; (50) عامًا على اغتصاب فلسطين.. هذه حقيقة جهاد الإخوان المسلمين في فلسطين | مجلة المجتمع

العنوان (50) عامًا على اغتصاب فلسطين.. هذه حقيقة جهاد الإخوان المسلمين في فلسطين

الكاتب المستشار عبدالله العقيل

تاريخ النشر الثلاثاء 12-مايو-1998

مشاهدات 73

نشر في العدد 1299

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 12-مايو-1998

■ الكاتب اليهودي ناداف سافران: كان أول ظهور لحركة الإخوان بصورة واضحة عام ١٩٣٧ م عندما حاولت تنظيم المساعدة لعرب فلسطين، ومنذ ذلك الحين وبرنامجها يتعدى حدود المشكلات الدينية.

كان الإخوان المسلمون أول من تنبه لخطر اليهود؛ لأنهم يعرفون الدور الذي قاموا به ضد الخلافة الإسلامية ومساومتهم للسلطان عبد الحميد الذي أبى أن يفرط في أي جزء من فلسطين، وحين دبّر يهود الدونمة مؤامرتهم لإسقاط دولة الخلافة الإسلامية في تركيا بالتعاون مع الدول الصليبية، ومن خلال جمعياتهم الماسونية المنتشرة في أنحاء العالم بذل الإخوان المسلمون قصارى جهدهم لتنبيه الأمة الإسلامية، وتحذير الحكام المسلمين من خطر اليهود والاتصال المستمر مع أهل فلسطين ودعمهم ومساندتهم بالمال والسلاح، والتعريف بقضيتهم حيث أصدروا سنة ١٩٣٥م كتاب (النار والدمار في فلسطين الشهيدة) طبعوه بالآلاف ووزعوه في أنحاء مصر، وحثوا المسلمين للنهوض بدورهم ضد الخطر اليهودي على المقدسات الإسلامية في فلسطين وأرض الإسراء والمعراج، وأجروا اتصالاتهم بالمجاهدين في فلسطين، وعلى رأسهم الشهيد عز الدين القسام، ومفتي فلسطين سماحة الحاج محمد أمين الحسيني أوائل الثلاثينيات، كما كانت صلتهم وثيقة بجميع قادة المسلمين داخل فلسطين وخارجها الذين ساءهم ما يدبر لمقدسات المسلمين، وما يخطط ضد الشعب الفلسطيني المسلم المجاهد وكان رجال الإخوان المسلمين يزورون فلسطين سرًا بعيدًا عن أعين الإنجليز أعوان اليهود، ويشاركون المجاهدين في التدريب والجهاد معهم، فضلًا عن شراء الأسلحة لهم، وتقديم العون اللازم. 

بل أنشأ الشهيد حسن البنا (النظام الخاص) وكان الهدف الأساسي من إنشائه هو محاربة اليهود في فلسطين والإنجليز في مصر، ومعظم الذين خاضوا المعارك في فلسطين واستشهدوا أو جُرحوا على ثراها هم من المجموعات التي اختارها ودربها النظام الخاص، وكذا الحال بالنسبة للذين حاربوا الإنجليز في قناة السويس. 

لقد أمّ أرض فلسطين القادة والمجاهدون من الإخوان المسلمين ليشاركوا إخوانهم الفلسطينيين، فقد احتضنت أرض فلسطين شخصيات الإخوان المسلمين أمثال: حسن البنا، ومصطفى السباعي، وعبد القادر الحسيني، وأحمد عبد العزيز، وعبد اللطيف أبو قورة، ومحمد فرغلي، ويوسف طلعت، وكامل الشريف، وسعيد رمضان، ومحمود عبده، ولبيب الترجمان، وغيرهم من القادة والمسؤولين، إن هذه العناصر المؤمنة المجاهدة هي التي أذاقت اليهود الصاب والعلقم، وقذفت في قلوبهم الرعب، ولقنتهم درسًا لن ينسوه على مدى الزمان.

ومن هنا، كان التآمر الدولي على هذه الكتائب المؤمنة والحركة الإسلامية المجاهدة، فأعلنت الحرب على الإخوان المسلمين في كل مكان، وسُخرت الحكومات والإعلام الدولي والمرتزقة من العملاء في الداخل والخارج لتشويه الحركة الإسلامية ووقف التيار الإسلامي، والتسليم لليهود بما يريدون.

شهادة من الميدان:

يقول الأستاذ كامل الشريف في كتابه القيّم (الإخوان المسلمون في حرب فلسطين): لم يكن اهتمام الإخوان المسلمين بقضية فلسطين وليد الحوادث الأخيرة التي أعقبت قرار التقسيم سنة ١٩٤٧م، ولكنه سبق ذلك التاريخ بزمن طويل، فالإخوان المسلمون كهيئة إسلامية عالمية كانت تضع في برنامجها مهمة الدفاع عن القضايا الإسلامية في مختلف أنحاء المعمورة، وكانت دورهم دائمًا موئلًا للمجاهدين الأحرار من مختلف بلاد العربية ومواطن الإسلام، وكان لفلسطين دائمًا المقام الأوفى من عنايتهم واهتمامهم، فهي أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، وهي تمثل مركزًا وسطًا في البلاد العربية، وضياعها يعزل العالم الإسلامي بعضه عن بعض، ولو نجح اليهود في احتلالها لأصبحت دائمًا مباءة خطرة لعناصر الشر، وبركانًا زاخرًا بالنار يزعزع أمن البلاد العربية وسلامها، وحين وضحت نيات السياسة البريطانية في فلسطين، أخذ الإخوان المسلمون يعقدون المؤتمرات تباعًا، ويبينون للشعوب والحكومات حقيقة هذا الخطر الذي يهدد كيانهم ومستقبلهم، حتى نجحوا في إشراك العالم الإسلامي كله في هذه القضية، وباتت قضية المسلمين والعرب، لا قضية أهل فلسطين وحدهم، وحين قامت القلاقل في فلسطين أخذوا يمدون المجاهدين بما يقع في أيديهم من مال وسلاح حتى كانت ثورة سنة ١٩٣٦م، حين نجح عدد من شبابهم في التسلل إليها والاشتراك مع الثوار في جهادهم، وبخاصة في مناطق الشمال حيث عملوا مع المجاهد العربي الشيخ عز الدين القسّام الذي استشهد يوم21 / 11 / 1935م. 

وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، أخذ الإخوان المسلمون يعملون للقضية عملًا إيجابيًا، فأرسلوا وفودًا من دعاتهم وشبابهم يؤلبون العرب، ويستحقونهم للكفاح، ويتولى نفر منهم تدريب الشباب الفلسطيني تدريبًا سريًا، ولقد نجحوا في ذلك إلى حد بعيد، حتى أصبحت شُعّب الإخوان المسلمين ودورهم في مراكز القيادة وساحات التدريب، ولا يزال أهل فلسطين يحمدون للداعية الإسلامي سعيد رمضان مواقفه الكريمة وأثره البالغ في توجيه الشباب العربي وجهة صالحة، ويذكرون بالفخار والإكبار جهود الأساتذة: عبد الرحمن الساعاتي، وعبد المعزّ عبد الستار، وغيرهم من كرام الدعاة والمدربين، وما كان لهم من حُسن التوجيه وطيب الأثر، ولقد أدرك اليهود ما ينطوي عليه هذا التدخل من خطر شديد على أهدافهم وخططهم، فقاموا ينشرون المقالات الطوال في صحف أوروبا وأمريكا، ويشحنونها بالتُهم الخطيرة عن الإخوان المسلمين وحقيقة خطرهم على مصالح الولايات المتحدة وبريطانيا، وكانوا يحاولون بذلك استعداء الحكومة الأمريكية لتقوم بعمل حاسم سريع، وتستأصل هذا الخطر الإسلامي الذي يهدد مصالحها بالزوال، وليس أدل على ذلك من مقال فتاة صهيونية تدعى (روث كاريف) نشرته في جريدة الصنداي ميرور مطلع سنة ١٩٤٨م، حيث قالت بالنَص: (أصبح الإخوان المسلمون ينادون للمعركة الفاصلة ضد التدخل المادي للولايات المتحدة في شؤون الشرق الأوسط، إن اليهود في فلسطين هم أعنف خصوم الإخوان المسلمين، ولذلك كان اليهود هم الهدف الأساسي لعدوان الإخوان المسلمين).

وقد سافر المجاهد الكبير الصاغ محمود لبيب -وكيل الإخوان المسلمين للشؤون العسكرية- إلى فلسطين لتنظيم وتدريب المجاهدين بفلسطين، وحين فطنت حكومة الانتداب البريطاني لنشاط الإخوان المسلمين سارعت إلى مطاردتهم في فلسطين، وطلبت من الصاغ محمود لبيب مغادرة فلسطين.

ويقول الفريق طيار عبد المنعم عبد الرؤوف في مذكراته: «لقد اشتد القتال ضراوة بين أشقائنا الفلسطينيين وبين العدو الصهيوني قبيل يوم 15 / 5 / 1948م نهاية الانتداب البريطاني على فلسطين، فتشكلت الكتيبة الأولى من متطوعي الإخوان المسلمين التي تم تدريبها في معسكر هايكستب في شهر أبريل ومايو سنة ١٩٤٨م وعدد أفرادها (۲۸۰) مجاهدًا، ودخلت فلسطين وكانت بداية المعارك الشرسة بين الإخوان المسلمين واليهود».

     هكذا كان الإخوان المسلمون هم طلائع الجهاد الأولى التي دخلت فلسطين لتقف مع الإخوان المجاهدين الفلسطينيين وتشد من أزرهم، وتسقي دماؤهم معًا أرض فلسطين، وتقيم الحجة على تقاعس الحكومات وتخاذلها واستسلامها لقرارات التقسيم الجائرة، بل لجأت الحكومات الفاجرة لحرب المجاهدين داخل فلسطين، والتآمر على قادتهم وفي مقدمتهم البطل أحمد عبد العزيز.

من قتل أحمد عبد العزيز؟

يقول الضابط محمد حسن التهامي بجريدة الأهرام المصرية بعددها الصادر يوم 22 / 4 / 1984م في صفحتها الخامسة تحت عنوان (إخلاء الأرض من أقوى العناصر في مواجهة اليهود) ما نَصِه: «استدعت القيادة المصرية بأوامر من القاهرة البطل أحمد عبد العزيز ليترك الجبهة التي كان يسيطر عليها تمامًا بقواته: لينزل إلى القاهرة عبر قيادة القوات المصرية في (المجدل) للقاء مهم مع القيادة السياسية في مصر، ومع الملك فاروق نفسه كما قيل، وكان أحمد عبد العزيز في حالة من الغضب لما يجري من تواطؤ في هذه الحرب لصالح إسرائيل، ونزل في ذلك اليوم المشهود في سيارة جيب يقودها الصاغ صلاح سالم بجواره ومن خلفهما الجندي السائق، وأثناء دخول أحمد عبد العزيز إلى مواقع الكتيبة السادسة مشاة في (عراق المنشية) والتي كان جمال عبد الناصر أركان حربها، قتل أحمد عبد العزيز في سيارته برصاصة أصابته وحده، ووصل إلى (المجدل) حيث فارق الحياة ولم يتم لقاؤه بالقيادة السياسية في مصر، واختفى عن مسرح العمليات العسكرية التي كان يحسب لها (موشي دایان) ألف حساب، ويخشاها أكثر من خشيته لكل القوات العربية المقاتلة في فلسطين سنة ١٩٤٨م، فهل كان استدعاؤه مصادفة؟ أو إبعاده عن ميدان القتال مصادفة، ثم استشهاده على هذه الحال، ألم يكن هذا كله حلقة من حلقات حرب فلسطين» انتهى.

هذا ما جرى لأحمد عبد العزيز ومثل هذا أو شبيه به حصل للبطل الفلسطيني الشهيد عبد القادر الحسيني حين منعوا عنه الإمدادات بالأسلحة والذخائر ليستشهد بعد نفاد ذخيرته؛ حيث كتب مذكرة بخط يده يقول فيها: «إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية إني أحملكم المسؤولية بعد أن تركتم جنودي في أوج انتصاراتهم بدون عون أو سلاح، عبد القادر الحسيني، التاريخ 6 / 4 / 1948م».

وكذا ما جرى لمصطفى السباعي وإخوانه وتجريدهم من أسلحتهم وإعادتهم لسورية، وما جرى لمتطوعي الإخوان المسلمين المصريين واعتقالهم في معسكر بالميدان، ثم تسفيرهم إلى مصر بعد تجريدهم من أسلحتهم وإلقاؤهم في سجون الهايكستب.

وتولى الجنرال الإنجليزي (كلوب) القيادة الفعلية للجيوش العربية ومنعها من محاربة اليهود، وطلب انسحابها من المواقع، وتسليم المدن والقرى الفلسطينية لليهود، ثم هناك قصة الأسلحة الفاسدة لدى الجيش المصري، وحكاية عدم وجود الأوامر لدى الجيش العراقي، كل هذا وغيره كثير يؤكد أن دخول الجيوش العربية كان جزءًا من المؤامرة لتسليم فلسطين لليهود، وتشريد شعبها في الآفاق، ومحاربة المجاهدين من أهل فلسطين والبلاد العربية، وتصفيتهم بالقتل أو الشنق أو السجن، كما حصل للأبطال أمثال: محمد فرغلي، ويوسف طلعت، وإبراهيم الطيب، وغيرهم من الدعاة والمجاهدين.

إن المؤامرة الكبرى التي دبرتها الصهيونية العالمية والصليبية الغربية، وتواطؤ الحكومات العربية العميلة ضد المجاهدين في فلسطين- تحتاج إلى مجلدات لكشف عوارها وهتك أستارها، ليعرف الجيل الجديد لماذا هذه الحرب الضروس ضد الحركة الإسلامية والصحوة الإسلامية والجهاد، هذه الحرب التي تقودها الصهيونية والصليبية والشيوعية والعلمانية وأذنابهم في العالم العربي والإسلامي، الذين يريدون تصفية الوجود الإسلامي، والتمكين لليهود في بلاد المسلمين وسيطرتهم على مقدرات البلاد الإسلامية وخيراتها، وإفساد أبنائها بالإباحية والفساد والخمر والميسر والموبقات والمخدرات التي انتشر شرّها وعمّ خطرها، ولولا دعاة الحركة الإسلامية المعاصرة وشباب الصحوة الإسلامية المباركة لكان الخطب أعمّ والمصيبة أكبر.

شهادات عربية وأجنبية:

يقول المؤرخ الفلسطيني عارف العارف في كتابه «النكبة نكبة بيت المقدس والفردوس المفقودة»: «كان للإخوان المسلمين فضل السبق في نجدة فلسطين حيث أبرق المرشد العام للإخوان المسلمين الإمام الشهيد حسن البنا إلى مجلس الجامعة العربية المتعقد في (عالية) بلبنان في شهر أكتوبر «تشرين أول» سنة ١٩٤٧م يقول: إنه على استعداد لأن يبعث دفعة أولى بعشرة آلاف مجاهد من الإخوان المسلمين، وبالفعل دخل رجال الإخوان المسلمين فلسطين رغم معارضة الحكومة المصرية وابتهج عرب فلسطين لهذه الحركة، وانخرط الكثير في صفوف الإخوان المسلمين، وكذا الحال بالنسبة للإخوان المسلمين السوريين، وكان عددهم زهاء الأربعمائة مجاهد بقيادة مصطفى السباعي، وكان الإخوان المسلمون الأردنيون بقيادة عبد اللطيف أبو قورة، أما قادة الإخوان المسلمين المصريين فكانوا: أحمد عبد العزيز، ومحمود عبده، وكامل الشريف».

ويقول الأستاذ أكرم زعيتر في كتابه «وثائق الحركة الفلسطينية من سنة ١٩٣٥م - ١٩٣٩م»: «وهرعنا إلى دار المركز العام للإخوان المسلمين، وكان غاصًا بأعضائه يتقدمهم المرشد العام الأستاذ حسن البنا الذي خطب خطبة رصينة موفّقة لائقة يشعر المرء أنها صادرة عن قلب مؤمن وعلم واسع وفكر رزين، وهي تدل على ما تكنه هذه الجماعة من تقديس لقضية فلسطين، ومن فهم لأخطار الصهيونية على المقدسات والأخلاق، كما أبرق حسن البنا لمؤتمر بلودان المنعقد بلبنان لنصرة فلسطين يوم 10 / 9 / 1937م يعلن استعداد الإخوان المسلمين بمصر للدفاع عن فلسطين المجاهدة بدمائهم وأموالهم» انتهى.

ويقول المؤرخ محمد عزة دروزة في كتابه «القضية الفلسطينية في مختلف مراحلها»: «كان الإخوان المسلمون أول من لبى داعي الجهاد في سبيل الله، ثم في سبيل فلسطين بعد قرار التقسيم، فذهبت فصائلهم للجهاد من مصر وسورية والأردن وبذلوا دماءهم كما بذلوا جهودهم العظيمة في جمع السلاح والتجهيز والتدريب للمجاهدين». 

ويقول الكاتب اليساري رفعت السعيد في كتابه: «حسن البنا متى؟ وكيف؟ ولماذا؟»: «إن مساندة الإخوان المسلمين للثورة الفلسطينية سنة ١٩٣٦م، ثم الاستعداد للمشاركة في حرب فلسطين سنة ١٩٤٨م، كانتا الفرصة الذهبية أمام الشيخ البنا ليحشد ترسانة ضخمة، ويدرب رجاله علنًا تحت ستار الإعداد لحرب فلسطين، وأن القضية الفلسطينية قد أتاحت إمكانات عدة أمام الإخوان المسلمين، فمن خلال تأييدها اتضح البُعد الإسلامي والعربي لجماعة الإخوان المسلمين، ومن خلالها أيضًا أمكن للجماعة أن تمد نشاطها إلى المنطقة العربية كلها، وانتشرت شعبيتها من فلسطين إلى سورية وإلى لبنان وإلى غيرها من البلدان».

وتقول الدكتورة عواطف عبد الرحمن في كتابها «مصر وفلسطين»: «لقد برز دور الإخوان المسلمين أثناء ثورة سنة ١٩٣٦م عندما سارعوا إلى تنظيم المظاهرات، وألفوا اللجان لتلقي التبرعات، وإرسالها إلى اللجنة العربية العُليا، وقاموا بإرسال برقيات احتجاج إلى المندوب السامي بفلسطين، ووزارة الخارجية البريطانية، وعصبة الأمم، وقد نشأت علاقة وثيقة بين الشيخ حسن البنا والحاج أمين الحسيني، وكانت بينهما مراسلات دائمة لتبادل وجهات النظر، وكانت حركات الإخوان المسلمين تنظر إلى مفتي فلسطين باعتباره رجلًا اجتباه الله لحماية فلسطين». 

ويقول الخبير الأمريكي بمحاربة الإخوان المسلمين ريتشارد ميتشل في كتابه الذي ألّفه بتكليف من المخابرات الأمريكية بعنوان: «الإخوان المسلمون»: «كان أول عهد جماعة الإخوان المسلمين بالعمل في قضية فلسطين، حينما ذهب عبد الرحمن الساعاتي شقيق البنا إلى فلسطين سنة ١٩٣٥م وزار الحاج أمين الحسيني، وقدّم الإخوان أولى مساعداتهم إبّان الإضراب العام الذي قام به العرب سنة ١٩٣٦ - ۱۹۳۷م، ونادى حسن البنا في المؤتمر العام للإخوان المسلمين سنة ١٩٣٥م بجمع الأموال لمساندة قضية فلسطين، كما ألّف لجنة للبرقيات والرسائل التي ترسل للسلطات المختصة، وإصدار الصحف والنشرات، وإلقاء الخطب والمحاضرات، وقيام المظاهرات لتأييد المضربين في فلسطين وإرسال المؤن والعتاد لهم، ثم استؤنفت العلاقات بين الإخوان وفلسطين بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أوفد الإخوان المسلمون البعثات الفنية والتدريبية للمجاهدين الفلسطينيين، وكان أبرز هؤلاء محمود لبيب أحد الضباط المتقاعدين، ونائب المرشد العام للشؤون العسكرية الذي ساعد في تدريب الفلسطينيين عسكريًا، وفي سنة ١٩٤٧م طلبت منه السلطات البريطانية بفلسطين مغادرتها هو وإخوانه الآخرون».

ويقول الكاتب اليهودي ناداف سافران في كتابه: «مصر تبحث عن هوية سياسية»: «كان أول ظهور حركة الإخوان المسلمين للعامة بصورة واضحة وبارزة سنة ١٩٣٧م، عندما حاولت تنظيم المساعدة لعرب فلسطين، الذين كانوا في ثورة مُعلنة فوق أرض فلسطين، فمنذ ذلك الحين وبرنامج حركة الإخوان المسلمين يتعدى حدود المشكلات الدينية».

ويقول الصحفي المصري إحسان عبد القدوس في مجلة «روز اليوسف» في عددها الصادر في يوم ٢٧ نوفمبر سنة ١٩٥١م: «الإخوان المسلمون اليوم -كما كانوا بالأمس- هم الذين يمثلون دعوة الدين إلى الجهاد، ويفضل دعوتهم هذه شهدت ساحات فلسطين أبطالًا منهم، وقفوا وقفة العمالقة، وهتفوا باسم الله، فإذا البطل منهم في صورة عشرة أبطال، ولا يستطيع ضابط ممن اشتركوا في حملة فلسطين، أو مراقب ممن راقبوا معاركها أن ينكر فضل متطوعي الإخوان المسلمين فيها، أو ينكر بطولتهم وجسارتهم على الموت والعبء الكبير الذي تحمّلوه منها راضين فخورين مستشهدين في سبيل الله».

لماذا نورد هذه الشهادات؟

ونحن حين نورد هذه النقول من خارج دائرة الإخوان المسلمين، بل من أعداء الإخوان من اليهود والصليبيين والشيوعيين، فإنما نقصد بذلك أن يعرف المضللون والمخدوعون بوسائل الإعلام حقيقة دور الإخوان المسلمين وجهادهم في فلسطين، والسبب الأساسي الذي من أجله يعلن الكفر بكل فئاته في الشرق والغرب على حدّ سواء حربه على الإخوان المسلمين، باعتبارهم الطليعة المؤمنة المجاهدة، التي انتصبت لحرب اليهودية العالمية والصليبية الغربية والشيوعية الدولية، ومن سار في ركابهم من العملاء والمأجورين، الذين باعوا الأرض والعِرض والدين والشرف بَعرَض زائل من أعراض الدنيا، ورضوا لأنفسهم أن يكونوا عبيدًا وخدمًا لليهود الذين يسومونهم الخسف والهوان في الليل والنهار، ويجعلونهم يلهثون وراء سراب السلام، بل الاستسلام لليهود اللئام.

دفاعًا عن فلسطين:

إن فلسطين المستعمرة، وكل بلاد المسلمين الخاضعة لنفوذ الغرب أو الشرق ليس لها من مخرج إلا العودة إلى الإسلام الحق، وليس من منقذٍ إلا الله، ولن يجاهد في سبيل تحريرها غير العصبة المؤمنة والشباب المجاهد من أبناء فلسطين ورثة الرجال الأشاوس والأبطال الشهداء من أعلام الجهاد في فلسطين، أمثال أمين الحسيني، والشيوخ: عز الدين القسّام، وفرحان السعدي، ويوسف أبو درّة، وفؤاد حجازي، وعطا الزير، ومحمد جمجوم، وعبد الحفيظ أبو الفيلات، ونسيب البكري، ورامز مسمار، وموسى البديري، ومحمد مراد، وأمين العوري، وحسن سلامة، وعطية أحمد عوض، وفريز جرار، وعبد القادر المظفر، وأحمد نديم النحوي، وأديب السراج، وحسن البطة، وعبد الفتاح مصطفى، والقادة: عبد الرحيم الحاج محمد، وعبد الرحيم محمود، وعبد القادر الحسيني، وعبد الله عزّام، وصلاح حسن، وإبراهيم عاشور، وغيرهم من رجال الدعوة والجهاد، ومن سار بعدهم وعلى دربهم أمثال الشهداء الشباب: عماد عقل، وكمال كحيل، ويحيى عيّاش، ومحيي الدين الشريف، الذين قدّموا أرواحهم في سبيل الله، والمستضعفين في الأرض من أهل فلسطين، ولتطهير الأرض المقدسة من رجس اليهود.

يقول الإمام الشهيد حسن البنا في رسالة «بين الأمس واليوم»: «سيقف جهل الشعب بحقيقة الإسلام عقبة في طريقكم، وستجدون من أهل التديّن ومن العلماء الرسميين من يستغرب فهمكم للإسلام، وينكر عليكم جهادكم في سبيله، وسيحقد عليكم الرؤساء والزعماء وذوو الجاه والسلطان، وستقف في وجهكم كل الحكومات على السواء، وستحاول كل حكومة أن تحدّ من نشاطكم، وأن تضع العراقيل في طريقكم، وسيتذرع الغاصبون بكل طريق لمناهضتكم وإطفاء نور دعوتكم، وسيستعينون في ذلك بالحكومات الضعيفة والأخلاق الضعيفة، والأيدي الممتدة إليهم بالسؤال، وإليكم بالإساءة والعدوان، وسيثير الجميع حول دعوتكم غبار الشبهات وظلم الاتهامات، وسيحاولون أن يلصقوا بها كل نقيصة، وأن يظهروها للناس في أبشع صورة، معتمدين على قوتهم وسلطانهم، ومعتدين بأموالهم ونفوذهم، وستدخلون بذلك -ولا شك- في دور التجربة والامتحان، فتُسجنون وتعتقلون وتنقلون وتشرّدون وتصادر مصالحكم، وتعطّل أعمالكم، وتفتش بيوتكم، وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان، ولكنّ الله وعدكم من بعد ذلك كله نصرة المجاهدين ومثوبة العاملين المحسنين».

هذا هو طريق الإخوان المسلمين منذ نشأتهم: طريق الشهادة، طريق السباق إلى الجنّة، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، والله أكبر ولله الحمد.

الرابط المختصر :