العنوان يقلدون الإخوان ويشتمونهم!
الكاتب محمد أحمد نصر
تاريخ النشر الثلاثاء 21-سبتمبر-1999
مشاهدات 59
نشر في العدد 1368
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 21-سبتمبر-1999
عندما لاحت بارقة تهدئة في الأفق الدامي والعنيف الذي اشعلته سياسة الضرب في سويداء القلب من جانب الأمن ردًا على الاندفاعات العنيفة من قبل تنظيم الجهاد والجماعة الإسلامية كان أول المرحبين بتلك البادرة هم الإخوان المسلمون.
ولم يكن الترحيب سوى ترجمة فورية لسلوك هذه الحركة الإسلامية الأم وفرحة بعودة البعض إلى الرشد والصواب، ولم يكن يهم آنذاك أن العودة حدثت بناء على النصيحة التي لم تمل الحركة الأم من إسدائها على مدار السنين، أو أن تلك العودة عن العنف والدماء حدثت بعدما تجرع أعضاء الجهاد والجماعة الإسلامية مرارة الاندفاع والغلو في معاداة المجتمع والسلطة إلى الدرجة التي سال فيها دم كثير من أبرياء لا ناقة لهم ولا جمل في الصراع.
لقد تعدت الخسائر طرفي الصراع الحكومة والجماعات، لتؤثر سلبًا على الأمة والصحوة الإسلامية داخليًا وخارجيًا، في ظل وجود خصوم وأعداء هنا وهناك جاهزين لتصيد الأخطاء، وللمبالغة فيها واستخدامها بأفضل وأوسع أدوات الإعلام والدعاية العديدة التي يملكونها، وحين فشلت بادرة التهدئة الأولى قبل سنوات عدة، عندما اندفعت السلطة فأخرجت وزير الداخلية الأسبق عبد الحليم موسى من موقعه انتقد الإخوان المسلمون كل من تسببوا في فشل تلك البادرة وبصفة خاصة العناصر العلمانية التي حرضت الحكومة على رفض التهدئة وعلى استمرار العنف الرسمي في مواجهة الاندفاع من جانب قلة من شباب الجماعتين، ويبدو أن تأثيرات حادث الأقصر في نوفمبر ۱۹۹۷م، كانت ثقيلة الوطأة على الجماعة الإسلامية، كما كانت تلك التأثيرات على مصر بأسرها، الأمر الذي أسهم في أن ينحو الطرفان نحو التهدئة من جديد، وهو ما تم فعلًا بعد مجيء وزير الداخلية الحالي، فقد شهدت مصر منذئذ وقفًا لعمليات العنف من جانب الجماعة الإسلامية، ثم مبادرة صريحة أعلنها قادة الجماعة من داخل السجون بموافقة من الشيخ عمر عبد الرحمن.
وكما حدث في المبادرة السابقة، كان رد فعل الإخوان الترحيب بحقن الدماء.
هذه مقدمة ضرورية لما سوف نطرحه في السطور التالية تعليقًا على مقدمة كتاب أصدره جمال سلطان، وهو كاتب صحفي ينتمي فكريًا للجماعة الإسلامية المصرية عنوانه: «مراجعات في أوراق الحركة الإسلامية في مصر من منشورات المنار الجديد سنة ۱۹۹۹م.
ولن نتوقف كثيرًا هنا عند إصراره على صرف ذهن القارئ إلى أن الحركة الإسلامية كما يقصدها، ليست سوى الجماعة الإسلامية ومن ثم فلا نعرف أين يضع الأستاذ جمال سلطان الإخوان بالضبط، إلا إذا كان يريد إفهام القارئ أنهم مجرد قصة من قصص التاريخ المصري المعاصر، لا تستحق منه سوى الرثاء.
فهو يصف شيوخ الإخوان الذين مضوا والذين لا يزالون على قيد الحياة، بأنهم يفتقرون لأي خبرة سياسية حقيقية بفعل سنوات العزل «يقصد السجون والمعتقلات».
وعلى الرغم من أن الكتاب ككل يأتي كمذكرة تبريرية للتطور الجديد الذي اختاره فصيل جمال سلطان، وأعني بذلك نبذ العنف والتوجه نحو الوسائل السلمية والعمل من داخل الإطار السياسي في شكل حزب على الرغم من هذا نجد المؤلف يتغاضى أو يتناسى أن ما يدعو إليه هو نفسه ما أنجزته قيادات الإخوان منذ خاض إمامهم حسن البنا - رحمه الله - الانتخابات بنفسه في الأربعينيات، وحتى واصل إخوانه وتلامذته طريق الدعوة السلمية منذ السبعينيات وحتى اليوم.
ولسنا ندري كيف لا يدرك جمال سلطان هذا التناقض الذي وقع فيه.. يصف قيادات الإخوان الحالية بعدم الخبرة السياسية، بينما هذه القيادات هي ذاتها التي أرشدت ووجهت الجماعة لخوض غمار السياسة وأسفر ذلك عن إنجازات متعددة لا في مصر وحدها، بل انتقلت الخبرة الإخوانية السياسية المصرية إلى عدد آخر من الدول.
إن محاولة الفصيل الذي ينتمي إليه جمال سلطان، تأسيس حزب هي في ذاتها اقتباس المبدأ انتهى الإخوان من إقراره منذ قرابة عقدين من الزمن، ونعني بذلك أن يتحول العمل السياسي في الجماعة إلى الإطار الحزبي، وقد تم فعلاً الانتهاء من برنامجين أو مشروعين لحزب لم ير النور، بسبب موقف السلطة الرافض على طول الخط السماح للإخوان بحزب.
سامح الله الأخ جمال سلطان على اندفاعه فيما وصف به قيادة الإخوان في الوقت الذي ينقل هو ذاته خلاصة ما برعوا فيه، وهو سياسة اللاعنف والالتزام بقواعد اللعبة الديمقراطية على الرغم من عدم التزام السلطة بها..