; الحوار مع الشيوعيين.. نتائجه وثماره (22) مبدأ الملكية | مجلة المجتمع

العنوان الحوار مع الشيوعيين.. نتائجه وثماره (22) مبدأ الملكية

الكاتب عبدالحليم خفاجي

تاريخ النشر الثلاثاء 08-مايو-1973

مشاهدات 12

نشر في العدد 149

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 08-مايو-1973


·      
الملكية من عائد العمل

    ·        الملكية من عائد رأس المال

    ·       ضوابط الكسب تشريعية وأخلاقية تحدد طرق التملك والإنماء

    ·       وفي التجارة: المشاركة بالمضاربة.. جميع الأطراف تنعم بالمغنم وتتقاسم المغرم

لقد قامت حلقات الحوار السابقة بتفنيد كل قضايا الماركسية، مثلما زادت من ظننا بأن تقدم العلوم هو دائمًا في مصلحة قضية الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وفي غير صالح سراب النظريات الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا.

وليس سرًا أنه إزاء كل قضية علمية إنسانية طرحت بيننا وبين الشيوعيين كان لنا أسلوبنا الخاص في تناولها، حيث إننا نلتمس الهداية في كتاب الله وسنة رسوله أولًا تمشيًا مع النهج العلمي للإنسان، فإذا هدينا فيها إلى فهم عدنا إلى ندوتنا أمثر اطمئنانا إلى أن المنهج العلمي للأشياء الذي يقف عنده الشيوعيون، بل يلبسونه قسرًا للإنسان لن يكون -بالأمانة العلمية- إلا متوافقًا في هذه الجزئية مع فهمنا فيها..

وليس يعني ذلك تسلحنا بموقف علمي مسبق وإلا وقعنا في رذيلة التعصب والتقليد، وإنما كان فهمنا الإيماني يعمل كمؤشر إلى الاتجاه السليم أو كضوء ينير لأبصارنا الطريق.. فلا نتحسس في الظلام.. وقد حظي موضوع الملكية بعناية خاصة وبتطبيق أكثر لهذا المنهج.. لأنه يتعلق بقضية إنسانية يتصل أحد أطرافها بالسماء ويلتصق الطرف الآخر بالأرض وإلا فكيف كنا سنهتدي إلى دور الملكية في مفهومها الصحيح كأداة اختيار في الكثير من ميادين التعامل؟ وإلى أن الربح المشروع يؤدي دورًا اجتماعيًا بالغ الأهمية لأصحاب الضرورات الاجتماعية في بيئة التكليف.. مما أضاء لنا طريق تحليل العلاقة بين العمل ورأس المال..

كانت العقيدة بمؤشراتها وأضوائها قبل وبعد أي دراسة تحليلية تخص الإنسان..

رأس الحربة

وآن لنا أن نرى مصداق ذلك كله فيما نطقت به النصوص الشرعية وما كشف عنه التطبيق في موضوع الملكية باعتباره رأس الحربة في كافة التشريعات المالية.. وباعتباره كاشفًا.. عن منهج الإسلام المتميز في قضية من أهم قضايا العصر..

هدف الحلقات

وليس سرًا أن كل ما تقدم من حلقات الحوار هو تمهيد للوصول إلى هذا الموضوع بالذات الذي سنختتم به هذه الدراسة.. ولا أستطيع لذلك أن أدخل في موضوعات الحوار ولا أن أفصلها عنه لأنها من ثماره. فهي الإجابة المعلقة في أعناقنا عن الأسئلة التي سألناها للزملاء حين طالبناهم بوضع أيدينا على نص أو رأي فقهي أو واقعة تاريخية في فترات الالتزام تكشف عن مظاهرة الإسلام لأي شكل من أشكال الاستغلال حتى في أصغر صور التعامل.. وهي من زاوية أخرى مسؤوليتنا في الكشف عن ثراء الإسلام بالحلول الاقتصادية التي تحقق حلم البشرية في العدالة والكرامة والإخاء..

وهذه الدراسة المنهجية التي جاءت متناثرة على طول الحوار نقدمها اليوم بطريقة متبلورة ومستقلة..

مبدأ الملكية

الملكية التي يرعاها الإسلام هي التي تعين على تحقيق مقاصده.. وهي لذلك تلك التي تقوم قيامًا مشروعًا وتتحرك حركة مشروعة.

1- القيام المشروع

ضوابط الكسب تشريعية وأخلاقية تحدد طرق التملك والإنماء؛ أي عن طريق عائد العمل وعائد رأس المال بصفة أساسية من خلال الموازين الإسلامية.. مع ملاحظة الدخول الأخرى التي أباحها الإسلام كالوصية والميراث والهبة والصدقات باعتبارها كسبًا حلالًا وإن كانت في درجة أدنى من المصدرين الأولين.

أما الملكية الرأسمالية فتتكون من عوائد الأعمال المشروعة وغير المشروعة ومن الأرباح غير المشروعة التي لها بحق صفة الاستغلال، ومن الربا..

أما الماركسية فلا تعترف إلا بعائد العمل فقط.. ومفهوم ما وراء كل صورة من صور الدخل من نتائج اجتماعية متفاوتة..

  • ومن هنا كانت رعاية الإسلام شاملة لكل طرائق الكسب حتى تكون حلالًا طيبًا.. فنجده يحرم الربا(1)؛ لأنه دخل استغلالي دون مقابل من عمل مشروع بل من قيم منحرفة لها أسوأ الأثر اقتصاديًا واجتماعيًا وخلقيًا، وتنطوي تحت هذا التحريم جميع البيوع الربوية والمشاركات الفاسدة لما فيها من غرر أو غبن يؤدي إلى الضرر والجهالة، فقد ورد النهي عن بيع الملامسة، وبيع المنابذة، وبيع الحصاة، وبيع المصراة، وبيع العينة، وبيع حبل الحبلة، وبيع المضامين والملاقيح، وبيع المدلس، وبيع ضربة القانص، وبيعتين في بيعة، وبيع الحيوان الضال والشيء المعدوم أو المجهول والنجس والمحاقلة والمزابنة.. إلى آخر ما يشتم منه الاستغلال أو الظلم؛ لأن عامة ما نهى عنه الكتاب والسنة من المعاملات يعود -كما يقول ابن تيمية- «إلى تحقيق العدل والنهي عن الظلم دقه وجله».
  • كما حرم الإسلام أكل أموال الناس بالباطل وهي صور أكثر سفورًا من البيوع الربوية، كالغصب والسرقة والميسر والرشوة والخمر..
  • وحرم استغلال الجهل بحال الأسواق والأسعار، فعن عمر رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه»..

وعنه قال: رأيت الناس يضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.. إذا اشتروا الطعام جزافًا أن يبيعوه حتى يبلغه الرجل إلى رحله(2).

وعنه قال: ابتعت زيتًا في السوق فلما استوجبته لقيني رجل فأعطاني به ربحًا حسنًا فأردت أن أضرب على يده، فأخذ رجل من خلفي بذراعي، فالتفت فإذا زيد بن ثابت فقال: «لا تبعه حيث ابتعته حتى تحرزه إلى رحلك؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أن تباع السلعة حيث تبتاع حتى يحرزها التجار إلى رحالهم»(3).

وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تلقَّوا السلع حتى يُهبَطَ بها الأسواق»(4).. وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن تلقي الجلب فإن تلقاه متلق فاشتراه فصاحب السلعة بالخيار إذا وردت السوق.. وعن طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تلقوا الركبان، ولا يبع حاضر لباد»، قلت لابن عباس: ما قوله ولا يبع حاضر لباد؟ قال: لا يكون له سمسارًا(5).

  • كما حرم احتكار ضروريات الناس للتحكم في أسعارها، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الجالب مرزوق والمحتكر ملعون»، وقال: «لا يحتكر إلا خاطئ».. كل ذلك لتظل السوق حرة والأسعار معبرة عن القيمة المشروعة.
  • كما حرم الإسلام استغلال نفوذ السلطان للحصول على المال وأجاز مصادرة الأموال التي تأتي من هذا الطريق لإنفاقها في مصالح الرعية، وقد خطب الرسول صلى الله عليه وسلم في الناس عندما أراد عامله على الصدقة ابن اللتبية أن يقسم ما معه قسمين قائلًا: هذا لكم وهذه هدية أهديت إلي، فقال عليه السلام: «أما بعد، فإني أستعمل رجالًا منكم على أمور مما ولاني الله فيأتي أحدكم ويقول هذا لكم وهذه هدية أهديت إلي، فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فنظر أيهدى إليه أم لا، والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منها شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرًا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر»، فترك ابن اللتبية ما أهدي إليه ولم يمسه..
  • وطبق هذا المبدأ من بعده أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكان يصادر ما يكسبه الولاة من أعمال لا يجوز لهم الاشتغال بها كالتجارة وما إليها، وما كان يأتيهم من هدايا أو أموال بحكم مناصبهم، وكذلك أنشأ المنصور الخليفة العباسي «بيت مال المظالم» خاصًا بالأموال من عماله التي جمعت ظلمًا بسبب نفوذهم فجعلها في مصالح الأمة..

حسبنا من هذه الشواهد دليلًا على حرص الإسلام على قيام الملكية قيامًا مشروعًا مبرأً من العلل التي تنتج صور الأنظمة الاستغلالية بكل مساوئها الاجتماعية.

وآن لصاحب هذه الملكية الحلال التي تكونت من خلال هذه الضمانات التربوية التشريعية أن يدخل بها ميدان النشاط الإنتاجي والاجتماعي لتؤدي وظيفتها الاجتماعية وتحقق أهدافًا إنسانية في كل حركتها المشروعة داخليًا وخارجيًا.

2 - الحركة المشروعة

1.      الحركة الداخلية: أي العلاقة الإنتاجية بين العمل ورأس المال.. وهي في الإسلام علاقة مشاركة، وفي الرأسمالية والإقطاع علاقة استغلال تدفع إلى تحكم المالك في الأرزاق والحريات وتدفع العمال من جهة أخرى إلى أتون الصراع الطبقي.

وقد عمدت الشريعة الغراء إلى حقوق المالك في ملكيته وصيانتها بحيث تحقق تكافؤ الفرص بين الناس وتحول دون السيطرة والاستغلال وتجعل الدخول مشروعة متكافئة مع العمل المنتج سواء في الزراعة أو التجارة أو الصناعة.

ولنأخذ زراعة الأرض مثلًا: فقد رأينا أن الأرض كوسيلة إنتاج، بل وسيلة الإنتاج الأولى في القرون الخالية، كانت العلاقة الإنتاجية بين مالكها والذين يعملون فيها علاقة منتكسة في المجتمعات التي بعدت عن رسالة السماء، فظهرت صور النظم العبودية والإقطاعية، والأمر خلاف ذلك في الإسلام.

فملكية الأرض بعد أن يتحقق بها شرط القيام المشروع تقوم علاقة الإنتاج عليها قيامًا يحدده الشرع الحكيم ولا يتركه لأهواء المالكين أو العاملين.. وقد بين الهدي النبوي جميع صور الزراعة على أفضل ما يكون عليه حق وعدل.. فمالك الأرض:

1.      إما أن يزرعها بنفسه.

2.      وإما أن يمنحها أخاه ليزرعها دون مقابل.

3.      وإما أن يشترك مع أخيه في زرعها على مختلف صور المشاركة التي قد تكون بالعمل فقط أو باشتراك العامل مع المالك في البذور والآلات والدواب، أو تكون بتقديم العامل للبذور والآلات والدواب ويشترك المالك بالأرض فقط.

في كل هذه الصور من المشاركة يتفق الطرفان على جزء مسمى من المحصول الخارج، إما النصف أو الثلث أو الربع ويتم تعيينه من خلال مراعاة نسبة الاشتراك وطبيعة المحصول وكافة الظروف المحيطة، على أن يتحمل الطرفان الخسارة إن حدثت عملًا بقاعدة شرعية هي الغرم بالغنم.. وهذه الزراعة هي مشاركة أو مساهمة أو حسب التعريف الفقهي: «الشركة في العقد»، أو «عقد على الزرع ببعض الخارج من الأرض».

وقد أجراها الرسول عليه الصلاة والسلام مع يهود خيبر، حيث أصبحت أرض خيبر -بعد فتحها عنوة- ملكًا للمسلمين وقسمت عليهم أسهمًا، ولما هم الرسول بإخراج اليهود منها جاءوه وقالوا له: نحن أعلم بالأرض منكم، دعونا نعمل فيها ونعمرها لكم بشطر ما يخرج منها، فأقرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: «نقركم فيها على ذلك ما شئنا».. وسار الأمر على هذا الحال إلى أن أجلاهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأعلن أن من كان له مال في خيبر فليلحق به، وخير أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- فمنهن من اختارت الأرض ومنهن من اختارت تعويضًا عنها.. وكانت عائشة وحفصة -رضي الله عنهما- ممن اختار الأرض.. وقال قيس بن مسلم عن أبي جعفر أي محمد الباقر بن زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه: «ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع»، وزاد البخاري بعد نقل هذا الأثر أنه زارع علي، وسعد بن مالك، وعبد الله بن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم، وعروة، وآل أبي بكر، وآل عمر، وآل علي، وابن عبد الرحمن بن يزيد، وعامل عمر الناس على أنه إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر، وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا(6). وقال أبو جعفر: «كان أبو بكر يعطي الأرض على الشطر»(7).

وعن خالد عن مجاهد عن طاووس أن معاذ بن جبل أكرى الأرض على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وعمر وعثمان على الثلث والربع. وكان عبد الله بن مسعود وسعد بن مالك يعطيان أرضهما التي أقطعهما عثمان بالثلث والربع(8).

وقد تكلم الفقه الإسلامي في الزراعة بإفاضة ولكل مذهب صوره التي يجيزها والتي لا يجيزها على اختلاف بينهم في علة المنع الذي مرجعه الخشية من أن يكون هناك شبهة استغلال طرف لطرف، وما علمت حالة قل فيها نصيب الزارع عن الربع وهو قد يكفي لتوفير دخل مجزئ.

فأين هذا من وضعية الرقيق الذين كانوا يفرض عليهم وضع ثابت اقتصادي واجتماعي لا يرتقون عنه أبدًا؟

ولكن الأعداء والجهلاء يحجبون عنا هذه النماذج المشرقة في البيئة الإسلامية ولا يرضون لأعيننا أن تفتح إلا على ظلام الإقطاع في أوروبا، ولا يرضون لعقولنا أن نفهم إلا أن العالم كله عاش كذلك في كل بقعة عرفت الزراعة.

أما الإجارة فهي تختلف عن المزارعة حيث يكون فيها نصيب المالك معينًا مضمونًا ونصيب العامل معرضًا للمخاطر، ومن هنا لم يجزها بعض الفقهاء لمنافاتها لروح العدالة في الإسلام ولأنها أدخل في المعاملات الربوية.. إلا إذا لم تخرج من جوهر المشاركة.. ويقول ابن حزم في المحلى: «لا تجوز أجرة الأرض أصلًا.. لا للحرث فيها ولا للغرس فيها ولا للبناء فيها. ولا لشيء من الأشياء أصلًا لا لمدة مسماة مقيدة ولا طويلة.. ولا بعد فترة مسماة ولا بدنانير ودراهم ولا بشيء أصلًا فمن وقع فسخ أبدًا.. ولا يجوز في الأرض إلا المزارعة بجزء مما يخرج منها أو المغارسة كذلك فقط».

وما ورد عن الرسول من نهي إنما كان يتعلق بأشباه هذه الصور وقد قال لأحد الذين يتعاملون بذلك: «لقد أربيتما» وأمره برد الأرض إلى مالكها، وحث ورغب في نماذج أفضل من التعامل كقوله: «من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه»، وفهم البعض أن هذا يعني تحريم المزارعة والواقع خلاف ذلك.. وقد أجاب علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر، وسعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، وابن أبي يعلى، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن عن الأحاديث القاضية بالنهي عن المزارعة بأنها محمولة على التنزيه وقيل إنها محمولة على ما إذا اشترط صاحب الأرض ناحية منها معينة(9).

وفي التجارة والصناعة:

  • نجد أن العلاقة في الأنظمة المنتكسة بين الرأسمال والعمال شبيهة بها بين مالك الأرض والرقيق في ظل الإقطاع، لولا دوام ما يحصل عليه العمال من حقوق وضمانات لها تأثيرها على تلطيف هذه الحقيقة المرة وإن لم تصل بعد ولن تصل إلى الصورة الإنسانية المثلى من العدالة بين أطراف العلاقة الإنتاجية.. ومن هنا كانت ملكية وسائل الإنتاج في هذا النوع من المجتمعات بحق أداة تحكم في أرزاق الناس وحرياتهم حتى في أحسن صورها التي وصلت إليها اليوم؛ إذ تظل يحوطها عدم الاطمئنان على ثبات الدخل أو دوام العمل، وهي عوامل نفسية لا تبعد في جوهرها عن أسلوب التحكم المباشر في الأرزاق والحريات، فهل كانت العلاقة في الإسلام في هذه القطاعات كذلك؟
  • الإسلام يقيم العلاقة الإنتاجية في التجارة والصناعة على أساس المضاربة أو المزارعة، وهي مشاركة لا تختلف عن المزارعة غير أنها استمدت التسمية من قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ (المزمل: 20).

فالمضاربة بهذا المعنى تخضع لما تخضع له المزارعة من وجوب اشتراك أطراف العلاقة التعاقدية في المغنم والمغرم بنسبة اشتراكهما في العملية، ولا يجوز أن يكون نصيب أحد الطرفين معینًا والآخر مقدّرًا، ويسوي ابن القيم بين المزارعة والمضاربة في قوله: «إنها المزارعة ليست من باب المؤاجرة في شيء وإنما هي من باب المشاركة، وهي نظير المضاربة سواء.. فمن أباح المضاربة وحرم ذلك فقد فرق بين متماثلين»(10).

  • من كل ذلك نرى أن علاقة الإنتاج المشروعة عبارة عن أنواع من العمل المشروع تتعاون دون غبن أو استغلال.. وتشترك في الغنم والغرم.. ولن يمضي وقت طويل حتى يتوفر لمن يقدم العمل دخل مجزٍ.. الأمر الذي يقارب بين الثروات باستمرار، وهو ما لم يظفر به رقيق الأرض أبدًا وما لم يظفر به عامل في علاقته بصاحب العمل أبدًا في أي نظام آخر على وجه الأرض.. بل إنه قد عاد بفريق منهم الزمن القهقرى إلى عصر العبيد في ظل الأنظمة الجماعية ووجد من يتحكم في أرزاقهم وحرياتهم مرة أخرى بدعوى أنه حررهم من سلطان المالكين وحسبهم تحررًا إنهم انتقلوا إلى قبض سلطان جديد..

ولذلك كان ميلوفان جيلاس زميل تيتو في الحركة الشيوعية والذي كان يلقب «بالبروليتاري البار»، كان هذا الرجل على حق عندما أدرك في لحظة صدق مع النفس أنهم لم يفعلوا في النهاية شيئًا سوى استبدال طبقة الرأسماليين التي تتحكم في الأرزاق والحريات بطبقة رجال الحزب التي تتحكم في الأرزاق والحريات أيضًا، فثار على هذه النهاية الشاذة وألف كتاب «الطبقة الجديدة» يعتذر فيه عن مشاركته في أكبر خدعة في التاريخ، وكان ذلك سببًا للزج بالبروليتاري البار في السجن عمرًا طويلًا فاق العشر سنوات؛ لأنه لم يعد في نظرهم بارًا بالحزب.

وفي كتاب تاريخ أوروبا الاقتصادي للدكتور جمال سعيد يؤرخ للثورة الزراعية في بريطانيا باليوم الذي سمح فيه الإقطاعيون بنظام إيجار الأرض لبعض الفلاحين؛ لأن ذلك على كل ما فيه من غبن قد تسبب في التعجيل بالنظام الإقطاعي، فما بالنا بالإسلام الذي نفر فقهاؤه من هذا اللون من الإيجار ولم يروا سوى المشاركة تمشيًا مع عدل الإسلام.. أما حركة الملكية الخارجية فموعدنا معها في العدد القادم إن شاء الله.

(1) يقرأ «الربا» للأستاذ المودودي.

(2) البخاري ومسلم وأبو داود 335 والنسائي.

(3) رواه أبو داود في إسناده محمد بن إسحاق.

(4) البخاري ومسلم.

(5) بلوغ المرام.

(6) نقل عبد الرزاق هذا الأثر عن القاسم بن أبي بكر بسند كامل، ونقل ابن أبي شيبة عن بقية الأربعة بسند كامل: البخاري باب المزارعة بالشطر جـ 5 ص 8، 9، 10.

(7) الطحاوي.

(8) الخراج لأبي يوسف: باب القطائع.

(9) ملكية الأرض في الإسلام: الأستاذ أبو الأعلى المودودي.

(10) زاد المعاد.

الرابط المختصر :