العنوان أيهما الشرعي: سلاح المقاومة أم سلاح السلطة؟
الكاتب عبد الرحمن فرحانة
تاريخ النشر السبت 26-يوليو-2003
مشاهدات 70
نشر في العدد 1561
نشر في الصفحة 66
السبت 26-يوليو-2003
محمد السمري مجاهد فلسطيني خرج من انتفاضة الأقصى وقد فقد إحدى ذراعيه ومصاب في ساقه اليسرى إصابة بليغة، لكنه يظل متجذرًا في رمال غزة صامدًا كالوتد الذي لا تهزه الريح وكالشوكة تنخس أعين الصهاينة بالرغم مما فقد من أعضائه ورغم الآلام التي تعمل فيما تبقى من جسده.. إلى هنا لم تكتمل هذه الحكاية الفلسطينية.
مساء الخميس 10/7/2023م تأتي عناصر من «فرق الموت» التابعة لجهاز الأمن الوقائي التي يرأسها المقاول الأمني محمد دحلان لتقدم عرضًا أمنيًا متميزًا يكون ضحيته بطل حكايتنا نفسه محمد السمري، إذ يطلق «بواسل» الأمن الوقائي النار على الساق الأخرى السليمة للسمري فيصيبونه إصابة خطيرة.. ولم ينته المشهد عند هذا الحد، بل قام «حماة الوطن» بضربه بطريقة وحشية بينما جراحه تنزف.
من حق السمري وغيره من أبناء الشعب الفلسطيني، بل ومن حق كل من يراقب المشهد الفلسطيني أن يتساءل لماذا استيقظت هذه الرصاصات من غفوتها الطويلة طيلة انتفاضة الأقصى لتضرب اليوم ساق هذا المجاهد؟ وأين كانت هذه «المراجل» الكامنة حينما كانت قوات الاحتلال – ومازالت – تجتاح مدائن الضفة وغزة ومخيماتهما وتعيث في الأرض فسادًا بينما سلاح السلطة «الشرعي» يغفو بين أكف المقاولين الأمنيين؟
هذا المشهد الموغل في السريالية والإبهام يستدعي الوعي لكي يطرح موضوع السلاح الفلسطيني في دائرة النقاش وليكن السؤال مباشرًا ودون مواربة.. أيهما الشرعي: سلاح المقاومة أم سلاح السلطة؟
وفي السياق الفلسطيني لو حاولنا إنتاج معيار لقياس هذه الشرعية ينبغي توافرعنصرين: شرعية القانون وشرعية الممارسة.
وفي إطار هذه المعادلة يمكن إدراج سند قانوني لسلاح السلطة على أنه شرعي باعتباره سلاح السلطة الرسمية التي أنتجت وفقًا لاتفاقية أوسلو المعترف بها إقليميًا ودوليًا. وهذا السند غير متفق على قانونيته لأن الاتفاقية المذكورة أصلًا لم تحظ بوفاق فلسطيني وهي تعتبر في الأدبيات السياسية الفلسطينية وغيرها مجرد «مقاولة أمنية» قامت بها جهة متنفذة تغولت على القرار الفلسطيني. ناهيك عن أن الاتفاقية حوت مضامين تتجاوز الحق الفلسطيني الكامل في الأرض وحق تقرير المصير وبالتالي تبطل بنيتها الأساسية.
وكل اللافتات اللازمة للشرعية والتي تم إنتاجها بعد تكوين السلطة لا تعبر إلا عن فئة سياسية خاصة من الشعب، ومن زاوية جغرافية فهي لا تعبر إلا عن جزء من الشعب الفلسطيني وهم فقط الموجودون بالضفة الغربية وقطاع غزة. الأهم من ذلك أن انتفاضة الأقصى أسقطت هذه الاتفاقية ومن المفترض أن تسقط كل الهياكل القانونية التي قامت على قاعدتها.
وعلى صعيد شرعية الممارسة، فأي قارئ للمشهد الفلسطيني سيخلص إلى نتيجة واحدة مؤداها أن سلاح السلطة لم يستخدم إلا في مواجهة المقاومة وملاحقة مجاهديها سوى بعض الاستثناءات على استحياء، ولكن دون إطار رسمي وبمبادرات فردية.
الأكثر غرابة أن تمويل سلاح السلطة «الشرعي» والعناصر البشرية تستخدمه يأتي من الدول الغربية تقف مساندة للمقاولة الأمنية التي تستهدف مقاومة شعبنا وبأيدي بني جلدتنا.
أما سلاح المقاومة فيتوافر له إطار قانوني يستند إلى قاعدة القانون الدولي العام إذ تجيز قوانين الأمم المتحدة مقاومة المحتل بناء على أحكام لاهاي واتفاقيات جنيف، وليس من حق أي دولة مهما تعاظمت قوتها وهيمنتها أن تصف مقاومة الشعوب التي تسعى للتحرر من الاحتلال بالإرهاب وغيرها من الصفات التي تستهدف تجريم المقاومة قانونيًا. وهناك سجل تاريخي طويل يتحدث عن حركات التحرر التي حظيت بدعم المجتمع الدولي خلال القرن الماضي. بل إن السياق التاريخي يبرز دعم أمريكا نفسها للمقاومة الألبانية عام 1942م ضد الفاشية الإيطالية وكذلك للمقاومة الفرنسية عام 1943م ضد النازية الألمانية.
ونظرًا لهذا السند القانوني الداعم للمقاومة يسعى الكيان الصهيوني حاليًا لسن معاهدة دولية تستهدف تجريم العمليات الاستشهادية وكل الأعمال اللوجستية المتصلة بها حتى إعالة أبناء الشهداء وأراملهم.
وبخصوص شرعية الممارسة لسلاح المقاومة؛ فقد كان هذا السلاح ولايزال هو أداة القوة الوحيدة التي عملت في مواجهة غطرسة الاحتلال وتعدياته على الشعب الفلسطيني ومقدراته، بل استطاع هذا السلاح – بالرغم من بساطته وبدائية الوسائل القتالية المستخدمة – أنينتج معادلة مواجهة مع قوات الاحتلال تقوم على مبدأ توازن الرعب، ولم يستطع الجيش الصهيوني بتفوقه النوعي أن يفك شفرة هذه المعادلة. والمشهد بكافة تفصيلاته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية خير شاهد على حجم الوجع الاستراتيجي الذي أصاب بنية هذا الكيان الطارئ.
أما دعم هذا السلاح المقاوم الذي يمارس نموذجًا مصغرًا من فريضة الجهاد الغائبة فيأتي من أيادي أبناء الأمة في أصقاع الأرض كلها. الذين يتعبدون الله تعالى بهذا دفاعًا عن مقدساتهم وإسنادًا لبني جلدتهم من مجاهدي بيت المقدس.
وفي سياق هذه المعادلة فأيهما الشرعي أخلاقيًا ووطنيًا وقانونيًا سلاح المقاومة أم سلاح السلطة
(*) كاتب وشاعر فلسطيني
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل