; أجهزة الاستقبال | مجلة المجتمع

العنوان أجهزة الاستقبال

الكاتب بأقلام القراء

تاريخ النشر الثلاثاء 10-نوفمبر-1992

مشاهدات 38

نشر في العدد 1024

نشر في الصفحة 64

الثلاثاء 10-نوفمبر-1992

رسالة من قارئ

بقلم: عبد الله حمدي – أبها – السعودية

كثر الحديث عن أجهزة الاستقبال وصدرت فيها بعض الفتاوى من علمائنا الأجلاء وقد رأيت كمسلم محب لديني متخصص في مجال الإعلام أن أبعث لكم ببعض ما يتعلق بهذا الموضوع في ظل واقع مجتمعاتنا المعاصرة بمختلف البلاد الإسلامية.

ولعل ما دفعني إلى الكتابة هذا هو ما أسفرت عنه فتاوى مماثلة متعلقة بوسائل إعلام أخرى كالراديو والمجلات والتلفاز فعلى الرغم من تتابع الفتاوى في هذه المجالات إلا أن استعمال هذه الوسائل لم يتأثر وأصبح على العكس من ذلك واقعا في كل بلاد المسلمين فأصبحت لنقل هذه الوسائل كل صالح وفاسد، وما هو غث وثمين وإذا كانت بعض البلاد تحرص الحرص كله على ألا تدخل بعض المطبوعات كالمجلات الماجنة والصحف التافهة داخل حدودها من خارج البلاد، إلا أن بعض الوسائل الأخرى- مهما كان الحرص على منعها- مثل الراديو وبرامج التلفاز التي تصل بواسطة الهوائيات الطبقية (الدش) لا يمكن أن تمنع فهي تنتقل من مكان لآخر كالهواء وأشعة الشمس، فقد حولت هذه الاختراعات الجديدة العالم كله إلى قرية صغيرة ما يحدث في أحد أركانها يمكن أن يرى ويسمع في كل مكان وربما في نفس وقت حدوثه، إن أي دعوة إلى عزل بلد ما عن باقي بلاد العالم، هو في الحقيقة دعوة إلي غمس الرؤوس في الرمل حتى لا ترى المشكلة التي تطرقها من كالاتجاه فلم تعد وسائل عزل الشعوب والأسوار الحديدية في ظل المخترعات الحديثة ذات جدوى كما كان الحال منذ قرن مضى فما الحل إذن لمواجهة مثل هذه المشكلات؟

لعلي أستمد هذا الحل أو بمعنى أصح التصرف حيال هذه المشكلة من سيرة قدوتنا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد واجه صلوات الله وسلامه عليه أمثال هذه المشكلات في عصره بوسيلتين الأولى: هي التربية، والثانية: هي إيجاد البديل الإسلامي في حدود ما أحل الله ولنأخذ مثالين من السيرة يوضحان ما أقول.

ففي بداية عصر الرسالة وعندما كان الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة ومعه حفنة قليلة من المسلمين كان بيت الله الحرام يعج بأفعال المشركين التي لم تكن تتفق وقداسة هذا البيت، فقد كانت عبادتهم كما أرشدنا القرآن مُكاء وتصدية، بل كان ما هو أسوأ من ذلك فقد كان المشركون يطوفون عرايا حول البيت ولما كان بيت الله هو مهوى لأفئدة المسلمين لما يحمله من مكانة عالية وقداسة في أنفسهم، وكان لابد لهم من أن يعبدوا الله حول الكعبة، فلم يعتزل الرسول وصحابته بيت الله بل كانوا يصلون حوله على الرغم مما كان يدور حوله من فساد، ولكن كانت تربية الرسول صلى الله عليه وسلم لصحابته- صغيرهم وكبيرهم- هي صمام الأمان والسلاح الذي استعمله ليعالج هذه المشكلة

وكان ذلك هو الحل الأمثل والوحيد على المدى البعيد، فلم تمضِ عدة سنوات حتى دخل الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته مكة فاتحين، وعندئذ قضى على كل مظاهر الشرك والفساد حول هذا البيت وأصبحت السيادة للإسلام وأهله.

في هذا الموقف كانت التربية هي العلاج الأمثل الذي أدَّى إلى هذا النصر المبين ولنتصور للحظة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر صحابته أن يعتزلوا الكعبة بسبب ما يدور حولها من فساد، هل كان بإمكانه أن يغرس في نفوسهم حب الكعبة ومكانتها في الإسلام؟ هل كان ذلك يؤدي إلى حل المشكلة وإزالة الباطل، أم كان يعتبر هروبا من مواجهة المشكلة ودفنًا للرؤوس في الرمال.

والموقف الآخر الذي أود أن أسوقه في هذا المجال هو موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من الشعر.. لقد كان الشعر في المجتمع الجاهلي دمًا يسري في عروق العرب مسلمهم ومشركهم ولا يخفَى على أحد ما كان وما يزال للشعر من أثر على أفئدة العرب وعلى امتداد عصر الرسالة كان المشركون يستخدمون الشعر في هجاء الإسلام والمسلمين.

وكان يستخدم في تمجيد تاريخهم الجاهلي والفخر بمجالس الخمر والعادات التي أدانها الإسلام كوأدِ البنات والغزل الرخيص، ويمكننا أن نقول إن الشعر كان وسيلة الإعلام الأولى في ذلك العصر.

فماذا كان جواب الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك هل أدان الشعر والشعراء على طول الخط ودعا إلى تحريمه واعتزاله؟ كلَّا.. وكيف ذلك وبإمكانه أن يستعمل هذا السلاح المؤثر والذي تهوي إليه أفئدة العرب في خدمة الدعوة فقد استعمل نفس السلاح وأوجد البديل وواجه هذا الإعلام بإعلام مضاد، ولعلنا نعرف من بين صحابة الرسول رضوان الله عليهم من كان يقرض الشعر، فمدحوا الإسلام ووضحوا محاسنه، وأشادوا بنصر الله لهم في غزواتهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم وذموا الشرك وأهله وما أورثه لهم من عادات جاهلية، ومن أشهر من عرف من شعراء الإسلام في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم هو حسان بن ثابت الذي أثنى عليه صلى الله علي وسلم قائلا: «لا فض فوك» وشد من أزره قائلا: «أنشد وروح القدس معك»، إذن فلَم يعتبر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الشعر مُنكرا يجب تجنبه لأنه استخدم في المجون وفحش القبول والرذيلة في عصرهم، بل استعمل نفس السلاح لخدمة الإسلام ونشر الدعوة والتاريخ الإسلامي على طوله يذخر بالعديد من شعراء المسلمين الذين بذلوا الكثير لدعوتهم بطريق الشعر.

والتلفاز وهوائيات الاستقبال الطبقية والتلفون والراديو من آيات الله التي أنعم بها على عباده فكما أن الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس آية من آيات الله كما علمنا القرآن الكريم، فإن الطائرة والسيارة والتلفون وغيرها آيات أنعم الله بها على الناس، يمكن أن تعود بالخير الكبير على الناس لو أحسن استخدامها، وهنا يبرز دور المسلمين في كل زمان ومكان فعليهم أن يقدموا الخير للإنسانية من خلال ما أوجده الله لنا من الأوعية والوسائل والإمكانات.

ولنتخيل للحظة أننا- كمسلمين- استعملنا ما ألهم الله به البشر من اختراعات كالتلفاز والأقمار الصناعية وتكنولوجيا البث وغيرها من الوسائل الحديثة في نشر الدعوة وإظهار محاسن ديننا الحنيف، ماذا يكون قدر الخدمة التي تُسديها لهذا الدين، وكيف تصبح هذه الوسائل نعمة بدلا من أن تكون وبالًا على البشرية فليس العلاج إذن في المنع، بينما يستعمل الخاصة من الناس كل ما منع من العامة من شر وخير فإن الشر يتسرب عن طريقهم خِفية إلى باقي المسلمين كما هو الحال في أغلب البلاد، فلا يكون هنالك ما يبث في أجواء العالم إلا الفساد المختلط باليسير من الخير، بل يجب أن يكون هناك خير يشع من أجواء بلاد الإسلام لينير للبشرية طريقها ويبدد ظلمتها.

وهنا أيضا يجب أن نفرق بين الوسيلة والمحتوى فمن الخطأ الكبير أن نُحَرِّمَ الوسيلة إذا كان من الممكن أن تستخدم في الخير، بل يجب علينا أن نواجه الغزو الفكري بغزو فكري مماثل، ولا تكون وسيلتنا هي فرض الوصاية والرقابة الواهية على الشعوب فيما لا يمكن التحكم فيه أساسا، فإن ذلك لا يولد إلا مزيدا من عدم الثقة والتطلع الى كل ما هو ممنوع، وكما يقول المثل: «كل ممنوع مرغوب»، وإن الطبيب البارع هو الذي يحصن مرضاه من الأوبئة التي قد تنتابهم، وليس ذلك الطبيب الذي يعزلهم عن الحياة خشية الإصابة بالأمراض.

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

الرابط المختصر :