; مداراة النفس | مجلة المجتمع

العنوان مداراة النفس

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 22-سبتمبر-1992

مشاهدات 46

نشر في العدد 1017

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 22-سبتمبر-1992

مداراة النفس

فن التعامل مع إقبال النفس وإدبارها

إذا أحب شخص ما أن يعطيك شيئًا أنت تريده وتبحث عنه، فإن الطبيعة البشرية تقتضي المسارعة بقبول هذا الشيء من المعطي، واستغلال حبه لإعطاء ذلك الشيء قبل أن يغير رأيه. هذا في الأمور الدنيوية التي تحرص النفس على اقتنائها، ولكن الكثيرين منا لا يعاملون أنفسهم تلك المعاملة إذا أقبلت لأمر من أمور الآخرة.

 

والنفس لها إقبال وإدبار؛ فتراها تارة تقبل على فعل أمر من أمور الآخرة، كقراءة القرآن، أو قيام الليل، أو الذكر، أو القراءة أو الكتابة، أو زيارة الأخيار وما شابه ذلك من أعمال الخير، وتارة تُدبر. ولابد للعاقل أن يستغل فترة إقبالها خير استغلال، وألا يفوت الفرصة متى ما أقبلت في أي وقت من الأوقات، فلا يترك مجالًا لتعويق الشيطان، بأن يقول له إذا ما أقبلت نفسه على فعل أمر من أمور الخير: "إن هذا ليس مبرمجًا في عملك اليومي"، أو يقول له: "يحسن بك أن ترجئ هذا الأمر إلى وقت آخر". حتى إذا ما جاء الوقت الفلاني انشغلت بأمر آخر، أو لا ترى من نفسك ذلك الإقبال، فتضعف عن فعل ذلك الأمر. وهذا من الأمور الدقيقة التي تخفى على الكثيرين.

 

هذه المداراة فن لا يوفق إليه إلا القليل. جعلت الإمام ابن الجوزي يحرص على نقلها لأكبر قاعدة من العلماء والزهاد والدعاة، فيقول: «رأيت خلقًا من العلماء والزهاد لا يفهمون معنى المداراة، لأن فيهم من منعها حظوظها على الإطلاق، وذلك غلط من وجهين:

 

أنه رب مانع لها شهوة، أعطاها بالمنع أوفى منها، مثل أن يمنعها مباحًا، فيشتهر بمنعه إياها ذلك، فيرضي النفس بالمنع لأنها استبدلت به المدح. وأخفى من ذلك أن يرى بمنعه إياها ما منع، أنه قد فضل سواه ممن لم يمنعها.

 

أننا قد كلفنا حفظها، ومن أسباب حفظها ميلها إلى الأشياء التي تقيمها، فلابد من إعطائها ما يقيمها، ونحن كالوكلاء في حفظها، فمنعها على الإطلاق خطر، ثم رب شدة أوجبت استرخاء، ورب مضيق على نفسه فرت منه، فصعب عليه تلافيها. وإنما الجهاد لها كجهاد المريض العاقل الذي يحملها على مكروهها في تناول ما ترجو به العافية، ويذيب في المرارة قليلًا من الحلاوة.

 

فكذلك المؤمن العاقل لا يترك لجامها ولا يهمل مقودها، بل يرخي لها في وقت، والطول بيده، فما دامت على الجادة لم يُضايِقها في التضييق عليها. فإذا رآها قد مالت ردها باللطف، فإن ونت وأبت فبالعنف، ويحبسها في مقام المداراة. كالزوجة التي مبنى عقلها على الضعف والقلة، فهي تُدارى عند نشوزها بالوعظ، فإن لم تصلح فبالهجر، فإن لم تستقم فبالضرب. وليس في سياط التأديب أجود من سوط العزم. هكذا هو معها في مقام المداراة، يرخي لها حينًا ويشد معها حينًا آخر، بحسب إقبالها وإدبارها. وهذه المداراة لون من ألوان التنويع تستقيم به الأنفس وترتقي من منزلة إلى منزلة بيسر وسهولة، وكم قد رأينا من الصالحين من لم يعرف إلا الشد، أو الإرخاء، فكان في نهاية الأمر خارجًا عن الجادة.

 



 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1800

136

السبت 03-مايو-2008

صيد الخاطر

نشر في العدد 306

73

الثلاثاء 22-يونيو-1976

شذرات القلم

نشر في العدد 1220

132

الثلاثاء 08-أكتوبر-1996

المجتمع التربوي (1220)