العنوان دور البيت ودور المدرسة (من أوراق أخصائية اجتماعية)
الكاتب نادية البراك
تاريخ النشر الثلاثاء 12-يناير-1993
مشاهدات 38
نشر في العدد 1033
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 12-يناير-1993
دور البيت ودور المدرسة (من أوراق
أخصائية اجتماعية)
حضرت لزيارتي ذات صباح والدة الطالبة حصة مشعل في الفصل الثاني الثانوي.
كانت سيدة رزينة مهذبة، ولأن ابنتها لم تكن تعاني من أية مشاكل دراسية، فقد
استغربت زيارتها.
جلست الأم في مواجهتي، وبعد السلام والسؤال عن الأحوال ذكرت سبب
مجيئها دون لف أو دوران:
- قصدتك
اليوم بأمر هام بخصوص ابنتي حصة، وقد قصدتك أنت بالذات لإدراكي اهتمامك
الشديد بجميع الطالبات دون استثناء. شكرتها قائلة:
- أرجو
أن أكون عند حسن ظنك. تنهدت قائلة:
- هناك
قضية مهمة تقلقني كثيرًا، وأنا أرى أن المدرسة لا توليها الاهتمام الكافي.
تساءلت بدوري:
- وما
تلك القضية؟ أجابت دون تردد:
- إنها
قضية الصلاة. رغم أن ابنتي في الخامسة عشرة من العمر إلا أنها غير
حريصة على أدائها، وكذلك أشقاؤها الأصغر منها. لقد نصحتها مرارًا، وكذلك
إخوتها، لكن دون فائدة، وأنا بصراحة أُلقي اللوم في ذلك على المدرسة. من
واجبكم أن تهتموا بأداء أبنائنا للصلاة مثل حرصكم على بقية الأمور التعليمية.
يجب أن يكون هناك تعاون كبير بين المدرسة والبيت حول هذا الأمر. هدأت من
انفعالها قائلة:
- هذا
صحيح، وأوافقك الرأي تمامًا. من واجب المدرسة أن تهتم بالأمور العبادية
والأخلاقية للطالبة مثل الأمور التعليمية، ونحن في المدرسة نحاول ذلك قدر
الإمكان. فمدرسة الدين تحث الطالبات دومًا على أداء الصلاة، وصلاة الظهر تقام
جماعة في المدرسة. قاطعتني بحدة:
- لكن
ابنتي أخبرتني أنها لا تحضر صلاة الظهر جماعة في المدرسة، لقد اعترفت لي
بأنها وقت الصلاة تجلس في الباحة الخلفية للمدرسة مع بعض الصديقات ممن هن على
شاكلتها، وهذا في رأيي خطأ كبير يجب على المدرسة أن تكون أكثر اهتمامًا به.
يجب أن تقوموا بأعمال أخرى غير التي ذكرتها. قلت بهدوء:
- اسمحي
لي يا سيدتي أن أنبهك إلى أمر هام غاب عنك. صحيح أن في عملية التربية يجب أن
يكون هناك تعاون وثيق بين البيت والمدرسة، لكن الدور الأكبر في هذه المسألة
يقع على الأسرة، وعلى كاهلك أنت بالذات. نحن في المدرسة نحاول جهدنا كما ذكرت
لك، لكن هذا لا يعني أننا نستغني عن جهود الوالدين، بل إن لهما الدور الأساسي
ونحن الدور المكمل. قالت الأم في دهشة:
- لست
أتفق معك في هذا الأمر، برأيي أن التربية أساسًا تأتي من المدرسة والبيت هو
الذي يكملها. قلت بدهشة:
- أنت
مخطئة جداً في رأيك هذا، لا يُعقل أنك كأم تعتمدين على المدرسة
في عملية التربية وتغفلين عن أهمية دورك كأم! انبرت تدافع عن نفسها في حرارة:
- أنا
لا أغفل أهمية دور الوالدين لكنني كما ذكرت أرى أن الأساس في التربية يقع على
المدرسة، وقد أعطيتك مثلًا على ذلك في الصلاة، تعبت مع أبنائي كثيرًا دون
جدوى، لا يبالون بكلامي ولا بنصائحي، وأنا أُلقي اللوم الشديد على المدرسة
التي أهملت دورها في تربية أبنائنا. قلت مستنكرة:
- لكنني
لم أسمع أبدًا أن الدور الأساسي في التربية على المدرسة. الأم يا سيدتي
بالذات يقع عليها العبء الأكبر والأهم، وأنا متأكدة أن هناك خللاً ما في
طريقة تعاملك معهم أدت بهم إلى الإهمال في أداء الصلاة. دعيني أسأل: هل كنت
تحثينهم عليها منذ أن بلغوا السابعة من العمر؟ هل استعملت الضرب كعقاب عندما
رأيت تهاونهم في أدائها عندما بلغوا العاشرة؟ قالت بدهشة:
- طبعًا
لم أكن أفعل ذلك.
- ولم؟
- لأنني
كما ذكرت لك، كنت أرى أن هذا دور المدرسة وليس دوري، كان من واجب المدرسة أن
تتابع كل هذه الأمور. كتمت انفعالاتي وصمت برهة حيرى، لا أدري ماذا أقول،
وأخيرًا تغلبت على حيرتي وحنقي من حديث الأم وقلت:
- هداك
الله يا أختي، هذا ليس من واجب المدرسة بل من واجبك أنت. أكرر لك بأن دور
المدرسة ثانوي ودورك هو الأساس. العبء الأكبر يقع عليك أنت، إذا كانت المدرسة
ستقوم بكل العبء فماذا يتبقى للوالدين؟ إن الطفل يقضي في المدرسة جزءًا من
نهاره وليس يومه كله، نحن نتابعه طوال تواجده في المدرسة، لكن بعد عودته إلى
البيت يأتي دورك أنت. المدرسة لديها في الفصل الواحد ثلاثون تلميذة، لا يُعقل
أن تتابعهن جميعًا في الأمور العبادية التي ذكرتها وباقي الأمور الأخلاقية.
هي تُقوِّم ما اعوجَّ من سلوكياتهن ما استطاعت، لكن هذا أيضًا لا يعني
أن تغفل عن وظيفتها الأخرى ألا وهي عملية التعليم في المواد المختلفة. إن
المدرسة قد تكون مساعدة للأم في عملية التربية، لكنها حتمًا ليست الأم على
الإطلاق. هزت الأم رأسها في عدم اقتناع:
- لست
مقتنعة بكل ما ذكرته. برأيي أن المسئولية الكبرى في تربية الطفل تقع على
المدرسة، ولهذا السبب أحضرنا أطفالنا لكم لكي يتعلموا ويتربوا في آنٍ واحد،
لكنكم تتهربون من مسئوليتكم!! انصرفت الأم وتركتني في مشاعر متفاوتة من
الحيرة والأسف والغيظ.
الرابط المختصر :