; كلمة إلى الدعاة .. الإسلام والتربية الفنية | مجلة المجتمع

العنوان كلمة إلى الدعاة .. الإسلام والتربية الفنية

الكاتب عامر عبدالله

تاريخ النشر الثلاثاء 01-أبريل-1997

مشاهدات 75

نشر في العدد 1244

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 01-أبريل-1997

المجتمع التربوي 

قد يستغرب فريق من المناوئين للإسلام وفريق من المتحمسين له -في الوقت نفسه- من هذا العنوان الذي يجمع بين متناقضين -في حسهم- الإسلام والفن.

 وقد يكون الإسلام رافضًا لبعض الفلسفات التي نشأ في أحضانها الفن الحديث، ولبعض ألياتها وأدواتها، لأنها تسير بالإنسان في اتجاه معاكس لمهمته ورسالته في الوجود... ولكن، هل هذا يعني أنه يوصد جميع الأبواب أمام الفن؟ وهل يعني أنه يرفض الفن لذاته؟

إن الحديث عن الإسلام والفن طويل ومتشعب، والتحري عن موقف الإسلام من الفن بخلفياته الفلسفية والياته وأدواته، لا يسعه مقال قصير كهذا.. لذلك فإننا سنناقش -هنا- أمرًا واحدًا، لن نخرج عنه، هو الأساس في هذه القضية، وهو التربية الفنية تربية الحاسة الفنية وتنمية الحس الجمالي والتذوق الفني فهل في الإسلام شيء من هذه التربية؟

 لنبدأ من هذا السؤال: ما الذي يميز الإنسان الفنان عن غيره؟ 

الفنان يتميز بتأثره السريع والعميق والتعبير عن هذا التأثر هذا هو ما يميزه باختصار شديد، فنجد الفنان يقف أمام مشهد أو موقف أو عبارة، فيهتز وتهتز كل ذرة في كيانه، وتتدفق مشاعره، ويحس برعشة تسري في جسده، ثم يعبر عن هذا الاهتزاز وذلك التدفق وتلك الرعشة.. يعبر بشكل أو بآخر بحركة، أو كلمة، أو قد يعجز عن كل شيء. فتتراكم التأثرات، وتستبد به الأحاسيس الرقيقة وتتجمع المشاعر المتدفقة، فيحس بضغط مكبوت فينفجر باكيًا كالبركان... وتلك -أيضا- صورة من صور التعبير.

والذي يقابل الإنسان الفنان هو الإنسان البليد.. يقف أمام شتى الصور والمشاهد والمؤثرات، فلا يهتز ولا يتأثر.. يقف إزاءها كجلمود صخر حطه السيل من عل!

فأين يا ترى موقع الإنسان المسلم من هذه المعادلة؟

إنه لابد للمسلم من شعور متدفق، وحس مرهف، وروح شفافة... لابد له من ذلك في اللحظة الأولى التي يفكر فيها في الدخول في الإسلام، أو قبلها، فهذه الحاسة الفنية - إلى جانب النضج العقلي - هي الضمان الذي يضع الإنسان على عتبة الإسلام.

وبهذه الصورة بدأت قصة الإسلام إن الله تعالى - بادئ ذي بدء - أعطى أهمية بالغة للقيمة الجمالية حين خلق الخلق، فهو -سبحانه- لم يخلقه محكمًا متقنًا فحسب، بل خلقه جميلًا مزينًا إلى جانب ذلك.

﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ (الملك: ٥).

﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (الصافات: 6).

 ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ  وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (النحل: 5-8).

وهكذا بث الله تعالى في الكون صور الجمال ومشاهد الزينة، وبث في القرآن الكريم جمال التعبير وروعة البيان.

ثم جاء الرسول ﷺ وأعلن دعوته، وبث بين الناس آيات القرآن الكريم التي توجه أنظارنا إلى صور الجمال والإبداع ومشاهد الزينة المبثوثة في الكون إلى الشمس والقمر والنجوم... إلى الماء الذي ينزل من السماء فيعانق تراب الأرض الذي يهتز ويربت، وثم يشقق فتتفجر الحياة من رحم الأرض الكريم إلى قطع الأرض المتجاورات.. إلى الدواب والإنسان المختلف ألوانه.. إلى ألوان الغروب، وعسعسة الليل وتنفس الصبح.. إلى مئات الصور الحية، بل آلافها.

﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4) (الرعد: ٣-٤).

 ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ (الجاثية: ٣ - ٥).

وإذا ما تتبعنا هذه الآيات فسنجد أنفسنا أمام حشد هائل منها.

هكذا فعل القرآن الكريم مع الناس لأول مرة، وهكذا يفعل إلى الآن.

فأما الإنسان البليد، ذلك الذي لا يتذوق الجمال، والذي يرى الدنيا كأسًا ولقمة وفراشًا، هذا الإنسان يظل صخرة جامدة لا تتأثر، أو يجتازها إلى مدى أبعد ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74) (البقرة: ٧٤)، هذا الإنسان تكتنفه مشاهد الجمال والإبداع والزينة، لكن أني له أن يتأثر والأدوات التي بها يتذوق الجمال معطلة؟ ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (الأعراف۱۷۹)

وأما الإنسان الفنان صاحب الحس المرهف، فإنه يهتز، يتزلزل، وتقوده تلك الهزة وذلك التزلزل إلى ثورة شاملة في حياته يعبر عنها بالفعل والقول والفؤاد.

﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ (آل عمران: ۱۹۱)

﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (الزمر: ۲۳)

وهكذا فإن أرق الناس أفئدة، وأرهفهم حسًا، هم الذين يتسابقون إلى الإسلام. 

والرسول ﷺ كان صاحب حس مرهف وشعور جياش، كان يستغرق في التفكر في الصور المتناثرة في الكون، ودائم التدبر للصور المعبرة التي ترسمها كلمات القرآن، كان يهتز لبكاء طفل فيتجوز في صلاته خشية أن تكون أمه مصلية خلفه. كان ينظر إلى صورته فيهتز الجمال الخلق وتناسقه، فتتعاظم أمامه قدرة الله ويحس بحاجته إليه، فينطلق لسانه بالدعاء اللهم فكما حسنت خلقي فحسن خلقي. 

وحين كانت الصواعق تدوي فيدب الخوف في قلوب الناس، حينها كان يهتز لعظمة الخالق ويقول: سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته.

وقد سمعنا أن شيخ الإسلام ابن تيمية كان لا يفوته مشهد الشمس وهي تطلع عند الفجر.

وتلميذه ابن القيم، إن لم يكن فنانًا مبدعًا لما خرج علينا بكتابه الفذ: مدارج السالكين الذي ينم عن معرفة عميقة بالنفوس ويأتي في القرن العشرين أديب، فنان، عميق الإحساس لينقل الأف الناس إلى حياة في ظلال القرآن بعد أن ابتعد الناس عنه وعن أجوائه كثيرًا، وما أحسبه كان سينجح في ذلك لولا الرصيد التر من الحس الفني- الجمالي الذي كان يمتلكه.

الحقيقة أن الإسلام كان نقلة بعيدة في الارتقاء الفني، إلى جانب كونه نقلة بعيدة في الارتقاء العقلي والنضوج النفسي، والتطور الاجتماعي، فلقد حول الإسلام جموع الناس: أهل البوادي، وأهل الحضر حولهم إلى متذوقين للفن والجمال، وأحاطهم نساء ورجالًا بصور حية كثيرة، وظل يهزهم بها ليل نهار!

 والحقيقة أن هذا الجمال الذي يشع من الكون، مع ذلك الحس المرهف، وتلك الطبيعة التأثرية في نفوس الخيرين، كل ذلك كان -معًا- رصيدًا مهمًا في معركة الإيمان مع الكفر ومعركة التوحيد مع الشرك، وصراع الحق مع الباطل.

واليوم فإن المشتغلين بالتربية الإسلامية مدعوون إلى الالتفاف إلى هذه القضية، وإعطاء أهمية كافية لتربية الحس الجمالي والتذوق الفني، لأنها هي التي تضمن تمكن الإيمان من القلب.. وهي التي تضمن دوام الاتصال بالله وهي التي تضمن التلقي الحي عن القرآن الكريم.

وما أبلغ ما قاله أحدهم: (على الفنانين أن يتدينوا، وعلى رجال الدين أن يتفننوا).

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 121

91

الثلاثاء 10-أكتوبر-1972

في فقه الدعوة(20).. المشمرون

نشر في العدد 275

79

الثلاثاء 18-نوفمبر-1975

جلسة مع ابن القيم الجوزيه