; قبض الأمانة | مجلة المجتمع

العنوان قبض الأمانة

الكاتب الشيخ نادر النوري

تاريخ النشر الثلاثاء 17-أغسطس-1993

مشاهدات 37

نشر في العدد 1062

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 17-أغسطس-1993

لم يطبع الإنسان على خصال من الشر أسوأ من الخيانة والكذب، ولم يعرف الرسول صلى الله عليه وسلم بين الناس في الجاهلية والإسلام بخلق أعظم من الصدق والأمانة حتى سمي بالصادق الأمين ولذا فإن الناس أكثر ما يقبلون على دعوة الإسلام إنما هو من خلال السلوك الإسلامي الرفيع المتمثل في هذين الخلقين العظيمين الصدق والأمانة.

وفي المقابل حين يتعاملون مع مسلم يفترض فيه الالتزام فيكذب ويغش ويدلس ويهضم حقوق الفقراء، ويعامل في سداد ديونه وهو مليء غني، فماذا ستكون النتيجة؟ أليس هذا صدًا عن سبيل الله وتعريضًا بالمنتسبين لدعوة الله لذمهم والخوض في أعراضهم؟ فما ظنك بمن ....... و...... و....... يطبع على خصلة من خصال النفاق كخيانة الأمانة أو الكذب في الحديث أو الغدر في المعاهدة والمعاقدة والفجور في الخصومة؟

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: «رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا، فاستوفى منه، ولم يعطه أجره» رواه البخاري.

وكم من مسلم يشتهر بين الناس بصلاحه وتقواه حين تتعامل معه بالدرهم والدينار ينكشف لك زيفه وتظهر حقيقته وتعلم أن الأمانة قبضت وفشت الخيانة كما قبض العلم وفشا الجهل.

عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين رأيت أحدهما، وأنا أنتظر الآخر؛ حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن، فعلموا من القرآن وعلموا من السنة، ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال: «ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل الوكت (الأثر اليسير) ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل المجل كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرًا وليس فيه شيء، ثم أخذ حصاة فدحرجها على رجله، فيصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا، حتى يقال للرجل ما أجلده ما أظرفه، ما أعقله، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان». ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت لئن كان مسلمًا ليردنه علي دينه، ولئن كان نصرانيًا أو يهوديًا ليردنه علي ساعيه، وأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلانًا وفلانًا (متفق عليه).

فماذا نقول نحن عن زماننا هذا؟!

وانظر إلى هذا النموذج الرفيع، عند عبدالله بن الزبير رضي الله عنه قال: لما وقف الزبير يوم الجمل دعاني فقمت إلى جنبه، فقال: يا بني إنه لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم وإني لا أراني إلا سأقتل مظلومًا، وإن أكبر همي لدَيْني؛ أفترى يبقى من ديننا شيئًا؟ ثم قال: يا بني بع مالنا واقض ديني. وأوصى بالثلث، وثلثه لبنيه -يعني لبني عبدالله بن الزبير ثلث الثلث-. قال: فإن فضل من مالنا بعد قضاء الدين شيء فثلثه لبنيك.

قال عبدالله بن الزبير: فجعل يوصيني بدينه ويقول: يا بني إن عجزت عن شيء منه فاستعن عليه بمولاي. قال: الله! قال: فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقض عنه دينه، فيقضيه! قال: فقتل الزبير ولم يدع دينارًا ولا درهمًا إلا أرضين منها الغابة وإحدى عشرة دارًا بالمدينة، ودارين بالبصرة، ودارًا بالكوفة ودارًا بمصر. قال: وإنما كان دينه الذي كان عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال، فيستودعه إياه، فيقول الزبير: "لا ولكن هو سلف إني أخشى عليه الضيعة". وما ولي إمارة قط ولا جباية ولا خراجًا ولا شيئًا إلا أن يكون في غزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مع أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم.

قال عبدالله: فحسبت ما كان عليه من الدين فوجدته (مليونين ومائتي ألف). فلقي حكيم بن حزام عبد الله بن الزبير فقال: يا ابن أخي كم على أخي من الدين؟ فكتمته وقلت: (مائة ألف). فقال حكيم: والله ما أرى أموالكم تسع هذه. فقال عبدالله: أرأيتك إن كانت (ألفي ألف ومائتي ألف)؟! قال: ما أراكم تطيقون هذا، فإن عجزتم عن شيء منه فاستعينوا بي.

قال: وكان الزبير قد اشترى "الغابة" (أرض في عوالي المدينة) بـ (١٧٠ ألفًا)، باعها عبدالله بـ (مليون و٦٠٠ ألف). ثم قام فقال: من كان له على الزبير شيء فليوافنا بالغابة. فأتاه عبدالله بن جعفر (وكان له على الزبير ٤٠٠ ألف) فقال لعبدالله: إن شئتم تركتها لكم! فقال عبد الله: لا. فقال: فاقطعوا لي قطعة. قال عبدالله: لك من هاهنا إلى هاهنا.

فباع عبدالله منها، فقضى دينه وأوفاه، ولقي منها أربعة أسهم ونصف. فقدم على معاوية وعنده عمرو وعثمان، والمنذر بن الزبير، وابن زمعة. فقال له معاوية: كم قومت الغابة؟ قال: كل سهم بـ(١٠٠ ألف). قال: كم بقي منها؟ قال: أربعة أسهم ونصف. فاشتراها منه الحاضرون ومعاوية حتى نفدت الأسهم.

فلما فرغ ابن الزبير من قضاء دينه قال بنو الزبير: اقسم بيننا ميراثنا. قال: "والله لا أقسم بينكم حتى أنادي في الموسم أربع سنين: ألا من كان له على الزبير دين فليأتنا فلنقضه!". فجعل كل سنة ينادي في الموسم، فلما قضى أربع سنين قسم بينهم ودفع الثلث. وكان للزبير أربع نسوة، فأصاب كل امرأة (مليون ومائتا ألف). فجميع ماله كان (٥٠ مليونًا ومائتي ألف). (رواه البخاري).

فهل في ذلك عبرة للمعتبرين؟


اقرأ أيضًا:.

إحياء فقه الدعوة مهاجرون يأبون التّعرُّب!

الرابط المختصر :