العنوان نجاح المصالحة الصومالية في جيبوتي
الكاتب محمد يوسف عبده
تاريخ النشر الثلاثاء 12-سبتمبر-2000
مشاهدات 107
نشر في العدد 1417
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 12-سبتمبر-2000
بعد نجاح جهود السلام بحمد الله تعالى وعونه وما توصلت إليه من نتائج مُرضية أعادت للشعب الصومالي كيانه، وردت له مكانته بين الشعوب أود أن أسجل النِّقَاط التالية:
أولًا: أهنئ الشعب الصومالي والأمة الإسلامية بالنجاح الكبير الذي تُوج بعملية المصالحة التي جرت في منتجع عرتا الجيبوتي بتوفيق من الله سبحانه، ثم برعاية كريمة من الرئيس إسماعيل عمر جيلي -وفقه الله- المزيد من الخطوات الخيرة والبناء لخير شعبنا في جيبوتي وفي المنطقة عمومًا.
ثانيًا: ومن باب من لا يشكر الناس لا يشكر الله، أود أن أنوه بالجهد المنقطع النظير الذي قام به الرئيس إسماعيل عمر جيلي ومساعدوه وعموم أهلنا في جيبوتي لإنجاح مؤتمر المصالحة الصومالي الثالث عشر.
فمنذ أن أطلق الرئيس إسماعيل مبادرته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل سنة لم يتوقف مهندس السلام إسماعيل عمر جيلي عن متابعة هذه العملية لحظة واحدة، حيث بدأها بمشاورة شخصيات صومالية مهتمة بالمصالحة، ثم بدراسة أفكار ووضع إستراتيجيات حول مشروع المصالحة تمهيدًا للبدء الفعلي للمؤتمر حتى لا يتعرض المؤتمر لما تعرضت له المؤتمرات الاثنتا عشرة السابقة من الفشل، وكما هو معروف، فإن هذه المؤتمرات عقدت حول المصالحة الصومالية بدعوة من جهات دولية وإقليمية مختلفة الأغراض، إلا أن العامل المشترك فيها الذي شكل سببًا من أسباب فشلها هو استبعاد وتجاهل القيادات التقليدية للشعب الصومالي والمتمثلة بسلاطينه ووجهائه وعلمائه وعقلائه وهؤلاء هم أهل الحل والعقد في الصومال، وليس زعماء الحرب، ولا المتاجرون بالقضية، والفرق بين مبادرة جيبوتي الناجحة وبين غيرها من المبادرات الفاشلة، أن نظرة الرئيس الجيبوتي نظرة داخلية ورؤيته للقضية الصومالية رؤية من الداخل ومن الطبيعي أنه إذا اختلف أخوان في قضية وكان لهما أخ ثالث محايد أن يتولى هذا الأخ دون سواه عملية الصلح، ومع شكرنا وتقديرنا للجهود المخلصة التي بذلها بعض الجهات الإقليمية كالحكومة المصرية، إلا أن الأمر كان في حاجة إلى حركة من داخل البيت الصومالي مزودة بما يكفي من الدراية الكاملة والاطلاع الواسع لمكونات المجتمع الصومالي وتراكماته التقليدية والفكرية، فأهل مكة أدرى بشعابها، وأهل البيت أعرف بما فيه.
وانطلاقًا من هذه الأرضية، كانت رؤية الرئيس الجيبوتي واضحة من بداية المبادرة، فاعتمد على القيادات التقليدية للشعب، رافضًا كل الأصوات التي دعته إلى الاعتماد على زعماء الحرب، ومقاومًا كل الضغوط التي أرادت أن تحرفه عن الطريق القويم، فالقيادة الجديدة الشابة في جيبوتي جاءت على قدر مع القضية الصومالية فنجحت بتوفيق من الله فيما فشل فيه الآخرون.
ومع أن الطريق الذي اختارته القيادة الجيبوتية لإدارة عملية المصالحة كان مكلفًا حيث تطلب الأمر دعوة ما لا يقل عن ثلاثة آلاف من الناس للاشتراك في المؤتمر، كما تطلب الأمر بأن يمتد المؤتمر سنة أشهر على التوالي، حيث افتتح مؤتمر المثقفين الذي مهد لسلسلة أعقبته من مؤتمرات نتيجتها إنجاز مشروع الميثاق الوطني، وهو يعتبر في شكله ومضمونه فخراً للشعب الصومالي خاصة، وللأمة الإسلامية عامة، ثم انتخاب البرلمان الصومالي ذي المائتين والخمسة والأربعين عضوًا، والمشكل في غالبيته العظمى من نخبة من المثقفين الواعين لواجباتهم نحو شعبهم وأمتهم، وهم بدورهم انتخبوا رئيس الجمهورية عبد القاسم صلاة حسن، وهو كان في السنوات الماضية رائدًا من رواد المصالحة في الصومال، ومساهمًا قويًا في الدعوة إلى نبذ العنف وإحلال السلام، وكان لدوره هذا أثره الفاعل في نجاح كثير من أعمال المصالحة ولاسيما في العاصمة مقديشو، كما أنه كان من الداعمين الأوائل لمؤتمر جيبوتي، وهذه الأمور ربما كانت حافزًا للنواب وللتصويت لصالحه.
يتوقع الصوماليون من الرئيس عبد القاسم الكثير الكثير، نسأل الله أن يأخذ بيده حتى يقود الصومال إلى بر الأمان، وهذه الإنجازات الكبيرة لمؤتمر المصالحة ما كانت لتتحقق لولا ما التزم به الرئيس الجيبوتي من عدم المبالاة بما أنفق من جهد ووقت ومال في سبيل تحقيق المصالحة بين الصوماليين كافة مع ما صاحب ذلك من ضغوط داخلية وخارجية وما ترتب عليها بالنسبة للرئيس إسماعيل ورفاقه في حكومته وخصوصًا مدير مكتبه السيد إسماعيل حسين ثاني من معاناة نفسية وجسمية نتجت عن المتابعة الكاملة المجريات عملية المصالحة والسهر الدائم عليها سواء لتقريب وجهات النظر بين المؤتمرين أو التدخل الشخصي المستمر لإخماد نار الفتنة كلما نشبت بين الفرقاء أو للتفكير في الخطوة التالية حتى وصلت قافلة السلام إلى بر الأمان وإذا أخذنا في الاعتبار إمكانات جمهورية جيبوتي المالية وقلة مواردها، فإن ما شاهدته من الرئيس إسماعيل ومن حكومته في أثناء اشتراكي في المؤتمر بمراحله المختلفة لتذليل كل عقبة قد تعترض سير المؤتمر ينطبق عليه قول القائل: «إن فلانًا ينفق كالذي لا يخشى الفقر أو يعطي عطاء من لا يخشى الفقر».
ثالثًا: إن الشعب الصومالي وبقيادته المنتخبة الجديدة ومعه الأمة الإسلامية والعربية وبقية العالم عليه أن يبرهن على جدارته في التعمير والبناء وحسن الإدارة في ظل الدولة وفي وقت العافية والسلم، كما اثبت جدارته وقدرته على العيش في ظل الحروب والأزمات، وانعدام سلطة الدولة في تجرِبة فريدة من نوعها تحتاج إلى من يؤرخ لها.
أوجه ندائي بلسان ملايين الصوماليين إلى حكومات العالم الإسلامي والعربي وشعوبه أن يهبوا لمناصرة الشعب الصومالي في إعادة التعمير والبناء وذلك بعد عودته إلى رشده، واختياره السلام، فهنيئًا لشعبنا في جيبوتي وفي الصومال، وهنيئًا للرئيس إسماعيل عمر. وعبد القاسم صلاة حسن.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل