العنوان القصة القرآنية: طبيعتها وصفاتها- قصة البشرية جمعاء
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر السبت 17-نوفمبر-2007
مشاهدات 119
نشر في العدد 1777
نشر في الصفحة 38
السبت 17-نوفمبر-2007
(*) أستاذ الأدب والنقد
قدمت نماذج إنسانية متشابهة في مختلف العصور والأمكنة... وعالجت قضايا مشتركة تعني الناس جميعا وليست حكرا على قوم دون قوم.
ثمة رأي يشير إلى أن القصص القرآني، مع تنوعه وتعدده، وسرده لقصص أقوام ذهبوا وسبقوا، فإنه في الحقيقة يخاطب الإنسانية جمعاء، في كل زمان ومكان فهؤلاء الأقوام الذين كذبوا ما جاء لهم من السماء، وحق عليهم العذاب، هم البشرية. في جهلها وعمايتها واستكبارها الكاذب.
وكأن الرسل والأنبياء جميعًا في جهادهم في سبيل الله، وسبيل الحق، وفي سبيل هداية البشر، كأنهم رسول واحد، أو نبي واحد، ولكن البشر لا يهتدون، وفي قصة البشرية هذه التي تتخفى وراء ظاهر النص في الآيات الكريمة روعة فنية قصصية، لا نستطيع إلا أن نعجب بها، ولا نعجب لها، فهي تنزيل من عزيز حكيم.
ويتطابق هنا «ثروت أباظة»، صاحب هذا الكلام، مع ما سبق إليه «سيد قطب» ولا يكتفي بالقول المرسل، بل يحيل إلى قصة نوح عليه السلام في سورة هود، ويتساءل: أرأيت عرضًا فنيًا أروع من هذا العرض؟! ما أعظم حظ الآباء الأوائل الذين استقبلوا هذه الآيات في نزولها الأول، لقد رأوا «السينما» قبل أن يعرف العالم السينما. صور متتالية سريعة متلاحقة تنبهر لها النفس وتخفق القلوب ويشتد الوجيب ويعلو النبض، وتزوغ الأعين، وتحار البصيرة. ويريم الخيال، ويعمل التصور، ونرى السينما في جرس من اللغة هي الموسيقى العفيفة الرائعة، فلا السيمفونية، ولا شيء مما يدعون.
انظر إلى قوله: ﴿احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ (هود: ٤٠) هل رأيت أجمل من كلمة أهلك، هنا؟ همسة جامعة قصيرة.. ثم يستثني ﴿إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ (هود: ٤٠) ليس كل أهلك إذًا، فالضالون لا توجه إليهم الدعوة، وإنما هي دعوة المؤمنين من أهلك، ومن غير أهلك أيضًا (1).
ولا شك أن القصص القرآني موجه إلى كل الناس. والدعوة أيضًا، فهو قصة البشرية كافة، لأن الدين دعوة عامة في كل زمان ومكان.
نماذج وقضايا عامة
ويمكن القول إن عمومية القصص القرآني، قدمت لنا نماذج إنسانية وبشرية متشابهة في مختلف العصور والأمكنة، كما عالجت قضايا مشتركة تعني الناس جميعًا قديمًا وحديثًا ومستقبلًا ... إنها نماذج وقضايا تتخذ صفة الشمول والعمومية وليست حكرًا على قوم دون قوم، ولا عصر دون عصر، ولا مكان دون مكان، فمن اليوم يستطيع أن ينكر أن في زماننا أحداثًا وأشخاصًا تتفق وطبيعتها، مع الأحداث والشخصيات والقضايا التي تعرض لها القصص القرآني في كتاب الله؟
تأمل مثلًا هذه الشخصيات وتلك القضايا:
1 - فرعون وهامان وقارون.
2- العصاة والتقاة.
3-المؤمن والكافر.
4- عبدة المال والشهوات والسلطة.
5- الانحراف والغرور والتعالي.
6- الفكر المادي، والتجني على الأديان في الفلسفات العديدة التي ترد إلينا.
7- النساء الطاهرات: امرأة فرعون، أم موسى مريم وغيرهن.
8- النساء الخائنات: امرأة نوح امرأة لوط امرأة العزيز، زوج أبي لهب.
9- أنواع ونماذج أخرى تشبه كثيرًا ما تعالجه في قصصنا المعاصر، ففيها الأخيار والأشرار (2).
وكما نرى، فإن القصص القرآني عالج النماذج البشرية المختلفة، وتناول القضايا الإنسانية المتنوعة، وطرح من خلال العبرة والمتعة، ووظف الغرض الديني في إطار من الفن المعجز، الذي يتسق مع البلاغة القرآنية.
حقائق عامة
ولعل هذا يقودنا إلى طرح مجموعة من الحقائق حول القصص القرآني بصفة عامة: 1- أنه يركز على الموضوع والعبرة والهدف سواء كانت القصة قصيرة أو طويلة أو بين بين.
2- أن القصة القرآنية لها جماليتها المتميزة ومذاقها الخاص، وليس هناك ما يماثلها أو يقاربها من قصص البشر.
3- يمثل القصص القرآني قمة شامخة وآيات خالدة خلود القرآن.. مما يعني صلاحيتها لكل زمان ومكان.
4- يعد القصص القرآني المرجع والمعيار. سواء في الشكل أو المضمون، وهو معيار ثابت ومرجع دائم، أما مقاييس القصص البشرية الذي صنعه الإنسان فهي متغيرة ومبتذلة.
5- يترك القصص القرآني مساحات يتحرك فيها الذهن البشري، لتستيقظ المشاعر والأحاسيس ويتحرك الفكر والعقل من أجل التدبر والتأمل.
6- تبتعد القصة القرآنية، وهذا وجه من وجود إعجازها - عن الغموض والإبهام انطلاقًا من كون الإسلام دعوة وبلاغًا وإبلاغًا وتبيانًا وذكرًا، لإشباع العقل والوجدان، بعيدًا عن الحيرة والبلبلة.
7- إعطاء المرأة نصيبها الوافر من القصص القرآني، والعناية بها بوصفها إنسانًا يتكامل مع الرجل.
8- اهتم القصص القرآني بالمقارنة والمقابلة، وتصوير أوجه التناقض لدى أطراف الصراع، حتى تبدو الصورة واضحة ومقنعة ومؤثرة.
9- قد تأتي القصة القرآنية في أشكال متعددة، ولكن يبقى المضمون واحدًا.
١٠- تناولت القصة القرآنية إلى جانب الإنسان الحيوان والطير والدواب، بل جاءت بعض سور القرآن الكريم تحمل أسماء الحيوانات والحشرات: البقرة، النحل، النمل …. (3).
الهوامش
(1) السرد القصصي: ص ١٠ ١٤٦٣
(۲) حول القصة الإسلامية: ص 15 وما بعدها.
(3) راجع حول القصة الإسلامية: ص ٣٧ - ٤٣
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل