; اللسان العربي - اقتحام العقبة | مجلة المجتمع

العنوان اللسان العربي - اقتحام العقبة

الكاتب عبدالوارث سعيد

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أغسطس-1993

مشاهدات 41

نشر في العدد 1060

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 03-أغسطس-1993

اللسان العربي - اقتحام العقبة

بات من المسلمات أن للغة - أي لغة - دورًا أساسيًا وفعالًا في حياة كل أمة.

وإن للعربية - بسبب ارتباطها الوثيق بالقرآن وبحضارة الإسلام - لدور أعظم خطرًا وأثرًا.

 من هنا كانت العربية هدفًا ثمينًا لسهام أعداء الإسلام والمسلمين. لقد تآمروا عليها بخبث لتغييبها من حياة المسلمين عامة. وكان العرب -أهل اللغة وحماتها- محل تركيز خاص في هذه الحرب.

 

محاولات تهوين شأن العربية

ونجح الأعداء - بفضل غفلتنا وجهلنا وخيانة بعض منا للأمانة - في تهوين أمر اللسان العربي في نظرنا وإيهامنا أنه صعب وغير صالح للحياة المعاصرة، وزينوا لنا بدائل - من لغاتهم الأجنبية أو من العاميات واللهجات - ليقطعونا عن سر وجودنا ومنبع وحدتنا وقوتنا القرآن والسنة وتراث الإسلام. وتولت أنظمة التعليم العلمانية تثبيت تلك الأفكار فقامت بين العربي ولغته الفصحى حواجز وعقبات ضخام تمنعه من الاقتراب منها والتعرف عليها والتمكن من أنظمتها والإحساس بعظمتها وجمالها، فرضي أن يعيش حياته لا يتقن إلا العامية، وقد يتقن معها لغة أجنبية أو أكثر. أما الفصحى - لغته الأم، ولغة دينه وحضارته - فمتروك أمرها للظروف، ولا يقلقه أو يخجله ألا يستقيم بها لسانه أو قلمه، بل ألا يحسن قراءة كتاب الله، دعك من تذوقه وإدراك إعجازه، وإن دعاه أحد إلى تعلم لغته ونفض هذا العار عن نفسه تخوف وتهيب واعتقد أن الأمر ليس في وسعه خاصة إن جاوز سن الشباب. فما مدى صحة هذا الظن والتخوف؟!

 

خرافة صعوبة اللغة العربية

إن هذه المشكلة النفسية ليست سوى تراكم لمفتريات الغزو الفكري الخبيث طيلة نحو قرن من الزمان وعبر وسائل عديدة. وتجاوز هذه العقبة والتخلص من العقدة يحتاج إلى نظرة صادقة إلى قضية اللسان العربي ومكانته، وإلى عزمة قوية تعيد الأمر إلى نصابه، وتضع القدم على أول الطريق الصحيح. أما صعوبة العربية، فهذه خرافة من دس الأعداء واللغويين - من أبناء الأمم التي تحارب العربية - يرفضون فكرة أن لغة أصعب أو أسهل من لغة أخرى. فها هم أطفال كل الشعوب يتعلمون لغاتهم الأم بالسرعة ذاتها ودون شكوى. بل منهم من يتلقى عن أسرته لغتين معًا ويتقنهما، ويسمى «ثنائي اللغة» «Bilingual» وها هم البالغون يتعلمون ويتقنون مختلف اللغات الأجنبية في معاهد الدرس.

 

العربية نظام محكم ومرن

وما يكون من شكوى لدى بعضهم أو صعوبة مردها إلى الظروف المحيطة وطرق التدريس وليس إلى اللغة ذاتها. أما العربية خاصة، فقد أتقنتها الشعوب المختلفة حين اعتنقت الإسلام ونافسوا العرب في حبها وإتقانها، بل تفوقوا عليهم أحيانًا، وسيبويه «الفارسي الأصل» - صاحب أول وأعظم كتاب في قواعد العربية - ليس سوى مثال واحد من عشرات ومئات برزوا في العربية وعلومها، وعرفوا بــ «الموالي». كذلك فإن اللغة ليست ركامًا من الفوضى، وإنما هي «نظام» محكم له منطقه على كل المستويات، وإلا لما أمكن للناس أن يتفاهموا بها.

 ونحن في عصر «نظم المعلومات» وتتعلم العلوم ونحسن استخدام الآلات والأجهزة ما دمنا نفهم نظامها. ولهذا «اللسان العربي» من خصائص «النظام» والمنطق حظ أوفر من حظ لغات أخرى.

 

تفعيل الذخيرة اللغوية الخاملة

ومن المبشرات بسهولة اجتياز هذه العقبة أننا نعرف الكثير من قواعد العربية وأنظمتها، سواء عن طريق ما درسناه في مراحل التعليم، أو ما ترسب في ذاكرتنا من خلال تعرضنا الطويل لنصوصها، كل ذلك مخزون يمكن بالممارسة أن ينشط ويستعاد إلى منطقة الوعي، ويحول من حالة الكمون والسلبية إلى الحركة والإيجابية. أضف إلى ذلك أن للعامية - التي نتقنها ونمارسها صباح مساء - قواعد في الأصوات والمفردات والنحو، وحتى البلاغة، تلتقي في مساحة كبيرة مع قواعد الفصحى في تلك المستويات، ولا عجب فهما مستويان من أصل واحد، فإذا أردنا تعلم الفصحى أو ممارستها استمددنا الكثير من تلك الذخيرة اللغوية التي نمتلكها ونحن لا ندري.

 إن كل ما نحتاجه لاجتياز هذه العقبة وقفة صادقة مع النفس وعزمة قوية على التغيير وكسر حاجز الخوف، واستشارة لأهل الذكر عن كيفية البدء والتحرك وأنسب الكتب التي توصلنا إلى الغاية المرجوة والله – تعالى - لا يضيع أجر من أحسن عملًا. فهل آن الأوان أن نتخذ هذا القرار الحكيم؟! وسوف نحاول - في الحلقة القادمة - أن نبدأ معًا «الدرس الأول» على طريق إيقاظ الذخيرة الخاملة من معارفنا عن اللغة العربية أملًا في انطلاقة مستمرة بهدف أن نتقن هذا اللسان المبين.

 

انظر أيضا:

اللسان العربي والتقليد

 

الرابط المختصر :