; المجتمع التربوي (1220) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1220)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 08-أكتوبر-1996

مشاهدات 130

نشر في العدد 1220

نشر في الصفحة 58

الثلاثاء 08-أكتوبر-1996

وقفة تربوية: مقام الخفافيش

الزهاد في مقام الخفافيش، قد دفنوا أنفسهم بالعزلة عن نفع الناس، وهي حالة حسنة إذا لم تمنع من خير من جماعة، واتباع جنازة، وعيادة مريض إلا أنها حالة الجبناء، فأما الشجعان فهم يتعلمون ويعلمون وهي مقامات الأنبياء عليهم السلام (صيد الخاطر: ۲۰۳).

 هذه العبارات العميقة، لم أكن أصدِّقُ أن قائلها هو الإمام أبو فرج بن الجوزي، والمتوفى في القرن الخامس الهجري، ولولا تأكدي أن ما أقرؤه كان كتاب: «صيد الخاطر» الذي ثبت نسبته إليه. لظننت أنها لأحد الدعاة المعاصرين الذي يحترق قلبه على أولئك الدعاة الذين انشغلوا بإصلاح أنفسهم عن إصلاح الغير، وتخلو عن واجب الدعوة إلى الله فأثروا السلامة على خوض غمار هداية الأنبياء والرسل.. وإن كان لذلك سبب، فإنما هو وحدة المشاعر بين دعاة الأمس ودعاة اليوم، ووحدة الهمِّ المشترك الذي عانى منه الأقدمون والمعاصرون، كما ويؤكد وحدة المنهج الذي ينتج رجالًا يحملون مشاعر موحدة تجاه مشاكل تتكرر في أجيال الدعاة على مر العصور. لقد آثر جمع من دعاة اليوم السلامة بعيدًا عن الأذى الناتج عن الاحتكاك والتبليغ من مراقبة الطغاة والتضييق بالرزق والعمل والاعتقالات والتعذيب وتشويه الصورة والاتهام بغير حق، وتركوا أبناء جلدتهم يرتعون في أوحال الجاهلية والانحراف والتخبط بعيدًا عن صراط الله المستقيم وهم يرون الدعاة الخفافيش ينظرون إليهم من أبراجهم العاجية دون أن تحرك فيهم مناظر السقوط أي دافع من دوافع الغيرة والحمية لإنقاذهم هيهات هيهات أن يكون هؤلاء كمن جرد نفسه وعرَّضها للمخاطر وخاص بها الغمرات من أجل إنقاذ بني جلدته، وقبل بأن يضع نفسه بمقامات الأنبياء عليهم السلام.

 أيها الدعاة كونوا على جادة هؤلاء تصلوا وتذكروا ما قاله ابن القيم:

 وخذْ قبسًا من نورهم ثُمَّ سرْ به *** فنُوُرُهُمْ يهديكَ ليسَ المشاعِلا

 إي وربي يهديك ليس المشاعلا نورهم التابع من نزر الهداية الربانية، ومن ابتعد عن طريقهم فمآله إلى السقوط؛ يقولك الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ (النور: ٤٤)

أبو خلَّاد 

الابتلاء:

حياة الإنسان في هذا الكون تحمل معاني الابتلاء، قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (الإنسان: ۲)، والابتلاء هو الامتحان والاختبار، ولا يتم هذا إلا بمعايشة ما يكدِّر من الأمور والنظر فيما ينتج من تصرف تجاهها، وسُئِلَ الإمامُ أحمد بن حنبل: «متى يجد المؤمن طعم الراحة؟، فقال: عند أوَّلِ قدمٍ يضعها في الجنة».

 وقد أكَّدَ الحق جل وعلا أن الابتلاء لا محالة واقع ولا مناص عنه لتحقيق العبودية لله، ولأخذ الأهبة لمواجهة حوادث الدنيا ومكدراتها ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (محمد: ۳۱)، قال الفضيل بن عياض: «إن الله عز وجل ليتعاهد عبده المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الرجل أهله بالخير»، ولم يترك الخالق جل وعلا العبد في هذه الحياة دون توجيه، بل أمده بسبل الهداية، وأنزل الكتب وأرسل الرسل، قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (الإنسان: ۳)، فحاله الاتباع والشكر أو الضياع والكفر، وهو في دنياه هذه في كدح وكبد وشدَّة ومشقَّة ومغالبة مع ظروف حياته ومعاشه ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ (البلد: ٤)، ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ (الانشقاق: ٦)، ومع هذا الكدح يحصل الاصطدام بالآخرين، مع اختلاف الطبائع والغرائز والصفات، سمع رجل رجلًا يقول لصاحبه: لا أراك الله مكروها، فقال: كأنك دعوت على صاحبك بالموت، إن صاحبك ما صاحب الدنيا فلا بُدَّ أن يرى مكروهًا، فمن عقل عمد إلى كدحه فجعله لزيادة راحته وفلاحه في الدنيا مع احتفاظه بحظه الأوفر في الآخرة. ﴿ربَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ (البقرة: ۲۰۱)، وقد يأتي الابتلاء من أقرب الناس إليك من أهلك وصحبك وزملاء عملك فتجد منها الجفاء وسوء الخلق، فاصبر لذلك وفتش في أمرك وحاسب نفسك لعلك قارفت ذنبًا فعاجلك الله بعقوبته. ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (الشورى: ۳۰)، ولا تركن كثيرًا إلى معاذير تدفع عنك اللائمة وتحيلها إليهم فقد كان السلف يرون عقوبة الذنب في أهلهم وأموالهم وحتى في دوابهم فيلجؤون إلى الاستغفار والندم وتجديد التوبة، عن عبيد الله بن السري قال: قال ابن سيرين: «إني لأعرف الذنب الذي حمل به عليَّ الدَّيْن ما هو، قلت لرجل منذ أربعين سنة يا مفلس فحدثت به أبا سليمان الداراني فقال: قلت ذنوبهم فعرفوا من أين يؤتون، وكثرت ذنوبي وذنوبك فليس ندري من أين نوتي»، ويحصل في الابتلاء خير في التنقية من الشوائب في تكفير الذنوب وكسب الثواب، قال رسول الله r: في شأن المؤمن: «وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» (مختصر صحيح مسلم: كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره خير كله عن صهيب رقم الحديث ٢٠٩٢).

ولقاء الحوادث ببصيرة مستنيرة واستعداد أجدى على الإنسان وأحكم في تدبر أمره حيالها، قال: «من يُرِدْ الله به خيرًا يُصبْ مِنْهُ» (حديث صحيح) (صحيح الجامع الصغير عن أبي هريرة، رقم الحديث ٦٦١٠)، ولعل في هذه الإصابة صفاء قلبك وصلاح من حولك ويبقى ذوو البصائر لا يفقدون صفاء دينهم إذا فقدوا صفاء دنياهم، ولا يهونون لهنات بسيطة من هذا وذاك.

 عرفنا البلايا قبل ما نزلت بنا *** فلما دهتنا لم تزدنا بها علما

 وما من حادثة إلا ولها ما يقابلها، ولا يبقى حال ويدوم كما هو، قال ابن عقيل: «البلايا أضياف وقراها الصبر»، ولا بد للضيف أن يرتحل، فإن أحسنا الصبر في معاملة البلوى كفينا شرها ووقينا اثرها، كما أن البلايا كما قال ابن الجوزي «تظهر جواهر الرجال وما أسرع ما يفتضح المدعي» فهي ميزان يكشف لصاحبه خبايا نفسه وصدق ما يدعيه من خلافه.

 فكر بما أوتيته وفقده غيرك واحمد الله عليه وأعن صاحبك على تجاوز ما هو فيه واعلم بأن الطباع لا تتغير بلحظة أو كلمة فعمر طويل في ممارسة طبع خطأ لا يتوقع تغييره دون مجاهدة ومعاناة.

عبد السلام الرندي

كلمة إلى الدعاة: مقومات مفاهيم الداعية 

بقلم: د. على بادحدح(*)

مفاهيم حول الإسلام: الفهم والتصور من الأمور المهمة التي تبنى عليها الأعمال، ومقومات النجاح للداعية تعتمد على الكثير من المفاهيم التي ينبغي لكل داعية فهمها أولًا ثم الانطلاق من خلالها في دعوته، وهذه بعض المفاهيم المهمة المرتبطة بالواقع المعاصر والنشاط الدعوى، وأول تلك المفاهيم هو الفهم الصحيح للإسلام وهو أمر في غاية الأهمية بالنسبة للداعية، وهذه أسسٌ لا بد منها في هذا الجانب:

ربانية الإسلام : الإسلام دين الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: ١٩). وبالتالي مادام الإنسان عبد لله فلا خيار له، بل لا بد أن يدين بدين الله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: ٣٦)، ويندرج تحت ربانية الإسلام الفهم والإيمان بكامل الإسلام ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ (المائدة: ٣)، فلا بحث إذن عن مناهج أرضية، ولا مذاهب بشرية، إذ هذا الكمال يغني عن ذلك، ويبرز للإسلام ميزة لم ولن تكون في غيره، إذ النقص مقطوع به في مذاهب البشر ونحل أهل الهوى، والتحريف في الرسالات مقطوع به: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ (المائدة: ٤١)، والمتاجرة بدين الله ثابتة، والوقائع بها ناطقة: ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (البقرة: ٧٦).

 شمولية الإسلام: الإسلام دين شامل يشتمل على مصالح العباد في المعاش والمعاد. ويشتمل كل ما يحتاج إليه الناس في أمر دينهم، ويدعو إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، وينهى عن سفاسف الأخلاق وعن سيئ الأعمال.

 فهو عبادة وقيادة يكون عابدًا ويكون قائدًا للجيش.

- عبادة وحكم: يكون مصليًا صائمًا ويكون حاكمًا بشرع الله منفذًا لأحكامه 

- عبادة وجهاد يدعو إلى الله ويجاهد في سبيل الله من خرج عن دين الله.

- مصحف وسيف يتأمل القرآن ويتدبره وينفذ أحكامه بالقوة، ولو بالسيف إذا دعت الحاجة إليه.

- سياسة واجتماع: فهو يدعو إلى الأخلاق الفاضلة، والأخوة الإيمانية، والجمع بين المسلمين والتأليف بينهم «فتاوي ابن باز١/١٤٧».

وقد انحسر هذا المفهوم الشمولي في أواخر القرن الماضي وبدايات هذا القرن مما حدا بكثير من العلماء والدعاة إلى تأكيده والتركيز عليه وتنويع أساليب وعبارات التعبير عنه، فهذا الإمام حسن البنا يقول:« الإسلام نظام يتناول مظاهر الحياة جميعا، فهو دولة ووطن، أو حكومة وامة، وهو خلق وقوة، أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون، أو علم وقضاء، وهو مادة وثروة، أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء»، ويقول عن رسالة الإسلام: «إنها الرسالة التي امتدت طولًا حتى شملت أباد الزمن، وامتدت عرضا حتى انتظمت أفاق الأمم، وامتدت عمقا حتى استوعبت شؤون الدنيا والآخرة». 

والشيخ السيد سابق في كتابه إسلامنا يقول عن الإسلام: «إنه استهدف الفرد، وتعاون الجماعة، وإيجاد حكم أساسه الشورى، وغايته حماية الدين وسياسة الدنيا».

 ومع كثرة التذكير إلا أنه توجد أفهام قاصرة - نتيجة لبعض الظروف أو الضغوط. تنحو نحو فهم جزئي للإسلام يقصره على بعض جوانبه دون بعض ويركز على بعض أحكامه وتشريعاته دون بعضها الآخر، ولذا كان التحذير لازمًا مع التذكير، وليس هناك أعظم من التحذير الإلهي في قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (البقرة: ٨٥).

أمثلة للخل: ومن أبرز الإخلال بهذا المفهوم ترك الدنيا وأسباب القوة فيها رغبة في الآخرة وإيثارا لها- حسب فهمهم-وهؤلاء لابد أن يعلموا أن عبودية الله توجب على أهلها مع ذلك «أي التعبد» أن لا يفرطوا بنصيبهم من مقومات الحياة الدنيا بل لابد من خوض معركة الحياة وتسخير جميع الماديات واكتساب ما أمكن منها بالطرق المباحة ليتمكن من أداء رسالته في الحياة بالإنفاق في سبيل الله من كافة الوجوه، ويتماسك كيانه مع إخوانه المؤمنين، فتكون لهم اليد الطولي التي يقدرون بها على الصلاح والإصلاح في الأرض، لأن ما في الدنيا من مقومات المادية الهائلة خطير إذا سبق إليه أهل الضلال وظفروا به كان وسيلة فعالة للتحكم في الناس وإفساد دينهم ودنياهم.

 إنه لا بد لنا أن نهتف بكل داعية «خذ الإسلام كله، خذه عقيدة وعملًا، وعبادة وجهادًا، واجتماعًا وسياسة واقتصاد، وغير ذلك، خذه من كل الوجوه كما قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (البقرة: ٢٠٨)

(*) داعية وكاتب سعودي.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

957

الثلاثاء 31-مارس-1970

الأسرة.. وحزيران

نشر في العدد 12

114

الثلاثاء 02-يونيو-1970

لقلبك وعقلك