الثلاثاء 08-يوليو-1975
الرياء ضرب من الشرك... فاحذره
بقلم: محمد بدر
إن الدين الإسلامي الذي جاء به محمد بن
عبد الله صلى الله عليه وسلم جاء ليطهر النفوس من الشوائب والأدران ويزكيها من كل
عمل قبيح ويعلمها فضائل الأعمال فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم
مكارم الأخلاق». والأخلاق يجب أن تبدأ مع الله تعالى لا مع الناس. إذ أن من قبائح
الأعمال التي غرسها الشيطان في نفوس المسلمين الشرك حيث فشل في أن يصد المسلم عن
عبادة ربه فلجأ إلى طريق آخر وهو إشراك المسلم بعبادته لربه تعالى فهو تركه يعبد
الله ولكن يعبد معه آخر إن لم يكن آخرين. والشرك نوعان حسب الجرم الذي يقع فيه المشرك
فمنه الشرك الأكبر وهو مخرج من الملة مثل التشفع بالأولياء والصالحين والذبح
والنذر لهم، أما الشرك الأصغر فهو غير مخرج من الملة وهو مثل التوسل بالأنبياء،
وسوف نتكلم اليوم عن أحد مظاهر الشرك، ألا وهو الرياء الذي يزرعه الشيطان في قلب
المسلم وهو من الشرك الخفي كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
الرياء مصدر رأى ومعناه لغة أن يرى
غيره خير ما هو عليه وشرعاً أن يعمل الطاعة ويدع المعصية مع ملاحظة غير الله لحاجة
دنيوية، والله يبغض الرياء ويهدد الذين يرائون بقوله: {إن المنافقين يخادعون
الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله
إلا قليلاً} [1].
وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من
الرياء فقال: «أيها الناس، إياكم وشرك السرائر»، قالوا: يا رسول الله وما شرك
السرائر؟ قال: «يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل إليه». فذلك
شرك السرائر [2]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بما هو أخوف
عليكم عندي من المسيح الدجال؟» قالوا: بلى، قال: «الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي
فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل» [3].
ويجب أن نعرف أن الرياء من الشرك حيث
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر». قالوا: وما
الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: «الرياء» [4].
قال تعالى: {والذين يمكرون السيئات
لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور} [5] والسيئات يمكرون السيئات هم أصحاب
الرياء. وقال تعالى: {فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون * الذين هم
يراءون} [6] وفي الحديث القدسي يقول تعالى: «من عمل عملاً أشرك فيه غيري فهو
له كله وأنا عنه بريء وأنا أفقى الأغنياء عن الشرك». أي أن هذا العمل لا يقبله
الله بل هو الشريك.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«من سمع سمع الله به ومن راءى راءى الله به» [7] والرياء هو القيام بالصالح من
الأعمال ليراها الناس وأما التسميع فهو تحديث الناس عن الأعمال الصالحة التي قام
بها. والرياء يحبط العمل عن ربه عز وجل فلا يقبل له عمل ولا تزكو نفسه، وقد حذرنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرياء وهدد المرائي بالعذاب في يوم القيامة كما
جاء عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رجلاً أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم
فقال: يا رسول الله الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر، والرجل يقاتل ليرى
مكانه، فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة
الله هي العليا فهو في سبيل الله». وعن سليمان بن يسار رضي الله عنه قال: تفرق
الناس عن أبي هريرة فقال له ناتل أهل الشام أيها الشيخ! حدثني حديثاً سمعته من
رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: نعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
«إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال:
فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء
فقد قيل؛ ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ
القرآن، فأتي به، فعرفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم
وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن
ليقال هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع
الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت
فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك
فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار» [8]
وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق
ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر} [10].
أخيراً يجب أن نعلم ونعرف أن الله
تعالى لا يقبل العمل ولا يثيب عليه إلا بشرطين هما أن يكون هذا العمل صحيحاً
صواباً لا هو حرام ولا بدعة {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً}
والشرط الثاني هو أن يكون القائم بهذا العمل أو العبادة مخلصاً لوجه الله لا فيه
نفاق ولا رياء {ولا يشرك بعبادة ربه أحداً} [11].
ونسأل الله لنا ولكم الهداية والسداد.
الهوامش المذكورة في أسفل الصفحة:
[1] الآية 142 سورة النساء.
[2] ابن خزيمة.
[3] أحمد وأبو داود وابن أبي حاتم والبيهقي.
4] أحمد بإسناد حسن.
[5] فاطر.
6] 4 - 6 الماعون.
[7] متفق عليه.
[8] متفق عليه.
[9] مسلم.
[10] الكهف.
[11] 264 البقرة.