; إحياء فقه الدعوة مهاجرون يأبون التّعرُّب! | مجلة المجتمع

العنوان إحياء فقه الدعوة مهاجرون يأبون التّعرُّب!

الكاتب محمد أحمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 09-أبريل-1974

مشاهدات 85

نشر في العدد 195

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 09-أبريل-1974

كان من خبر حذيفة بن اليمان رضي الله عنه إزاء علم الشر ما قصصناه آنفًا، وعلمنا مقدار حرصه على تمييز الفتن، ومقدار تطلعه لنيل أجر النذارة لقومه، والتيقظ لفضح اقترابها المستتر بانواع التدليس، والمتخفي بظلام الشبه. 

والذي يبدو للمتأمل في تواريخ الفتن وتسلسلها أنَّ «ظلام الشبهات» هذا يكاد أن يكون هو الظرف المثالي الذي تفضل اختياره لبدء تغريرها بالمؤمنين، إذ لا يزال ظلام الحرام البين دامس مخيف يرهب أقل الناس إيمانًا أن يلج فيه، ولكن ظلام الشبهة أقل اسودادًا، وهو بالغبش أشبه منه بالحلاكة، وربما تخللته ومضة، وخففت منه بقية خيط أبيض، فيتوهم المؤمن، فيلغ، وفي ظنه أن لا خلابة ثم، حتى يستغلق الظلام من حوله، فيؤوب ناجيًا بمشقة، وقلب راجف واجف، أو يرهب الأوبة بعد إذ قطع الظلام عليه طريق رجوعه واستوى ما هو قدامه وخلفه، ولا يبعد أن يعتاد وحشة الظلام، ويألفها، ويترك التفكير بعودة.

مَثَل صريع الإغراء في ذلك مثل التاجر الماشي في سفر، ومعه رأس ماله، فإن كان فبها، وقارب مصرًا آهلًا حين الغروب بات فيه، واستأنف مع وضح النهار، وإن لم يكن كذلك، وكان محرومًا حاسة الاحتياط والحذر، فإن الشفق يشدهه، ولا يفطن لما بعده من عتمة، فيظل سائرًا، حتى يتوسط القفر، ويصعب عليه التقدم أو الرجوع، فإذا كان معه لص في خطوه الأول يهيج غرامه بالشفق زيادة، ويأتيه بأبلغ أقوال الأدباء في جماله، ويرغبه بنيله قبل اعتداء الأفق عليه: فإن اللص ينفرد به بعد، ويسلبه ثروته.

 

  • سراج وقوده التوبة

ولذلك انتهت دراسة حذيفة رضي الله عنه لمثل هذه التغريرات إلى الجزم بأن هناك نورًا إیمانيًّا في قلب المؤمن ينير له طريقه في الظلمة التي استدرج إليها، تفشل معه خطط اللصوص هؤلاء، ويستطيع الرجوع على ضوئه، فقال:

«إنَّ في قلب المؤمن سراجًا يزهر » «۱»

فهو يزهر كما يقول، أي يتألق ويسطع سناه. 

والإيمان يزيد وينقص، فربما خفت السراج في ساعة جزر، فيستدرج المؤمن، لكنه سرعان ما يعود إلى الإزهار مع المد الإيماني، طالما أنَّ أصل الإيمان أرجح فيه من أصول الشهوات، فتكون النجاة.

والعرف الإيماني يحفظ لكل معصية توبة نسبية خاصة، ما زال المؤمنون يستدركون بهن التفريط، ولكن أكثرهم ما زال يجهل التوبة من طلب الرئاسة وأمثالها من مقدمات الفتن، ففطن ابن تيمية لهذه الغفلة عن هذه التوبة، وطفق يذكرنا بأنَّ:

«باب التوبة مفتوح، فإن الرجل قد يسأل الإمارة فيوكل إليها، ثم يندم فيتوب من سؤاله، فيتوب الله عليه ويعينه: إما على إقامة الواجب،وأما على الخلاص منها» «٢» 

وتوبة الله على طالب الرياسة بإعانته على القيام بواجبها أثمن من الخلاص منها ولا شك، لتضمنها معنى الستر وأمن الانفضاح، وإتاحتها للتائب مجال الاكتيال من أجر الإمامة الذي لا يكاد يعدله أجر.

فهذا صاحب السراج: إن لم ينر له نور عصمة أنار له نور توبة.

أما الذي أطفأت ريح الشهوات سراجه، ففي واد آخر، وشأن مختلف، واضطراب متعب، حتى أن ابن تيمية انكسر قلبه عليه لما رآه في تقلبه:

«يجتذبه الشرف، والرئاسة، فترضيه الكلمة، وتغضبه الكلمة، ويستعبده من يثني عليه ولو بالباطل، ويعادي من يذمه ولو بالحق». «3» 

وهذه ترديات تثير الشفقة دون ريب، وتدعونا إلى تعميم الاحتياط منها بزيادة إيقاد أنوار الفطنة في قلوب المؤمنين، وتناوش قبس ذكي من لدن داعية «فريد» في إيثاره الأخوي يجد الدعاة عليه هدى، ویسعی جماله بین أيديهم يدعوه الفقه باسم:

 

◘ النور السابع عشر، ويزين:

 

  • اتقاء الغدر.

وهو نور يوقده وضوح الإشارة الشرعية، والعرفية لقبح إثم الغدر بالبيعة الرضائية. 

فعن عبد الله بن عمر وأنس بن مالك رضي الله عنهما قالا: قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«لكل غادر لواء ينصب يوم القيامة يعرف به» «٤» 

وقد فسر ابن عمر هذا الحديث بأنه الغدر ببيعة الأمراء «٥» قاطعًا الطريق على من يريد أن يتأوله .

وكان يقال:

ثلاث من كُنَّ فيه كُنَّ عليه:

البغي: لقول الله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُم ۖ ﴾ (يونس :  23)

والمكر: لقول الله تعالى ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ ﴾ (فاطر : 43)

والنكث: لقوله عز وجل ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۖ ﴾ (الفتح : 10)

وهذه البيعة المعروفة الآن في الدعوة، والتي توجب حقوقًا لمن بويع، وبايع بالتبادل، وفقًا لشروط تفصيلية إنما هي من البيعات التي يجب الوفاء بها شرعًا، إذ المؤمنون عند شروطهم، وقد ألزم الدعاة أنفسهم بها عن رضا كامل واختيار، وقبلوا الحد من بعض حريتهم في الاجتهاد تمكينا لممارسة عمل جماعي لا تتحقق آمال الدعاة في استئناف الحياة الإسلامية، وتحقيق مصالح الأمة إلا بواسطته، ولا يستمر إلا بمثل هذا الحد من حرية المشارك فيه، وتفويض قادته صلاحية الأمر ومنحهم الطاعة، وكلام ابن تيمية في أول الجزء التاسع والعشرين من مجموع فتاويه عن القواعد الفقهية العامة التي تحكم شروط المسلمين في عقودهم، وبيوعهم ليس فيه ما يمنع من العمل بهذه الشروط الرضائية التي يوجبها الداعية على نفسه بكامل اختياره طمعًا في أجر وثواب العمل الجماعي، ورغبة في الوصول إلى استدراك سريع لحال الأمة يبرد لدغات قلبه اليومية التي تسببها المآسي المتكررة، والفجائع المؤلمة، ابتداء بضياع فلسطين، ومجازر زنجبار، وقبرص، وارتريا، والفلبين، ومرورًا بصراع القوميات الدموي في البنغال، وديار الأكراد، وانتهاء بخطط الماسونية، والتنصير، وتمكين المماليك.

والحقيقة أنَّ ناكث البيعة يوقع نفسه في جملة أمور رديئة حتى ولو اعتزل ولم يؤذ جماعة العاملين. 

  • فهو واقع في إثم عدم الوفاء بالعهد، وعلى مقربة من خصلة من النفاق بغيضة، فإن المنافق إذا عاهد غدر، وأقل ما يقال في هذا العهد الذي أعطاه أنه آكد من النذر الذي ينذره على نفسه، والنذر واجب الوفاء، يشغل الذمة بمجرد النطق.
  • وهو واقع أيضًا في إثم النكوص على العقب المذموم في القرآن، فليس هو 

مجرد وقوف سلبي لا يتقدم بوفاء، ولا يزداد من الخيرات، وإنما هو رجوع أيضًا يستهلك ما ادخره من الحسنات. 

  • كما أنه قد دخل في سنة نافلة تطوع بها إن لم نقل بوجوب العمل الجماعي، 

والمتطوع بسنة عليه أن يتمها كما يقول جمهور الفقهاء.

  • ثم إنَّ الناكث يقع رابعًا في إثم انتصابه قدوة سيئة لغيره يشجع من بعده على 

تقليده، وتسويغ النكث احتجاجًا بسابقته .

 

  • نطيع الله في العاصي

ومن هنا كانت عقوبة الناكث بليغة في العرف العملي، ووجب على الدعاة أن لا يأتمنوا ناكثًا نقض عهدًا، بل يجردونه مما هو فيه من العمل حتى يحدث لنفسه توبة تصدقها استقامة دهر بعد إعلانها. 

لسنا نبتدع ذلك، وإنما هي قاعدة وضعها التابعي الكوفي سليمان بن مهران الأعمش، فقال:

«أعظم الخيانة : أداء الأمانة إلى الخائنين» «6» 

فالمشاركة في العمل شرف وأمانة لاتنبغي لغير ملتزم، فضلًا عن أن يكون رأسًا ووجهًا، ومنعة هاهنا باب آخر من أبواب التقوى دلنا عليه الزاهد عمر بن ذر رحمه الله فقال:

« إنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه» «٧» 

فمن عصى الله فينا، بنقض عهده معنا، وإطلاق لسانه فينا، نكافؤه بأن نطيع الله فيه ونصنفه في الخالفين.

أما الذين يصدقون الوعد، ويخطون مع فريد المناقب خطو الصعود، فيحتلون القلب احتلالًا . 

أولئك إخواني الذين أحبهم 

                    وأؤثرهم بالود من بين إخواني 

وما منهم إلا كريم مهذب 

                   حبيب إلى إخوانه غیر خوان 

ومكافأتهم أن نأخذ بأيديهم، لنمضي سوية ومعًا في طريق الأنوار اللاحب، ونمر بهم على: 

 

◘ النور الثامن عشر، لينبههم إلى

  • خطأ الاحتجاج بزلات السلف.

بل نهدرها هدرًا، فإن العصمة لم تكتب لهم وإن كانوا نجباء، فإن مما ادخل الفساد على الخلق في مشاهدات ذي النون المصري الزاهد أنهم:

«جعلوا قليل زلات السلف حجة أنفسهم، ودفنوا كثير مناقبهم» «۸» 

وصدق والله؛ إذ رأينا ما رأى، كأنَّ سمت الناكثين على مدار التاريخ واحد متشابه، وراقبنا فتنة جادل المفتتن فيها أميره، ورد عتبة، فقال: أنت لست أفضل من عثمان رضي الله عنه حتى تحرِّم الخروج عليك، ولا أنا وصحبي أفضل من فلان وفلان ممن خرج على عثمان حتى نتنزه عن فعل فعلوه.

وهذا لعمرو الله هو الفقه الأعوج الأعرج، فإن تلك أمة قد خلت لها ما كسبت، ولنا ما نكسب، ولا نسأل عما كانوا يعملون، وهذا المجادل لم يفطن إلى أن الخطأ لا يصلح أن یقتدی به، وأن الشر لا يقلد، وأن جمهور المهاجرين والأنصار لبثوا في ساعة العسرة على الطاعة والولاء لعثمان، لكنه منعهم من الدفاع عنه. 

ولمثل هذا اشترطوا الورع للفقيه، كي يريه نور ورعه عوار الحجة الكاذبة الساترة لخطلها، وشبهوا نموذج الفقيه الفطن بالتابعي محمد بن سيرين، وذلك حين جزم مورق العجلي أنه لم ير « رجلًا أفقه في ورعه، ولا أورع في فقهه، من محمد بن سيرين» «۹» 

فالورع لا بد له من فقه يعصم صاحبه من الابتداع، ومجانبة السنة، كما أنَّ الفقه لابد له من ورع يبعد المتفقه عن الهوى في الاجتهاد، أو الوقوع في تغرير الزلة.

فأفعال الرجال معروفة، منها المنتصبة انتصاب المنار، تدعو المشمرين لاقتداء، فيعرفونها، ومنها المائلة العوجاء.

وذو الصدق لا يرتاب، والعدل قائم 

                       على طرقات الحق، والشر اعوج

فانظر إن كان ثمة توسع في التأويل، وإكثار من الغرائب، فإن الفقه يوشك أن يولد كسيحًا، وإن كان هناك الذي تعلمه من صحيحيك، وفكرة تراها ترتقي مدارجك، وتتقيأ ظلالك، فإنه فجر جديد يبشر ببزوغ :

 

◘ النور التاسع عشر، الحاث على:

  • الاعتبار باستكبار الشرع لتعرب المهاجر.

فتكون لنا عبرة، وموعظة بما أخرجه البخاري في صحيحه عن التابعي يزيد بن أبي عبيد أن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه دخل مسجد الكوفة آتيًا من مسكنه في البادية، فقال له الحجاج بن يوسف الثقفي:

« يا ابن الكوع: ارتددت على عقبيك؟ تعربت؟ قال: لا، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لي في البدو» «۱0» 

والحجاج يشير هنا إلى حكم شرعي صادق فيه؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن رجوع المهاجر إلى البادية، والصحراء، وعيشه عيشة الأعراب، ولذلك لم ينكر عليه سلمة بن الأكوع قوله هذا، وإنما بين أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم باستثنائه من ذلك، والترخيص له، فأذن له.

قال الحافظ ابن حجر:

« إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عد من جملة أصحاب الكبائر من رجع بعد هجرته أعرابيًّا».

ثم قال: 

« وقال ابن الأثير في النهاية: كل من رجع بعد هجرته أعرابيًّا إلى موضعه من غير عذر يعدونه كالمرتد» «۱۱» 

ويشهد لهذا الحكم أيضًا ما أخرجه عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو أحد فقهاء التابعين، أنَّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يقول:

«رجعة المهاجر على عقبيه من الكبائر» «۱۲» 

ويشهد له أيضًا ما أخرجه البخاري في الأدب المفرد بسند على شرط صحيحه سوى رجل ثقة اشترطوا لتصحيح حديثه وجود شاهد متابع له، وقد شهد له من ذكرنا، أنَّ أبا هريرة رضي الله عنه عدد الكبائر فذكر منهن: 

«الإعرابية بعد الهجرة» «۱۳» 

وفي سنن سعيد بن منصور، بسند صحيح لكنَّه مرسل، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى «أن يتزوج الأعرابي المهاجرة يخرجها إلى الإعراب» «١٤» 

فهذه الروايات تتضافر على تصحيح حكم النهي عن تعرب المهاجر وسكناه البادية، منعزلًا عن مجتمع الجهاد والعمل.

ولا شك أن حكم الردة، أو اعتبار التعرب كبيرة حكم خاص بجيل المهاجرين ذاك، ولكن القلب يدرك أنَّ النهي ما كان إلا ليستمر المهاجرون، من قريش وغيرها، في العمل الجماعي، والفتوح، وتعليم التابعين، وإدارة الدولة المتوسعة.

ومن له تأمل في حال الأمة اليوم يرى تجمع الدعاة الحالي، وهجرتهم من التسيب، والتفرد، والضياع في خضم الحياة الجاهلية الحاضرة إلى دار الدعوة، والعمل والانتظام، أشبه ما يكون بتلك الهجرة الأولى.

فمن خرج عن الجماعة، ورضي بأن يكون سائبًا، فقد أتى إلى ركن بلا قواعد؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: 

«من أراد منكم بحبحة الجنة فليزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد» «١٥» 

وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أذن لسلمة رضي الله عنه بالتعرب والرجوع إلى البداوة فمن ذا الذي يأذن اليوم لهؤلاء الذين يخلعون الطاعة ويعافون الجماعة؟ 

لا أحد والله، ولعلها كبيرة كتلك الكبيرة.

فواقع الإسلام لا يأذن.

واحتدام الخطر لا يأذن.

والفقه لا يأذن. 

والقلب الحي لا يأذن.

والمروءة لا تأذن.

ولقد هاجرتم أيها الدعاة إلى مدينة الدعوة، فاحذروا أن يُفسد ما أنتم فيه غضب، أو هوى، أو حب رياسة، أو طاعة زوجة، أو حرص على مال.

ألا إنها هجرتكم فاحفظوها زادكم الله ثباتًا.

وإنما عهدنا بكم أنكم مهاجرون تأبون البداوة.

1 – 2 - 3 - مجموع فتاوى ابن تيمية 45/20، 216/578/10

4 - ٥ صحيح البخاري 127/4، 72/9

٦- ٧ - حلية الأولياء 113/48/5

۸ - الغنية لعبد القادر الكيلاني 184/2

9 -  تهذيب التهذيب 215/9

۱۰ - صحيح البخاري 66/9

۱۱ - فتح الباري طبعة بولاق 34/13

١٢ - كتاب الزهد لابن المبارك / ٢٥١

۱۳ - فضل الله الصمد شرح الأدب المفرد 37/2

14 - سنن سعيد بن منصور جـ 3/ق 1 /126 

15 - حديث رقم ۱۱۷ في مسند أحمد بسند صحيح .

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل