضارة:

وكان في الإسلام خاتم الرسالات، قرآنًا وسنة من الأسس التربوية، ما هيأ هذا الإنسان للقيادة العالم وخلق حضارة اعترف أعداء الإسلام قبل أتباعه إنها أساس هذه الحضارة التي تواجهنا اليوم في تحد... أجل... لقد اهتم الإسلام بتربية الإنسان جسمًا وروحًا وعقلًا... رباه جسمًا، حتى قبل أن يكون نطفة... يقول الرسول صلى الله عليه وسلم «اغتربوا لا تضووا» أي حتى لا تضعف ذرياتكم من زواج الأقارب... ورعاه جسمًا، حين أصبح نطفة، ثم علقة ثم مضغة. 

ونما في بطن أمه... فأمر الإسلام برعاية الأم، ويسر عليها، ورخص لها بالإفطار في رمضان، إذا كان في صيامها ما يضرها ويضر جنينها... ثم أمر الإسلام برعاية الإنسان جسديًا «وإن لبدنك عليك حقًا» وحين حث على الزواج ورغب فيه، وسن له قوانينه، وحين رخص بما رخص به في حالات المرض والسفر وما إلى ذلك.

وقد اهتم الإسلام بالروح والنفس، اهتمامه بالجسد، فكانت العبادات فرصة للانطلاق من قيد الجد وعبودية الطين ومساعدًا على إقامة التوازن بين هذين العنصرين، ومهيئًا لأن يقوم المجتمع الفاضل بكل ما يجب أن يحكم علاقاته من مثل عليا وأخلاق كريمة.

الإسلام والعلم:

وجاء الإسلام خاتم الرسالات السماوية ليحيط بالدعوة إلى العلم، لا بأمور الدين فقط، وإنما بأمور الدنيا أيضًا... فهذا القرآن الكريم يدعو إلى التدبر والتفكر والنظر في السموات والأرض. 

وفي مظاهر الكون المختلفة، وفي النفس الإنسانية ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (سورة يونس آية 101)، ﴿وفِىٓ أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (سورة الذاريات آية 21) ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ (سورة الغاشية آيات 17-18) ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (سورة آل عمران آية 190).

ولو أردنا أن نستعرض ما ورد في القرآن الكريم من آيات تدعو إلى التدير والتفكر، لضاقت الصفحات، فلا تكاد تخلو سورة في القرآن من دعوة صريحة أو ضمنية إلى علم ديني أو دنيوي، بل إن ما نعتبره أمرًا روحيًا خالصًا كالعبادات هو في الإسلام باعث على ما يعتبر من نظر الناس جميعًا علومًا دنيوية... ويكفينا مثلًا على ذلك علوم الرياضيات والفلك، فقد كانت العبادات باعثًا لا مثيل له على تقدم هذه العلوم لتصل إلى القمة، ولتكون بعد ذلك أساسًا لما بنيت عليه الحضارة الحديثة من علوم عصرية، وإذا نظرنا إلى ارتفاع نسبة الأمية في بلادنا وهي أكبر تحد حضاري لنا فلنذكر دائمًا موقف الرسول عليه الصلاة والسلام حين جعل فداء الأمير يوم بدر، تعليم عشرة من المسلمين فكان هذا إعلانًا صريحًا واضحًا بقيمة العلم والدعوة إليه يؤكد كذلك ما ورد في القرآن الكريم في قوله «اقرأ» بل لقد مضى الإعلان أصرح وأوضح في حديث الرسول عليه الصلاة والسلام حين قال طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، والعلم هنا هو كل علم لازم لخدمة الإنسان وتحريره من أن يكون عبدًا لغير الله سبحانه وتعالى... وهو نوعان: فرض عين، لا يكون الإنسان مسلمًا إلا به كعلم العقيدة والعبادة وغيرها من التطبيقات الشرعية، وفرض كفاية كما التخصص في مختلف فروع المعرفة الإسلامية، كالحديث والتفسير والفقه والأصول، أو العلوم المادية كالفلك والرياضيات والعلوم والطب والهندسة والتكنولوجيا، فإذا قامت به جماعة من الأمة سقط الإثم عن الآخرين، وإلا فهي آثمة كلها.

علينا أن نأخذ بالأسباب:

ولا أقصد من كلامي هذا الدعوة إلى نبذ الأخذ بوسائل الحضارة الحديثة فهذا ما لا يخطر على بال أحد... إن الحضارة ملك للإنسانية كلها، ولقد ساهمنا في نشأتها ونموها، ثم توقفنا لنأخذ فقط، وعلينا إذا أردنا أن نكون مسلمين حقًا ألا نعيش عالة على الذين يأخذون بالأسباب... علينا نحن أن تأخذ بالأسباب.. أسباب الحضارة الحديثة، وأن نجدد ونستحدث فيها ما يجعلنا جديرين بحمل الأمانة وقيادة العالم مرة أخرى لننتشله من ماديته المظلمة القاسية، الضالة المضلة.

وقد يتساءل البعض: إذا كان الإسلام قد حملنا أمانة القيادة بعلمنا، فلِمَ أصبحنا في المؤخرة؟ لِمَ أصبحنا من العالم المتخلف أو «النامي»؟ لقد اعتدنا أن يكون جواب مثل هذا التساؤل: إنه الاستعمار... الاستعمار الذي طمس حقائق الطريق، ففرض علينا سيادته... هذه حقيقة لا نناقشها ولكن أ لم نساهم نحن في دفع عجلة التأخر إلى الوراء؟!... كيف استطاع الاستعمار أن يطمس المعالم ويفرض وجوده؟ وأین كنا؟ ... لندرك الجواب على هذا كله، يجب أن نعيش قليلًا مع ماضينا.

لقد عشنا عصر النبوة تؤسس في دار ابن أبي الأرقم رجالًا لأمة حملها الله أمانة، ومن قبلها تكونت جماعة الإسلام في دار خديجة... تربت هذه الجماعة في حجر محمد صلى الله عليه وسلم تتلقى القرآن فتفهم أحكامه، وتحل حلاله وتحرم حرامه، وتفهم سياسته واقتصاده ومنهجه ونظامه، فتعيشه وتكون به نفسها وكل مشاعرها... تحقق غايته ومراميه في شخوص رجال ونساء إذا رأيتهم رأیت قرآنا يجري حركة حياة، ونبضات قلوب تحتضن الوجود لتغمسه في بحر القرآن، ليغدو عطاء

ورحمة.

ونمت الجماعة المسلمة وخرج بها محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة.. مدينة النور والبناء والعطاء، وقامت بهذه الجماعة دولة وأمة، كانت خير أمة أخرجت الناس، تسوس أمرها بالقرآن، ونقيم منهج سياستها داخليًا وخارجيًا بكتاب الله وسنة نبيه، عاشت هذه الأمة فترة النبوة محكومة بحكومة محمد صلى الله عليه وسلم وحكومة الإسلام... تعقد رايات الحب ومعاهدات الهدنة، وتبحث بممثليها لينشروا دعوتها، ويحكموا الإسلام بين من ارتضوا منهاجه.

جيوش العملاء:

وساد الإسلام الجزيرة العربية ثم خرج منها بجيوش رفعت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله فوق ربوع مصر والشام وفارس، وعاشت الخلافة الراشدة بعد انتقال سيد المرسلين وخاتم النبيين إلى ربه، عاشت عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ورضوا عنه، وتوالت العصور ليست كالخلافة الراشدة ولكنها كانت مسلمة، وكانت شعلة النور فيها موقدة لتنير العالم كله وحاولت المجموع الشرسة من الصليبيين والتتار طمسها فلم تفلح، وارتدت الجموع الصليبية لتتأهب وتتاح لها فرصة العمر بالانحرافات التي وقعت في أواخر الخلافة العثمانية، فتنقض مجهزة على بقايا الأمة الإسلامية، أو هكذا خيل إليها... ولم تكن هذه نهاية المعركة، بل كانت بداية المعركة ضاربة لم تساهم جيوش الاستعمار فيها يقدر ما ساهم عملاؤه في طمس معالم الدولة الإسلامية، وإنهاء منهجها، وتقليص نفوذ الإسلام وتشويه حقائقه، حتى لا يتجاوز التكايا والزوايا الخاملة الكسولة... وكان ذلك فراغًا عقليًا مصنوعًا ومتعمدًا تسللت منه وبه الفلسفات المادية الملحدة، فلم تملأ فراغًا، ولم تحي مواتًا، وضاعت معالم الشخصية الإسلامية... وجلت جيوش المستعمر، تاركة جيوش العملاء أن يتابعوا المسيرة، ولكن... هل انتهى الإسلام؟!... هل انتهت أمة الإسلام؟!... لا... وألف لا... فالإسلام يحفظه الله ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (سورة الحجر آية 9) وبحفظ القرآن لا تنتهي أمة الإسلام في الأرض، وبأمة الإسلام سيستمر العلم والتعليم الذي يربط الإنسان بخالقه... لا بالطين كما تريد الماركسية والدارونية والفرويدية وغيرها.

عائدون... بإذن الله:

ونحن المسلمون بإذن الله عائدون... عائدون بكياناتنا العلمية والتكنولوجية عائدون بعقائد القرآن. موحدون لا نشرك بالله شيئًا... فملأ الأرض عدلًا وقوة وعلمًا نثمر للوجود أثمار الإنسان المتعلم... الإنسان القرآني، الإنسان المعملي، الذي يرى قدرة الله في كل ما يبحث... ويقرأ القرآن في آيات الله المصورة في سمواته وأرضه.

أجل عائدون... نطلب السماء لتوهب لنا الأرض كما فعل السلف الصالح عائدون لا بالشعارات والهتافات، وإنما بالقلب الخاشع الله، والفكر المستنير به، والجسد القوي في سبيله... وإذا كان لي من كلمة أخيرة فهي نداء إلى كافة المسلمين في الأرض، لنبني من جديد صروحًا شامخة على غرار دار ابن أبي الأرقم ودار خديجة، لنبني المدارس القرآنية الجميع مراحل التعليم وتخصصانه ومستوياته للجيل الجديد من أبناء الجماعة المسلمة، تتعهده من المهد إلى مقعد المسؤولية... ولتكن بدرًا أخرى بشموخ دولتنا في القرن الخامس عشر الهجري، لنعيد حياة العزة ولنقم دولة الإسلام في قلوبنا ومشاعرنا تتكون على الأرض حياة... لكل المسلمين والعزة لله جميعًا.

الرابط المختصر :