; انتفاضة المساجد | مجلة المجتمع

العنوان انتفاضة المساجد

الكاتب محمود صالح

تاريخ النشر الثلاثاء 08-مارس-1988

مشاهدات 80

نشر في العدد 857

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 08-مارس-1988

مساجد فلسطين اليوم وفي مقدمتها الأقصى تشعل جذوة الجهاد في فلسطين.

يكاد يجمع معظم القادمين من فلسطين المحتلة والمطلعين على الوضع الراهن في الأراضي المحتلة على أن انتفاضة الشعب المسلم هناك هي انتفاضة مساجد، من حيث المصدر والتوجيه والقيادة، مما أحيا في النفوس المسلمة الأمل بالنصر والتحرير وأعاد للمسجد دوره الريادي الذي أنيط به منذ فجر الإسلام الأول حيث كانت جحافل الصحابة تنطلق من مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حاملة نور الإسلام لتُخرج الناس من الظلمات إلى النور، ليدخل الناس -من مشارق الأرض ومغاربها- في دين الله أفواجًا.

وليس مستغربًا على مساجد المسلمين وفلسطين خاصة أن تقود الجهاد ضد أعداء الأمة على اختلاف مسمياتهم فهذا الجامع الأزهر في مصر يقود الحملة ضد الفرنسيين ويقتل سليمان الحلبي الجنرال الفرنسي كليبر، وهذا الشيخ عز الدين القسام ينطلق بحركته «الجهادية» من جامع النصر بحيفا ليقود الجهاد ضد الانتداب البريطاني المؤيد للاستيطان اليهودي على أرض فلسطين المسلمة.

المساجد مركز الانتفاضة:

وها هي مساجد فلسطين اليوم وفي مقدمتها المسجد الأقصى تشعل جذوة الجهاد في نفوس أهل فلسطين ضد أحفاد القردة والخنازير فتبدأ روح الجهاد أول ما تبدأ ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرفَعَ وَيُذكَرَ فِيهَا ٱسمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلغُدُوِّ وَٱلأصَالِ * رِجَال لَّا تُلهِيهِم تِجَٰرَة وَلَا بَيعٌ عَن ذِكرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ﴾ (النور:36-37).

فيتداعى المسلمون إلى الوقوف في وجه الاحتلال لمجرد سماعهم صيحات «حي على الجهاد» تنطلق من مآذن مساجدنا الصابرة المرابطة في كافة قرى ومدن ومخيمات فلسطين، فقد روت التقارير الواردة من فلسطين المحتلة أن مآذن المساجد أخذت تدعو إلى الجهاد ومقاومة الاحتلال وتبث من مكبرات الصوت آيات القرآن الكريم «نشرة أرض الرباط/ ديسمبر 87» وحسب تقرير لصحيفة «هآرتس- اليهودية» أن مآذن المساجد في مدينة نابلس قد بثت آيات القرآن في (87/12/10) وذكر مصدر لوكالة «رويتر» أن نداءات بالتظاهر ضد قوات الاحتلال كانت تنطلق من مآذن المساجد في نابلس يوم السبت 88/1/30. ولم يقتصر الأمر على بث آيات القرآن والدعوة للجهاد ومواجهة الاحتلال بل تعداه إلى أبعد من ذلك حيث أُلقيت خطبة موحدة في جميع مساجد فلسطين يوم الجمعة 88/2/5 تحث الجماهير على مواصلة الانتفاضة والتصدي لقوات الاحتلال وذكرت جريدة القبس الكويتية أن مساجد فلسطين قد تظاهرت يومي الجمعة (88/1/15) و(88/1/22) فيما يعرف بيوم الشهيد، وأُقيمت صلاة الغائب على أرواح شهداء الانتفاضة في ذلك اليوم.

وقامت قوات الاحتلال بمحاصرة المسجد الأقصى وحولته إلى ثكنة عسكرية في هذين اليومين لمنع وقوع صدامات ومظاهرات بعد صلاة الجمعة ولكن دون جدوى، ولم يختلف الوضع في بقية مساجد فلسطين فقد انطلقت مظاهرات عارمة من مسجد جمال عبد الناصر في رام الله والبيرة بعد صلاة الجمعة 88/1/22 وكذلك في مخيم بلاطة والقارعة وبيت عين الماء ومدينة نابلس ومخيم عسكر الجديد والقديم ومدينة قلقيلية وأريحا وجنين وبيت ساحور وغيرها. كما انطلقت مظاهرات أخرى من جامع العمري في مدينة غزة، وقالت أسوشيتدبرس: أن المتظاهرين كانوا يرددون هتافات «الله أكبر» و«أرواحنا فداء فلسطين».

ولم يقتصر دور المساجد على أيام الجمع فقط بل شمل كل أيام الأسبوع فقد قامت النساء في رام الله بتظاهرة من مسجد جمال عبد الناصر بتاريخ 87/2/20 «أرض الرباط/ ديسمبر» وفي غزة خرج أكثر من مائة مصلٍ من المسجد في مسيرة باتجاه منطقة السوق البلدي بتاريخ 87/12/25 «أرض الرباط/ ديسمبر».

وفيما يعرف بيوم «القدس» الاثنين 88/1/25 -نظرًا لازدياد حدة المواجهة في هذه المدينة- خرجت مظاهرات كبرى من مسجد «عناتا» القريب من مدينة القدس عقب صلاة الظهر شارك فيها مئات المصلين وهي المرة الأولى التي ينظم فيها المتظاهرون مثل هذه المظاهرة، حيث كانت المظاهرات تخرج عقب صلاة الجمعة كالعادة، وكذلك جرت مظاهرات أخرى في نفس اليوم من بعض أحياء المنطقة «القدس» قرب المدرسة المأمونية وفي الطور، أحد أحياء القدس. القبس (88/1/26).

إنهم يدركون ذلك:

ويدرك اليهود تمام الإدراك ومنذ فترة بعيدة أن العدو الأول لهم هو المسجد كرمز للفكر الإسلامي والحركة الإسلامية فقد قال دافيد بن غوريون: «نحن لا نخشى الاشتراكيات ولا الثوريات ولا الديمقراطيات في المنطقة، نحن فقط نخشى الإسلام هذا المارد الذي نام طويلًا وبدأ يتململ» «قادة الغرب يقولون/جلال العالم» وها هو رئيس وزراء العدو إسحاق شامير يعرف هذه الحقيقة فيقوم في أواخر ديسمبر الماضي بزيارة لأحد مساجد قرية أبو غوش في فلسطين المحتلة عام 1948 للإرهاب والوعيد من أجل إيقاف الانتفاضة (جريدة الوطن 87/12/30) ولا يقتصر الأمر عند هذا الحد بل يتعداه إلى محاصرة المساجد واعتقال روادها والتضييق على المصلين.

التضييق على التيار الإسلامي:

ولأهمية الدور الذي يقوم به المسجد والتيار الإسلامي داخل الأراضي المحتلة، فقد قام الاحتلال بوضع العراقيل والعقبات التي من شأنها أن تحول دون قيام هذا التيار بالدور المطلوب. فحاولوا محاصرة المساجد في كافة أرجاء فلسطين واعتقال أئمتها وخطبائها وقياداتها وروادها.

المساجد تحت الحصار:

جاء في نشرة أرض الرباط -عدد شهر ديسمبر- أن قوات الاحتلال حولت مساجد فلسطين إلى ثكنات عسكرية ترابط فوق أسطحها في 87/12/25 وقامت بفرض طوق حول مدينة القدس لتحول دون وصول المصلين إلى المسجد الأقصى خوفًا من اشتراكهم في تنظيم المظاهرات المعتادة والتي تقع عقب صلاة الجمعة في حالة وجود توتر في الأراضي المحتلة، وقامت كذلك بنشر دوريات من الشرطة وحرس الحدود والقناصة والقوات الخاصة فيها، وأقامت حواجز على الطرق المؤدية إلى المدينة وداخلها وكان هذا في 87/12/18 و88/1/15 و88/1/22 وبقية أيام الجمع.

وكذلك فقد شددت قوات الاحتلال حصارها على المخيمات القريبة من غزة ومنعت المصلين من التوجه إلى المساجد (القبس 88/1/23) وفي (88/2/18) قامت قوات كبيرة من جيش العدو وحرس الحدود بمداهمة أكثر من سبعين مسجدًا في مدن وقرى الضفة الغربية وقطاع غزة حيث صادرت مكبرات الصوت الموجودة في هذه المساجد بحجة أنها تستخدم من قبل مؤذني المساجد لتحريض السكان ضد الاحتلال، وقامت سلطات الاحتلال في 88/2/19 بقطع التيار الكهربائي عن مساجد الضفة والقطاع «القبس 88/2/20».

الضغط على أئمة المساجد:

قامت سلطات العدو باستدعاء أئمة المساجد قبل إقامة صلاة الجمعة وطلبت منهم عدم التطرق في خطبهم إلى الحث على الجهاد وشجب الاحتلال الصهيوني للأراضي العربية «القبس 88/1/23» ولم تكتف سلطات العدو بهذا القدر من الضغط بل قامت باعتقال عدد كبير من خطباء المساجد للتحقيق معهم في 88/2/19 كما واعتقلت إمام مسجد زعترة قرب بيت لحم بالإضافة إلى 22 من المصلين بتهمة التحريض على الانتفاضة «القبس 88/2/22».

اضطهاد المصلين:

لم يسلم المصلون ورواد المساجد من سياسة القبضة الحديدية اليهودية، فالأخبار تفيد بأن اشتباكات عنيفة قد وقعت بين أهالي مخيم بلاطة وقوات الاحتلال عندما حاولت الأخيرة اقتحام أحد المساجد في المخيم، فتصدى لهم الأهالي بالحجارة والفؤوس في 87/12/12 «أرض الرباط/ ديسمبر».

كما حلقت طائرات العدو العمودية فوق رؤوس المصلين في المسجد الأقصى يوم الجمعة 88/1/22 «القبس 88/1/23» وقامت قوات الاحتلال بتسجيل أسماء المصلين بإشراف وزير شرطة العدو «حاييم بارليف» الذي يدير عمليات القمع وذلك في المسجد الأقصى وأدخلت المصلين إلى المسجد بعد انتظامهم في طوابير طويلة «القبس 88/1/23» وصادرت قوات الاحتلال البطاقات الشخصية لمنع الأهالي من التنقل بين غزة والضفة لوقف انتفاضتهم «نفس المصدر».

إحراق المسجد:

ولا زال حلم اليهود ببناء هيكل داود على أنقاض المسجد الأقصى يراودهم حتى هذه الأيام ومما يدلل على ذلك محاولتهم الأخيرة بإحراق المسجد الأقصى بإلقاء القنابل الحارقة داخل المسجد في يوم الجمعة 88/1/22 وكما جاء في إفادة الشيخ سعد الدين العلمي رئيس الهيئة الإسلامية العليا في القدس لجريدة «القبس 88/1/27» فإن المصلين قاموا بإطفاء الحريق قبل أن يمتد ليهدد المسجد بأكمله.

وأخيرًا، فهذه هي انتفاضة مساجدنا بمآذنها وأئمتها وروادها وهذه خطوة لها ما بعدها لدعوة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وبشائر النصر قد بدأت تلوح في الآفاق، من خلال عزائم الشباب المسلم، واستمرار هذه الروح الجهادية في نفوس شعب فلسطين كفيل بتقريب ساعة النصر، وما ذلك على الله بعزيز.

الرابط المختصر :