; حقيقة التوكل: الأسس الأخلاقية للتوكل على الله | مجلة المجتمع

العنوان حقيقة التوكل: الأسس الأخلاقية للتوكل على الله

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 01-سبتمبر-1992

مشاهدات 47

نشر في العدد 1014

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 01-سبتمبر-1992

 

المقال الثاني: حقيقة التوكل: الأسس الأخلاقية للتوكل على الله

مقدمة: توكل حاتم الأصم

عن محمد بن أبي عمران قال: سمعت حاتماً الأصم (1)، وسأله رجل: علام بنيت أمرك هذا في التوكل على الله؟ قال: على خصال أربع: علمت أن رزقي لا يأكله غيري فاطمأنت به نفسي، وعلمت أن عملي لا يعمله غيري فأنا مشغول به، وعلمت أن الموت يأتيني بغتة فأنا أبادره، وعلمت أني لا أخلو من عين الله حيث كنت فأنا مستحٍ منه (2).

ولقد اختلفت أقوال العلماء في التوكل إلا أن جامع هذه الأقوال هو تفويض الأمر لله تعالى وذلك باستيقان قدرته تعالى على قضاء الأمور، مع بذل الأسباب لقضاء هذه الحاجات، والتخلص عن التعلق بهذه الأسباب والتعلق برب الأسباب. وهذه الخصال الأربع التي ذكرها الزاهد حاتم الأصم رحمه الله هي ليست تعريفات للتوكل بقدر ما هي أسس أخلاقية بنى عليها أولئك العلماء أمر التوكل.

الأساس الأول: الرزق والاطمئنان

فهو قد أيقن بأن الله تعالى قد كتب لكل مخلوق رزقه ولا تموت نفس حتى تستوفي رزقها الذي كتبه الله عليها، وأنه لا يمكن لمخلوق أن يأخذ رزقاً قد كتبه الله لمخلوق آخر. والإنسان عندما يعيش ويمارس هذه الحقائق الكبرى تطمئن نفسه، ولا يقلق بكثرة الخوف والانشغال على رزقه أن يأكله غيره، وإن حدث وأُخذ شيئ من هذا الرزق، فهو أصلاً لم يُكتب كرزق لهذا الذي أُخذ منه. والإنسان عندما يصل إلى هذا المستوى من الشعور، فإن هذا يدل على مقدار إيمانه بصفة الرزاق، وهو مدخل رئيسي لصفة التوكل لأن أكثر ما يشغل الناس في معايشهم قضية الرزق، فيفني أحدهم نفسه، ويُخل بالكثير من الواجبات ليكون ثرياً.

الأساس الثاني: العمل الصالح والاستغلال الأمثل

والتوكل على الله في الأعمال الصالحة من أشرف أنواع التوكل على الله؛ إذ إن القائم فيها لا يبتغي عرضاً من أعراض الدنيا، بل إنه يريد وجه الله تعالى والآخرة. والإنسان عندما يشعر أن عملاً ما من أعمال الدنيا يمكن أن يقوم به غيره فإن ذلك يؤدي به إلى التواكل والكسل، ولكن أعمال الآخرة لا يمكن التعامل معها بمثل التعامل مع أعمال الدنيا، وذلك لأن أعمال الآخرة لا يمكن أن يقوم بها سوى الشخص المكلف، وذلك لقوله تعالى ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ (3). هذه الحقيقة ينبغي أن تؤدي بالمؤمن ألا يترك فراغاً في حياته لا يشغله بما يقربه من الله تعالى، ويباعده من ناره ولا أن يؤجل عملاً من الأعمال التي يجب أن يقوم بها، لأن أحداً لن يقوم بأدائها عنه.

الأساس الثالث: الموت والمبادرة بالعمل

هذا الإحساس له صلة بالذي قبله، من حيث أن المؤمن حينما يستيقن ويستحضر دائماً أن الموت يأتي من غير ميعاد، فإنه دوماً يكون مستعداً، ويسابق الموت بالأعمال الصالحة؛ لأنه يأتي بغتة. وهذا الأمر لا يتأتى إلا بكثرة ذكر الموت والذي حضنا الرسول صلى الله عليه وسلم بكثرة ذكره عندما قال: «أكثروا بذكر هادم اللذات الموت» (4). فإذا ما جاء الموت كان هذا المؤمن قد أعد الزاد ليوم الرحيل، فلا يجوع ولا يظمأ في بيداء البرزخ ولا عند قيام الساعة ومعاينة أهوالها وأحوالها. ومما يرويه قتادة عن الإمام القدوة التابعي الجليل مطرف بن الشخير قوله: «إن هذا الموت قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم، فاطلبوا نعيماً لا موت فيه» (5).

الأساس الرابع: المراقبة والاستحياء من الله

لا يمكن للمؤمن أن يتوكل على الله حق توكله حتى يستشعر دوماً رقابة الله عليه، مما يجعله يستحيي أن يفوض أمره لغيره وهو يؤمن بقدرته على قضاء حوائجه. إنما يتجه الإنسان لغير الله تعالى عندما تتغشى قلبه سحائب الغفلة عن مولاه، واستشعار رقابته؛ لذلك كان هذا الأساس من أهم الأسس التي يُبنى عليها أمر التوكل. يقول تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (6).

ولقد جاءت هذه الآيات وأمثالها في القرآن الكريم لتأصيل المراقبة في نفس المؤمن حتى لا يتجه لغير الله تعالى. فدوام المراقبة تجعل المؤمن يستحيي أن يثق بقوة سوى قوة الله تعالى، ويتضح ذلك جلياً عندما يصاب بمرض خطير ويتجه إلى أمهر أطباء العالم ليخلصوه من علته التي يعاني، ثم يقرر الأطباء إجراء عملية جراحية، في هذه اللحظات يتكشف أمر التوكل، هل يتعلق قلبه بمولاه، ويثق به هو وحده؟ أم يتعلق جزء من قلبه في الله والجزء الآخر بالبشر أم يتعلق قلبه كله بالبشر ولا يعود يرى، ويسأل ويستغيث، ويثق إلا بالبشر الذين ليس لهم حول ولا قوة. وهنا تبدأ أهمية المراقبة، فمن أدام رقابة الله تعالى يستحي أن يثق بغيره طرفة عين، ويردد دوماً: اللهم أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ويقول: اللهم لا حول ولا قوة إلا بك، وإنما يلجأ إلى الطبيب لأنه أُمر شرعاً ببذل السبب، والتوكل يجعله يتعلق برب السبب لا بالسبب بذاته. هكذا كان التابعون يربون أنفسهم في أمر التوكل والذي هو في حقيقته جزء من الإيمان بصفاته سبحانه وتعالى، وهكذا كانوا يُحسنون الظن بالله تعالى، وكان الله عند حسن ظنهم به. هذا الإدراك للمعاني الجليلة للتوكل، إنما يتأكد بالمحاسبة الدقيقة لخلجات النفس، واتهامها لما تقوم به وتحاوله من التفلت عن الاستقامة على الصراط المستقيم.



الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 14

87

الثلاثاء 16-يونيو-1970

لقلبك وعقلك - العدد 14

نشر في العدد 31

75

الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

لعقلك وقلبك (31)

نشر في العدد 367

73

الثلاثاء 20-سبتمبر-1977

الأسرة (367)