; جلسة مع ابن القيم الجوزيه (العدد 280) | مجلة المجتمع

العنوان جلسة مع ابن القيم الجوزيه (العدد 280)

الكاتب أبو عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 30-ديسمبر-1975

مشاهدات 136

نشر في العدد 280

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 30-ديسمبر-1975

أخي الداعية إلى الله- تعالى-

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

قال- صلى الله عليه وسلم-: «نعمتــان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ»، فإن إضاعة الوقت الصحيح يدعو إلى درك النقيصة، إذ صاحب حفظه مترق على درجات الكمال. فإذا أضاعه لم يقف موضعه، بل ينزل إلى درجـات من النقص. فإن لم يكن في تقدم فهـو متأخر ولا بد. فالعبد سائـر لا واقف.

فإما إلى فوق وإما إلى أسفل إما إلى أمام وإماإلى وراء. وليس في الطبيعة ولا في الشريعة وقوف البتة. ما هو إلا مراحل تطوى أسرع طي إلى الجنة أو إلى النار، فمسرع ومبطئ ومتقدم ومتأخر وليس في الطريق واقف البتة. وإنما يتخالفون في جهة المسير وفي السرعة والبطء: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ولم يذكر واقفًا. إذ لا منزل بين الجنة والنار ولا طريق لسالك إلى غير الدارين البتة. فمن لم يتقدم إلى هذه بالأعمال الصالحة فهو متأخر إلى تلك بالأعمال السيئة.

فإن قلت: كل مجد في طلب شيء لا بد أن يعرض له وقفة وفتور. ثم ينهض إلى طلبه قلت: لا بد من ذلك. ولكن صاحب الوقفة له حالان: إما أن يقف ليجم نفسه، ويعدها للسير. فهذا وقفته سـير. ولا تضره الوققة. فإن «لكل عابد شرة، ولكل شرة فترة». وإما أن يقف لداع دعاه من ورائه، وجاذب جذبه من خلفه. فـان أجابهأخره ولا بد. فإن تداركه الله برحمته، وأطلعه علي سبق الركب له وعلى تأخره، نهض نهضة الغضبان الآسف على الانقطاع، ووثب وجمز واشتد ســـعيًا ليلحق الركب. وإناستمـر مع داعي التأخر، وأصغى إليه لم يرض برده إلى حالته الأولى من الغفلة، وإجابة داعي الهوى، حتى يرده إلى أسوأ منها وأنزل دركًا. وهو بمنزلة النكسة الشديدة عقيب الإبلال من المرض. فإنها أخطر منـــه وأصعب. وبالجملة- أخي الحبيب- فإن تدارك الله- سبحانه وتعالى- هذا العبد بجذبه منه من يد عدوه وتخليصه، وإلا فهو في تأخر إلي الممات، راجع القهقري، ناكص على عقبيه أو مول ظهره ولا قوة إلا بالله والمعصوم من عصمة اللـه.

أخي السائر على درب الأنبياء,

إن المراقبة تعطي نورًا كاشفًا لحقـائق المعرفة والعبودية، وإضاعة الوقت تغطي ذلك النور وتكدر عين الصحبة مع الله فإن صاحب الوقت مع صحبة الله وله مع الله معية خاصة، بحسب حفظه وقته مع الله، فإن كان مع الله كان الله معه، فإذا أضاع وقته كدر عين هذه المعية الخاصة، وتعرض لقطع هذه الصحبــة، فلا شيء أضر على العارف بالله من إضاعته وقته مع الله.

ويخشى عليه إن لم يتداركه بالرجوع: أن تستمر الإضاعةإلى يوم القيامة فتكون حسرته وندامته أعظم مـن حسرة غيره وندامته، وحجابه عن الله أشد من حجاب من سواه ويكون حاله شبيهًا بحال قـوم يؤمر بهم إلى الجنة حتى إذاعاينوها وشاهدوا ما فيها، صرفت وجوههم عنها إلى النار، فإذن توبة الخواص تكون من تضييعهم أوقاتهم مع الله التي تدعو إلى هذه الأمور.

إن الوقت منقض بذاته، منصرم بنفسه، فمن غفل عن نفسه تصرمت أوقاته، وعظم فواته واشتدت حسراته، فكيف حاله إذا علم عند تحقق الغوث مقدار ما أضاع وطلب الرجعى فحيل بينـه وبين الاسترجاع وطلب تناول الفائت. وكيف برد الأمس في اليوم الجديد: ﴿وَأَنَّىٰ لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ومنع مما يحبه ويرتضيه وعلم أن ما اقتناه ليس ممـا ينبغي للعاقل أن يقتنيه، وحيل بينه وبين ما يشتهيه. فاختر لنفســك- أخي المجاهد- ما يعود عليك من وقتك. فإنه عائد عليك لا محالة. لهذا يقال للسعداء: ﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ويقال للأشقياء: ﴿ ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ.

أخي: يا من أسأل الله لك الثبات والجنة.

قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «لكل عابد شره ولكل شره فترة،فإماإلى سنة وإما إلى بدعة، فمن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى، فمن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك».

﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ.

واجعل فترتنا إلى سنة حبيبك ورسولك محمد- صلى الله عليه وسلم-.

اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك وتوفنا مسلمين.

وإلى رسالة قادمة إن شاء الله- تعالى-.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


أخوكم في الله ابن قيم الجوزيه         

مدارج السالكين الجزء ‏الأول         

ص 267- 269 الجزء الثالث ص 50

الرابط المختصر :