العنوان التجربة المغربية في التعامل مع الحركة الإسلامية
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 18-يونيو-2005
مشاهدات 54
نشر في العدد 1656
نشر في الصفحة 15
السبت 18-يونيو-2005
رغم كل ما يمكن أن يقال عن التجربة السياسية المغربية من سلبيات أو قصور إلا أنه لا يمكن الجدال في أن هذه التجربة نجحت في التعاطي مع الحركة الإسلامية في البلاد وإفساح المجال لها لتكون جزءًا أصيلًا وقانونيًا في الخارطة السياسية، وبهذا يعتدل الميزان ويكون لكل فصيل حقه الطبيعي والمشروع في العمل الوطني العام. وتخطو التجربة السياسية المغربية في هذا الصدد خطوات متقدمة، فقد وافقت السلطات المغربية يوم الأربعاء ٢٠٠٥/٦/٨م، على الترخيص لحزب البديل الحضاري، وهي المرة الأولى التي يوافق فيها النظام المغربي على حزب إسلامي بشكل مباشر، وقد تمت عملية إشهار الحزب والموافقة عليه بوضوح وشفافية دون التفاف على الاسم أو البرنامج أو التفاف من السلطات على القوانين لمنح الترخيص له، صحيح أن الحزب منذ الإعلان عن نفسه عام ١٩٩٥م ظل يتحرك ويفاوض طيلة عشر سنوات للحصول على الوضع الرسمي إلا أن الموافقة مؤخرًا على الترخيص تعد خطوة متقدمة.
وبهذا يكون على الساحة المغربية السياسية حزبان إسلاميان العدالة والتنمية الذي تم الترخيص له عام ۱۹۹۸ م و البديل الحضاري.. وهو لا شك يضخ للميدان السياسي مزيدًا من أبناء التيار الإسلامي للمشاركة في العمل الوطني العام تحت حماية القانون وتسهيلاته وليس سيفه وتهديداته كما يجري للحركات الإسلامية الكبرى المحرومة ظلمًا من الشرعية القانونية في بعض البلدان، ويبدو أن الساحة المغربية ما زالت في حاجة إلى المزيد من الإفساح للإسلاميين إذ ما زال قطاع كبير منهم خارج نطاق الحزبين، وهو قطاع مهم له رؤيته وبرنامجه وآلياته الخاصة مثل جماعة العدل والإحسان، صاحبة الحضور الملحوظ في المجتمع المغربي، ولا تعترف بها السلطات حتى الآن، وهي بدورها صاحبة رؤية تتعارض مع النظام الملكي ورغم ذلك فإن حوارًا يدور حاليًا في الساحة المغربية لمنح العدل والإحسان وغيرها من الجماعات الإسلامية شرعية العمل القانوني في البلاد، ولعل إعلان الأمير هشام ابن عم ملك المغرب عن ضرورة السماح للعدل والإحسان بالعمل السياسي تمثل مؤشرا على مضي النظام المغربي نحو إصلاح ديمقراطي حقيقي تكون العلامة الأبرز فيه هي المصالحة والوئام مع التيار الإسلامي بعمومه ومنحه حقه الطبيعي في الحياة السياسية.. يقول الأمير هشام في هذا الصدد لا يمكننا التوصل إلى نظرة واضحة ومحددة عن آراء العدل والإحسان والحركات المشابهة لها في العالم العربي إلا إذا دعوناهم لحوار على غرار جميع الشركاء السياسيين «مجلة الجريدة، وكالة الأنباء الفرنسية. الثلاثاء ٢٠٠٥.٦٠٧٠م».
وأيًا كان الأمر فإن هذا الانفتاح الكبير في المغرب يمثل رسالة قوية ومحرجة تضع تلك الأنظمة التي ما زالت تصر على الحجر على التيار الإسلامي في بلادها في مأزق صعب.. وسيظل مطلوبًا منها أمام الرأي العام المحلي والدولي الإجابة عن السؤال التالي: ألستم مثل المغرب.. أم أنتم أقل من المغرب؟!.
إن مخاصمة الحركة الإسلامية طوال عقود طويلة أهدرت على الوطن فرصًا ذهبية في النهوض والتقدم والانطلاق، ولو قدر لباحث دراسة الخسائر التي منيت بها الأوطان بسبب ذلك لتوصل إلى نتائج مفجعة، ولو وقف أمام جزئية المطاردات الأمنية الدائرة منذ عقود لاكتشف كم المليارات التي أهدرت من الخزائن ومقدار الثروة البشرية التي أهدرت من جانب رجال الأمن ورجال الحركة الإسلامية وهم كفاءات عالية، ومجموع ذلك كله يمثل خصمًا من رصيد الأوطان، ناهيك عن حالة الإحباط واللا انتماء والسلبية التي تصيب قطاعات كبيرة من الشعب.
إن الأنظمة التي ما زالت تصر على مخاصمة الإسلاميين خاصة الذين يمارسون برنامجهم بالتي هي أحسن هي في الحقيقة تخاصم الاستقرار والهدوء في بلادها، ولو كانت تلك الأنظمة صادقة فيما تدعيه من أن منح الشرعية القانونية للإسلاميين فيه خطر على وحدة البلاد وأمنها، وأنها أي الأنظمة تعمل على حماية المجتمعات منهم.. فلماذا لا تترك هؤلاء الإسلاميين للمجتمعات والشعوب لكي تتعامل معهم عبر صناديق الانتخاب وعبر المحك العملي ويكون لها الخيار.. أن تقبلهم أو تلفظهم؟!
الحقيقة أن حجج ودعاوى المنع والإقصاء والمطاردة للإسلاميين صارت تتهاوى بسرعة وينكشف زيفها، ولذا فإن الأنظمة التي تحترم أنفسها وتريد لنفسها البقاء في الساحة بكرامة أو الخروج بكرامة عليها أن تسلم بحقائق الواقع وتتعامل معها قبل أن يفوتها القطار.. قطار التغيير والإصلاح الذي صار للإسلاميين في مقدمته مقاعد معتبرة منحهم إياها الرصيد الكبير من العمل والالتفاف الشعبي والقبول الجماهيري الجارف.