العنوان مبادئ لفهم الإسلام
الكاتب عبدالرحمن عبدالخالق
تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1975
مشاهدات 19
نشر في العدد 268
نشر في الصفحة 15
الثلاثاء 23-سبتمبر-1975
الحلقة الأولى
مبادئ لفهم الإسلام
بقلم الأستاذ عبد الرحمن عبد الخالق
- القرآن..
معجزة الإسلام الحية الخالدة
- وهو الأساس
الأول لدراسة الإسلام
- تكامل
الجزئيات في السياق الموضوعي الكلي
القرآن الكريم
1 - كتاب الله عز وجل "القرآن" هو كلامه المنزل على عبده
ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم المنقول إلينا بالتواتر، المتعبد بتلاوته، وهو
معجزة الإسلام الحية الخالدة، وهو الأساس الأول لدراسة الإسلام.
أ -
فالقرآن كتاب الله سبحانه وتعالى الذي أنزله على عبده ورسوله محمد هداية ونورا
ورحمة للمؤمنين، وآية على صدقه صلى الله عليه وسلم، وتبيانا لكل شيء مما تحتاجه
هذه الأمة لتضطلع بالمهمة التي أناطها الله سبحانه وتعالى.
ولذلك
قلنا إنه الأساس الأول لدراسة الإسلام، وذلك أن السنة وإن كانت في العمل والإيمان
كالقرآن إلا أنه قد اختلف في ثبوت بعض أجزائها كما صحح بعض الأئمة حديثا ورأى
غيرهم تضعيفه ولذلك فهي متفق على صحة معظمها في الجملة. وأما القرآن فإن الأمة قد
نقلته تواترا ونسخته في حياة الرسول وحفظه الصحابة ونقلوه إلى من بعدهم وهكذا حتى
وصلنا على ما هو عليه آية من الله لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا
الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9).
ولذلك
فإن السنة من حيث الجملة مبينة للقرآن شارحة له ولا غنى عنها بتاتا لفهم كتاب الله
والعمل به، وسيأتي شرح هذه الجمل في الفقرة رقم 8.
وينبني
على ما سبق أن من شكك في ثبوت شيء من القرآن زيادة أو نقصا فقد كفر، وأما السنة
فإن منكر ثبوتها جملة كافر ولا شك، ولكن الشك في ثبوت حديث ما ليس كفرا. ولا يجوز
رد حديث أثبته أهل النقل إلا ببرهان يدفع هذا الثبوت والبرهان هو قواعد الإسناد لا
الهوى ولا العقل. فمن رد حديثا ثابتا اتباعا للهوى فهو كافر. ومن اتباع الهوى
الحكم بالظن، ومن رد الحديث الثابت الذي أثبته أهل العلم ادعاء بعدم موافقته لعقله
فإن له تفصيلا آخر من حيث الحكم عليه، ولكن لا يجوز هذا لأن الحديث الصحيح لا
يخالف عقلا سليما صريحا أبدا فإذا صح الحديث وزعم زاعم أنه مخالف للعقل فإن في
عقله خللا وليس الخلل في الحديث.
ب -
أما أنه كلامه سبحانه وتعالى حقيقة فقد قال فيه تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ
مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ
ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكِ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ﴾
(سورة التوبة: 6). وكلام الله هو القرآن.
وقد
تكلم الرب تبارك وتعالى على النحو الذي يليق بعظمته وكبريائه. ومن زعم أن حروفه
ليست من كلامه جل وعلا فقد كفر.
وقد
جاءت الأوامر الكثيرة بقراءة كلام الله وتدبره كقوله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ
إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ ۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن
دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ (الكهف: 27).
وكقوله
تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ
وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ (سورة الإسراء: 106).
وكقوله:
﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ
الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ
أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ (العنكبوت: 45) وكل هذه الأوامر
تفيد الوجوب وكل أمر يؤمر به الرسول ولا يدل على خصوصية به فهو أمر للأمة جميعا
كما هو مقرر في أصول الفقه.
وفي
قراءته ثواب عظيم من الله كما قال صلى الله عليه وسلم: «من قرأ حرفا من كتاب الله
أعطاه الله عشر حسنات لا أقول لكم آلم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف».
وأما
أنه المعجزة الحية الخالدة فذلك لقوله تعالي: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا
نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا
شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: 23). فتحدى
الله المكذبين ببعثة محمد أن يأتوا بسورة تشابه سورة منه. وأخبر تعالى أن هذا لا
يكون أبدا حيث قال: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن
يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ
بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء: 88).
وهو
معجزة حية لأنه باق إلى أن يأذن الله برفعه من المصاحف والصدور وذلك في آخر الزمان
كما جاءت بذلك الأحاديث. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «ما من نبي بعثه الله إلا
أوتي ما على مثله آمن البشر وكان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون
أكثرهم تابعا يوم القيامة» وهو الأساس الأول لدراسة الإسلام، لكل هذه الصفات
السالفة وغيرها كثير لا يتسع هذا الشرح الوجيز لبسطها.
2 - هذا الكتاب فصل الله فيه أحكام كل شيء مما يصلح أمر العباد في دنياهم
وأخراهم كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم
مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَنَزَّلْنَا
عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ
لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: 89).
ومن
مميزات هذا الكتاب العظيم أن الرب تبارك وتعالى لم يترك فيه شيئا يهمنا لنقوم
بالمهمة التي أناطها بنا وهي عبادته سبحانه وتعالى والفوز برضوانه في الدنيا
والآخرة إلا وبينها كما قال جل وعلا: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ
تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ (النحل: 89)؛ فالقرآن ليس كليات مجملة فقط ولكنه
تفصيل وبيان أيضا كما قال تعالى: ﴿الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ
فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (سورة هود: 1).
وقد
جاءت السنة بعد ذلك بالتطبيق والبيان والتفريع حتى يعرف مراد الله على الحقيقة
وتتضح الطريق لسالكها، ولا يكون هناك في الحق لبس. كما قال صلى الله عليه وسلم:
«تركتكم على المحجة البيضاء لا يزيغ بعدي عنها إلا هالك»، وقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ
عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ
اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ
وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى
النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ
يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتَمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ
الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ
لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (سورة المائدة: 3) وقال صلى الله
عليه وسلم: «تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي»،
وإن أعظم ما فصل الله فيه أمور العقائد وأصول الدين وبيان التوحيد والشرك وأقوال
الموحدين والمشركين كما قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكِ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ
وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (سورة الأنعام: 55).
وذلك
حتى لا يختلط أمر الرب جل وعلا الذي ليس كمثله شيء بالآلهة الباطلة المفتراة،
والنبي الصادق بالمدعي الكذاب، والمصلح بالمفسد والمؤمن بالفاجر. ولذلك كانت صفات
الله سبحانه وتعالى وأسماؤه وأفعاله هي غالبية آيات هذا الكتاب؛ لأنها أهم قضية
يجب أن يتضح فيها الحق حتى يعلم المؤمنون إلههم فيعظمونه ويعبدونه كما ينبغي لجلال
وجهه وعظيم سلطانه، وحتى لا يعطوا حقوقه سبحانه لغيره. وهذا أكبر الظلم لأن هذا هو
الشرك.
فقضايا
الإيمان والشرك هي أهم قضايا القرآن ولذلك كانت أولاها بالتفصيل والبيان والشرح
والإيضاح ويأتي بعدها قضايا التشريع والمنهاج وقد جاءت هذه في القرآن مجملة أحيانا
ومفصلة أحيانا أخرى، ثم فصلت السنة ما أجمل من آيات الأحكام والتشريع وبينت ووضحت
طرائق التطبيق لتفصيلات كتاب الله عز وجل.
وجملة
الأمر أن هذا الكتاب إذا فهم على وجهه الحق فإن الأمة لا تحتاج معه إلى هداية من
كتاب آخر لا توراة ولا إنجيل ولا وحي وإلهام آخر ولا كشف صوفي مزعوم وعلم باطني
مفترى. ولذلك غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما رأى ورقة من التوراة في يد
عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال له: «أبهذا وأنا بين أظهركم والذي نفسي بيده لو
أن موسى حيا لما وسعه إلا أن يتبعني»، فلا هداية بعد كتاب الله عز وجل وسنة رسوله
صلى الله عليه وسلم.
وقد
أخطأ من ظن أن قول الله ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ
بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن
شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ (الأنعام: 38) وقوله تعالى:
﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۖ
وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ
تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾
(النحل: 89) أي حتى من أمور الدنيا كالصناعات والتجارات والمخترعات والعلوم
المادية كالحساب والرياضيات والأحياء.. فإن هذا فهم سقيم في السنة وخلل في العقل
والمنطق أيضا فإن "كل شيء" تأتي في اللغة بحسب سياقها كما قال تعالى عن
بلقيس: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا
عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ (النمل: 23) أي مما يحتاج الملوك إليه عادة كالجيوش والقادة وعظمة
الملك وأبهته. وقال تعالى أيضا عن الريح التي أرسلها على عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ
شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَىٰ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ ۚ
كَذَٰلِكِ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (الأحقاف: 25) وهي لم تدمر العالم
أجمع بل ولا حتى مساكن قوم عاد كما قال تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ
رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَىٰ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ ۚ كَذَٰلِكِ نَجْزِي
الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (الأحقاف: 25). وإنما دمرت كل شيء تدمرها الريح عادة في
هذه المساكن فاقتلعت الأشجار وجندلت الرجال.. إلخ. وكل شيء في قوله تعالى:
﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۖ
وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ
تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾
(النحل: 89) أي من أمور الهداية إلى طريق الحق والرشاد الذي يحبه الله ويرضاه كما
قال صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس، إنه ليس من شيء يقربكم من الجنة ويبعدكم من
النار إلا قد أمرتكم به، وليس شيء يقربكم من النار ويبعدكم من الجنة إلا قد نهيتكم
عنه، وإن الروح الأمين نفث في روعي أنه ليس من نفس تموت حتى تستوفي رزقها، فاتقوا
الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعاصي الله فإنه
لا ينال ما عنده إلا بطاعته».
3 - ولا اختلاف بين جزئياته بأي وجه من الوجوه، وآياته في المعنى الواحد
لا يؤخذ الحكم من شيء منها منفردا بل يضم بعضها إلى بعض.
أخبر
تبارك وتعالى أن كتابه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وأنه لو كان من
عند غيره لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. فليس في القرآن اختلاف لا قليل ولا كثير لنص
الله تبارك وتعالى على آياته بالإحكام حيث قال: ﴿الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ
آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (سورة هود: 1) وقال جل
وعلا: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ
اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (سورة النساء: 82).
وقد
نزل هذا الكتاب على الرسول صلى الله عليه وسلم طيلة مدة بعثته وهي ثلاثة وعشرون
عاما فما أجمله في مواضع فصله في مواضع أخرى، وقد نزل في الأمر الواحد أحيانا آيات
متفرقات وذلك بحسب تدرج التشريع في الجماعة الإسلامية فقد نزل في الربا آيات
متفرقة، وكذلك في القتال والخمر، وعدة المتوفى عنها زوجها وكذلك الزنا، وكذلك حكم
معاملة الكفار في أول الإسلام وبعد تمامه وكذلك أحكام المنافقين والسياسة الواجب
اتباعها معهم في كل هذه الأمور آيات تختلف أحكامها بحسب ظروف نزول النص وحاجة
الجماعة، ولم يمُت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أكملت الشريعة وتمت النعمة
تصديقا لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ
الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ
وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ
إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا
بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن
دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ وَأَتَمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ
دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ
اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (سورة المائدة: 3).
ولهذا
فلا يجوز لمسلم أن يأخذ الحكم من آيات القرآن في المعنى الواحد دون الرجوع إليها
جميعا حتى يعرف الناسخ من المنسوخ والمتقدم من المتأخر والعام من الخاص والمطلق من
المقيد وكل هذا قد قرره العلماء في أصول الفقه وعلوم الحديث.
وقد
ذم تبارك وتعالى الذين يقطعون القرآن ويفصلون بعضه عن بعض أملا للاستهزاء والسخرية
أو اتباعا لأهوائهم وشهواتهم قال تعالى: ﴿كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ
* الَّذِينَ جَع جعلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ (سورة الحجر: 90-91) ولا شك في كفر من
يفعل ذلك.
ولكن
هناك شيء دون ذلك يؤدي أيضا إلى الخطأ في فهم كلام الله والعمل به وهو إفراد آية
من كتاب الله عن بقية أخواتها في المعنى والحكم واستنباط حكم منها يخالف بقية آي
القرآن كما وقع هذا لقدامة بن مظعون أحد الصحابة في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله
عنه.
روى
الدارقطني بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الشراب كانوا يضربون في عهد رسول
الله صلى الله عليه وسلم بالأيدي والنعال والعصي حتى توفي رسول الله صلى الله عليه
وسلم فكانوا في خلافة أبي بكر أكثر منهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فكان أبو بكر يجلدهم أربعين حتى توفي، ثم كان عمر من بعده يجلدهم كذلك أربعين حتى
أتى برجل من المهاجرين الأولين وقد شرب فأمر به أن يجلد فقال: لم تجلدني؟ بيني
وبينك كتاب الله، فقال عمر: وأي كتاب الله تجد فيه ألا أجلدك؟ فقال إن الله تعالى
يقول في كتابه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ
فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ
اتَّقَوا وَّآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوا وَّأَحْسَنُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ﴾ (المائدة: 93) فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا
وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا وأحدا والخندق
والمشاهد فقال عمر: ألا تردون عليه ما يقول؟ فقال ابن عباس: إن هؤلاء الآيات أنزلن
عذرا لمن غير، وحجة على الناس لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ
عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (سورة المائدة: 90)
ثم قرأ حتى أنفذ الأخرى فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات الآية فإن الله قد
نهاه أن يشرب الخمر.
فقال
عمر: صدقت.. ماذا ترون؟، فقال علي رضي الله عنه: إنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى،
وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون جلدة، فأمر به عمر فجلد ثمانين جلدة وروى هذا
الحميدي أيضا عن ابن عباس بسياق أتم.
والخلاصة
أن القرآن والسنة وحدة واحدة لا يضرب بكتاب الله بعضه فإنه لا يخالف بعضه بعضا
وإنما يصدق بعضه بعضا. ولذلك كان العلماء من السلف كل منهم يدفع الفتوى إلى غيره
لعل عند غيره علما أتم وأشمل من علمه. والله الموفق للصواب.