; خواطر وأفكار خلف القضبان ومحطات في ملف رهائن الأقصى «١٦» | مجلة المجتمع

العنوان خواطر وأفكار خلف القضبان ومحطات في ملف رهائن الأقصى «١٦»

الكاتب رائد صلاح

تاريخ النشر السبت 04-فبراير-2006

مشاهدات 66

نشر في العدد 1687

نشر في الصفحة 44

السبت 04-فبراير-2006

(*) رئيس الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني

قرأت مقالة الأستاذ حاتم حسون التي نشرت مؤخرا في صحيفة «كل العرب» وأقول بلا تردد: إنها مقالة مهذبة تتسم بالأسلوب الأدبي، وجوهر مضمونها الذي يتمثل في ضرورة تعميق التواصل فيما بيننا وبين بني معروف، وهذا من قناعاتي الواضحة التي مازلت أؤكدها في كل مناسبة!!

كيف وجدت بني معروف (٣ من ٤)؟

حديث لم ينته لهم ما لهم.. وعليهم ما عليهم!

كنت على قناعة بأنني سأظل أتخبط في حياتي في تيه وضلال ما لم أعد إلى منابع الإسلام الصافية النقية من أي بدع أو تحريف أو شطحات ضالة

ماذا ينتظر شباب بني معروف واجهت أسئلة كثيرة على حين غرة واجتهدت أن أنسى قدر الإمكان أنني سجين وجالس قبالة ضابط في معتقل الجلمة!

نعم مازلت أنادي بضرورة التواصل مع بني معروف في كافة قراهم المعروفة في الجليل!!

فيخطئ من يظن أنهم يعيشون في حالة لا مبالاة مما يدور من أحداث على صعيد الساحة الإسلامية والعربية والفلسطينية!!

ويخطئ من يظن أنهم يعيشون في حالة انطواء على الذات وعلى الهموم الشخصية فقط!!

نعم يخطئ من يظن ذلك، فقد عشت معهم سنتين وشهرين ووجدت فيهم الحرص على إبقاء التلاحم مع العالم الإسلامي والعربي والفلسطيني!!

فعلى سبيل المثال وعلى عجالة أقول: لقد حدثني بعضهم وهم ضباط أو سجانون عن مرارة معاناتهم بسبب سياسة التمييز التي تنتهجها المؤسسة الرسمية الإسرائيلية ضدهم!

وحدثني بعضهم عن نضالهم الطويل لاستعادة أرضهم التي تعرضت للمصادرة من قبل المؤسسة الرسمية الإسرائيلية!

وحدثني بعضهم عن سعيهم الدؤوب لمواجهة سياسة الدمج التي حاولت المؤسسة الرسمية الإسرائيلية أن تفرضها على بعض قرى بني معروف في الجليل.

حديث ذو شجون

وقد كان لحديثي معهم شجون أبعد من ذلك، فأذكر أن أحدهم وهو ضابط قد حدثني يومًا عن وقائع فيلم «عمر المختار» وأبدى لي إعجابه بهذه الشخصية.

وأذكر أن بعضهم كان يؤكد لي أنه يحرص على ألا تفوته أية حلقة من حلقات مسلسل «ليالي الصالحية»، ذاك المسلسل السوري الهادف. 

وأذكر أن بعضهم كان يواظب على مشاهدة كل حلقة من مسلسل «الشتات»، لدرجة أن هؤلاء البعض كانوا في بعض الأحيان، يقفون عند باب غرفتنا في المعتقل لمتابعة بعض حلقات هذا المسلسل!

ثم ماذا؟! من خلال اختلاطي مع بعضهم تبين لي أنه كان مواظبًا على زيارة بعض المدن في الضفة الغربية مثل جنين وطولكرم ونابلس في الفترة التي كانت بين الانتفاضتين والتي جاءت على إثر «اتفاقية أوسلو». 

وتبين لي أنه لا يزال يحفظ بعض أسماء المطاعم التي كان معتادًا أن يتردد عليها بين الحين والآخر.

وتبين لي أنه لا يزال يحفظ بعض أسماء التجار والمحلات التجارية التي أثمرت علاقته معهم زمالة خاصة فيما بينه وبينهم. 

وتبين لي أن بعضهم يحرص على مواصلة الارتباط مع المكتبة العربية وما تقدمه من كتب لكتاب مشهورين، وأن بعضهم يحرص على مواصلة الارتباط مع الإنتاج الشعري عبر الصحف العربية أو عبر ما ينشر من دواوين شعرية!

نعم كل ذلك قلته على عجالة وسأجتهد أن أفصل فيه، وكل ذلك قلته مع وجود البعض الذي قد يقول: ولكن بني معروف لهم ما لهم وعليهم ما عليهم!!

وأنا في المقابل مازلت أقول: ونحن كذلك لنا ما لنا.. وعلينا ما علينا!! وهذا مما يحتم علينا ضرورة تعميق التواصل بهدف الحفاظ على «ما لنا» والحفاظ على «ما لهم»!! وبهدف العمل على تجاوز «ما علينا وتجاوز «ما عليهم».

العودة إلى الإسلام!

ولعل من أهم ما استوقفني خلال حياتي في السجن ما حدث ذات يوم عندما كنا في معتقل الجلمة، حيث كنا نقضي جولتنا اليومية كالمعتاد والتي كانت عبارة عن ساعة واحدة، وكنا عادة نقضيها في الساحة الأوسع نسبيًا من الساحة الضيقة التي كانت في أشمورت، وبعد أن انتهت الجولة وهممنا بالدخول إلى غرفة اعتقالنا. إذا بالضابط س من بني معروف يدعوني إلى غرفته وكانت هذه هي المرة الأولى التي يدعوني فيها هكذا - بلا رسميات ولا مقدمات - إلى غرفته!!

وعندما دخلت أغلق باب الغرفة وجلس على كرسي مكتبه وطلب مني أن أجيبه بصراحة عن كل أسئلته مهما كانت حساسة أو محرجة!!

ثم سألني قائلًا: هل هناك فروق جذرية بين المسلمين والطائفة الدرزية؟ وكيف تقيم وضع الدروز في دولة إسرائيل؟! وما الطريق التي تخرجني من شعوري الداخلي أنني متناقض في حياتي مع نفسي؟! ولماذا علي أن أتحمل جريرة ذنوب أولئك المجموعة من الدروز الذين وافقوا على الخدمة العسكرية الإجبارية؟!

كما سألني عن كثير من القضايا التفصيلية التي تدور كلها في فلك هذه الأسئلة التي ذكرتها، ومنها سؤاله عن المستقبل القريب والبعيد الذين ينتظر بني معروف خصوصًا الجيل الشاب منهم؟!

وللحقيقة عندما واجهت هذه الأسئلة على حين غرة اجتهدت أن أنسى - قدر المستطاع - أنني سجين، واجتهدت أن أنسى أنني أجلس قبالة ضابط في معتقل الجلمة وحاولت - قدر المعقول - أن أبين له قناعاتي الواضحة التي اخترتها لنفسي والتي أنصح بها الآخرين، فأنا شخصيًا على قناعة بأنني سأظل أتخبط في تيه وضلال، ما لم أعد إلى منابع الإسلام الصافية النقية من أي بدع أو تحريف أو شطحات ضالة.

وكذلك أنا أنصحك وأنصح الآخرين من بني معروف وغيرهم بالعودة إلى منابع الإسلام الصافية بعيدًا عن أي بدع أو تحريفات تصادم أصول القرآن الكريم والسنة النبوية.

وبينت له أن هذه العودة تعني العودة إلى جذور قيمنا وتاريخنا وحضارتنا الإسلامية العربية، وهذه العودة هي صمام أمان يحفظ علينا عمق التواصل في الحاضر ووحدة الحال في المستقبل!!

حديث متواصل!

إن هذا الحوار لم يكن مرة واحدة ولم يذهب أدراج الرياح، بل بدأنا نلمس معاملة التلطف معنا من قبل هذا الضابط «س»، حيث اتخذ قرارًا بتخفيف حدة الإجراءات اليومية علينا، وعلى سبيل المثال كان يختصر عدد مرات عدنا وتفتيش غرفتنا اليومي وكان يتنازل عن تفتيشنا عند خروجنا من غرفة اعتقالنا والعودة إليها، وكان يبدي موافقته للسجناء العاملين فيما لو رغبوا بإدخال أي صنف من أصناف الخضراوات إلينا!!

ثم مضت الأيام علينا في معتقل الجلمة وتواصلت مشاهد التلطف معنا من قبل هذا الضابط «س»، وعلى سبيل المثال فقد اصطحبني ذات يوم إلى عيادة المعتقل لإجراء فحص دم لي، وخلال عودتي إلى غرفتي طلب أحد المعتقلين من الضابط «س» أن يهدينا قنينة زيت زيتون صاف وهي هدية ثمينة جدًا في عالم السجون، فطلب مني هذا الضابط أن أبتعد قليلًا، ثم حمل تلك القنينة بيده وسرنا سويًا إلى غرفتي ثم أعطاني القنينة لدى وصولنا إلى غرفتي وقال لي: أرجو ألا تنسونا بعد خروجكم - يجب أن نتواصل - يجب أن نكمل الحديث الذي بدأناه.

وقد يظن البعض أن هذا الحوار كان عبارة عن مشهد استثنائي عابر وللحقيقة أقول لم يكن كذلك، بل تكرر هذا المشهد من قبل ضباط وسجانين آخرين طرحوا علي نفس الأسئلة التي كان قد طرحها الضابط «س».

وعلى سبيل المثال في يوم الخميس ۲۰ نوفمبر ۲۰۰۳ م - حيث كنا لا نزال في معتقل الجلمة - قام الضابط من بطرح نفس الأسئلة علي، فاجتهدت أن أجيبه بما أجبت به الضابط «س» ثم قلت له: لا بد لكلينا من مبادرة شجاعة أنا أقوم بها وأنت تقوم بها والآخرون يقومون بها، وهي ضرورة أن يسعى كل واحد منا للعودة إلى منابع الإسلام الصافية النقية من أي بدع أو تحريف قد يصطدم مع القرآن والسنة!!

فقال لي إن عمه رجل الدين «ه»، عاكف على مبادرة هادفة عساها أن تنجح!

يتبع....

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 834

78

الثلاثاء 15-سبتمبر-1987

المرأة والدعوة (۱)

نشر في العدد 1028

92

الثلاثاء 08-ديسمبر-1992

بريد القراء