; (سورية) المدخل لفهم السؤال: لماذا بشار؟ النظرية الأمنية التي اعتمدها حافظ سورية | مجلة المجتمع

العنوان (سورية) المدخل لفهم السؤال: لماذا بشار؟ النظرية الأمنية التي اعتمدها حافظ سورية

الكاتب طه جابر

تاريخ النشر الثلاثاء 15-أغسطس-2000

مشاهدات 59

نشر في العدد 1413

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 15-أغسطس-2000

كان الأسد قارئًا جيدًا للتاريخ؛ رأىَ مصيرَ ستالين في الاتحاد السوفييتي، وماذا فعل السادات بعبد الناصر.. وما آلَ إليه صديقه شاوشيسكو

حين أدركت الولايات المتحدة أن سورية، ممثلة بحكومتها الوطنية بقيادة الرئيس شكري القوتلي ومجلس النواب يرفضان الهدنة مع الكيان الصهيوني حرضت «حسني الزعيم» قائد الجيش السوري على القيام باول انقلاب في دولة عربية يوم ٣٠ مارس ١٩٤٩م، دام أربعة أشهر ونصف الشهر ثم توالت الانقلابات في سورية، حتى بادرت بإنشاء وحدة مع مصر في عام ١٩٥٨م، دامت ثلاث سنوات ونصف السنة، وقع بعدها الانفصال الذي فك عرى الوحدة في عام 1961م.

بعد انقلاب ١٩٦٣م شكَّلَ حزبُ البعثِ أوَّلَ حكومة بعثية، توالت بعدها انقلابات البعثيين ضد بعضهم البعض حتى استطاع حافظ الأسد أن ينهي مسلسل الانقلابات بانقلابه على رفاقه البعثيين ليحكم سورية - باسم البعث - لمدة ثلاثة عقود، انتهت بوفاته، بعد أن هيأ الجو ليخلفه من بعده ابنه في أوَّل سابقة عربية من نوعها.

ولكن لماذا بشار؟ حتى يتسنى لنا أن نعرف الجواب عن هذا السؤال ينبغي أن نعرف الأسلوب الذي كان يفكر به حافظ الأسد، وذلك باستقراء المنهج الذي اتخذه أسلوب حياة، وسار عليه حتى وصل به إلى الحكم ومن ثم تابعه أثناء فترة حكمه حتى أفضى إلى الموت هذا المنهج تحكمه دوائر ثلاث الدائرة الأولى وتضم ضمن محيطها حافظ الأسد فقط. الدائرة الثانية وتضم إليه أسرته «زوجته وأولاده» الدائرة الثالثة وتضم الطائفة وهذه الدائرة رتب الأسد عناصرها، قربًا وبعدًا، بما يخدم الدائرتين. الأولى والثانية.

الدائرة الأولى:

أ- الزحف إلى السلطة: عاش حافظ الأسد فترة من شبابه العسكري في مصر بعد قيام دولة الوحدة، ورأى كيف كان عبد الناصر يبني مجده الشخصي، وامتلأت نفسه بهذا البريق الأخاذ، فبدأ يتحسس الطريق الذي يمكن أن يوصله إليه ولقد كان واضحًا منذ البدايات الأولى لحكم البعث في سورية بعد ۸ مارس ١٩٦٣م أن اللجنة البعثية العسكرية المكونة من حافظ الأسد، وصلاح جديد ومحمد عمران «ثلاثتهم من طائفة واحدة» وعبد الكريم الجندي وهو «إسماعيلي»، كانت تحاول أن تهيمن على القرار البعثي، وقد تمت بناء على توصية من هذه اللجنة ترقية حافظ الأسد في جلسة واحدة من رتبة «الرائد» إلى رتبة «اللواء» وعهد إليه بقيادة القوات الجوية، فبدأ مسيرته في التخلص من أعضاء هذه اللجنة الواحد تلو الآخر. فتحي محمد عمران - الذي تم اغتياله فيما بعد في بيروت - مع جماعة أمين الحافظ بانقلاب ۲۳ فبراير ١٩٦٦م، وضيق الخناق على عبد الكريم الجندي حتى انتحر «أو نحر» عام ١٩٦٨م، وأدخل «صلاح جديد» السجن، ولم يخرج منه إلا ميتًا إلى قبره.

ب- الحكم المطلق : أحس حافظ الأسد أن حركته التصحيحية أخرجت حزب البعث عن معادلته الحزبية، وبالرغم من أن هذه المعادلة لم تكن لتقلقه كثيرًا - بعد أن غيب معظم أعضاء القيادة القطرية في السجن - إلا أنه لم يهملها ولكنه خفف من وتيرة إعادة تأهيلها، ملتفتًا إلى «دائرة الطائفة»؛ حيث أعطاها جل اهتمامه، وحاول أن يستوعب قياداتها المدنية والعسكرية التي استنكرت ما قام به ضد صلاح جديد ثم بدأ بتأليف قلوب الكوادر البعثية المدنية الشابة التي كانت تؤيد صلاح جديد وقدمها في صفوف حزب البعث، مثل عبد الله الأحمد الذي أدخله في القيادة القطرية المؤقتة، مما سهل عليه «تدجين» البعثيين من غير الطائفة، فأعاد تكوين كوادر الحزب من عناصر شابة طموحة للمنصب والمال. وأخذ الجيش جل اهتمامه مبتدئًا بالصف الثاني من الضباط الطائفيين فقدمهم وأغراهم بالمناصب، وجعل هيكلية الجيش تعتمد في قياداتها عليهم. فإضافة إلى حصر قيادة الفرق العسكرية الخمس - التي تم إعادة تشكيلها بعد حرب ١٩6٧م - في يد من كان يثق بهم من ضباط الطائفة، فقد جعل قيادة الوحدات والأجهزة الحساسة بيد ضباط منهم مقربين منه، مثل الوحدات الخاصة التي أوكل قيادتها إلى على حيدر، ووضع على دويًا، على رأس المخابرات العسكرية، وكان لهذين الضابطين- إضافة إلى أخيه رفعت - دور كبير في سياسة القمع الدموي التي واجه بها معارضيه من الإسلاميين وزيادة في الاحتياط فقد وسع ألوية سرايا الدفاع التي أنشأها محمد عمران إثر انقلاب ١٩٦٣م. ووضعها تحت قيادة شقيقه الأصغر رفعت وأطلق يده، وفتح أمامه خزينة الدولة، لينفق منها على هذه السرايا، ويشتري الضمائر الرخيصة وليوطد بها سيطرتهما على مقدرات البلاد. فعاث «رفعت في الحرمات فساداً. وولغ في الدماء وارتكب مجزرة سجن تدمر، وذلك عندما أرسل مجموعة من جزاري سرايا الدفاع في ليل يوم ٢٦ يونيو عام ۱۹۸۰م؛ حيث قامت بإيقاظ المعتقلين وفتحت عليهم النيران وهم محصورون داخل جدران السجن في مجزرة من أبشع الجرائم الإنسانية، فقتلوا أكثر من ألف شهيد.

ولا بُدَّ أن نذكر هنا أن «الجناح السني» - تشكل طائفة السنة السواد الأعظم من الشعب ويزيد تعدادها على ٨٠٪ - قد غيب عن القيادات الفاعلة في الجيش تغييبًا كاملًا، ولقد كان واضحًا أن العماد مصطفى طلاس، كان وزيرًا بروتوكوليًا للدفاع، ولم يكن للعماد «حكمت الشهابي» رئيس الأركان السابق أيَّ فاعلية تذكر.

شعر حافظ الأسد أن نظرات الأعوان كانت تخفي ما لا تجرؤ على الإفصاح به الجائزة التي كان يشعر كل واحد منهم أنه يستحقها دون غيره بما قدم من خدمات، بأن يكون هو الخليفة من بعده. وأوَّل الطامحين كان أقربهم إليه، شقيقه: «رفعت». وقد ظهر هذا الأمر جليًا في شهر ديسمبر ۱۹۸۳م عندما أدخل الرئيس إلى غرفة العناية المشددة. للغيبوبة التي أصابته؛ حيث دفع رفعت نفسه مدعومًا بكبار قادة الفرق والأجهزة من ضباط الطائفة - إلى مركز القرار خلفًا لأخيه.

مصير المؤامرة الانقلابية

بعد أن أفاق الرئيس من غيبوبته، وأحيط علمًا بما فعل شقيقه ومن حوله أدرك مدى الخطر المحدق به وبنظام حكمه، فسارع إلى تطويق التمرد، فاستدعى ضباط الطائفة الذين أيدوا شقيقه في مسعاه فوبخهم وبين لهم مدى الخطر الذي يمكن يحيق بهم وبنظام حكمه في حال نجح شقيقه مؤامرته فكان أن انقلب هؤلاء ضد رفعت. وبعد ظهر إلى العلن هذا الخلاف قام الرئيس بنفي شقيقه والضباط الذين أصبحوا يناصبون «رفعت» العداء، وعندما عادوا جميعًا إلى دمشق، كان قد تم حلَّ «سرايا الدفاع».

النظرية الأمنية للمشروع العائلي

شكلت الأحداث السابقة الأرضية الصلبة للنظرية الأمنية التي بني عليها مشروعه في جعل الحكم حكرًا عليه وعلى أولاده، لأن البديل – حسب قناعته - كان الدمار له ولأسرته من بعده. 

كان الأسد قارئًا جيدًا لتاريخ من سبقوه ومن عاصروه من الحكام، فقد رأى المصير الذي لحق ستالين في الاتحاد السوفييتي، ورأى ما فعل والسادات، بعبد الناصر، وما آلَ إليه صديقه «شاوشيسكو» زعيم رومانيا.

 أحسَّ الرئيس الأسد أن المرحلة الثالثة، ربما تكون الأكثر ضراوة؛ لأن أحداثها سوف تمتد إلى ما بعد موته؛ حيث سيكون دهاؤه وحنكته قد دفنا معه في قبره. وها هو يرى ما فعله أقرب الناس إليه. 

لقد جعلته سياسته التي تضررت منها قطاعات مهمة من الشعب وأكسبته عداوة جهات كثيرة، داخل سورية وخارجها «الفلسطينيون واللبنانيون ودول الجوار العربي» - يشعر بالحجم الكبير للمشكلات التي تحيط به. وتبعًا لذلك فقد كان يعتقد اعتقادًا راسخًا أن مكانه، إما في كرسي الرئاسة، أو أن مآله سيكون كمصير أعدائه الذين أطاح بهم أثناء زحفه إلى كرسي الحكم. أما أسرته فمكانهم إما في قصر الشعب، وإما في السجون أو المنافي في أحسن الأحوال.

وبناءً على هذه النظرية الأمنية، وفور الانتهاء من تطويق مؤامرة شقيقه بدأ بإعداد ابنه الأكبر باسل، ليكون الحاكم من بعده، وأعد لذلك أجندة. متكاملة، لكن الموت عاجل باسلًا، خلال حياة والده عام ١٩٩٤م في حادث سيارة لم يكشف عن أسبابه حتى الآن بعد موت باسل سارع الأسد، باستدعاء ابنه بشار من بريطانيا - حيث كان يتابع تخصصه في جراحة العيون- وبدأ بإعداده إعدادًا مكثفًا ليكون الخليفة من بعده وبالرغم من قناعة «الأسد» أن «بشارًا»، قدْ يتربص به أعداؤه أو أتباعه المحيطون به على السواء، فقد شعر أن دفع الخطر الأكبر والمؤكد- في حال وصل شخص آخر إلى كرسي الرئاسة - مقدم على الخطر المحتمل. 

أجندة الخلافة

يمكن أن نقسِّمَ هذه «الأجندة» إلى قسمين رئيسين: القسم الأول؛ ويتمثل بإبعاد المنافسين له ولأبنائه عن الطريق، وعدم تمكينهم من إفشال خطته التي حرص على أن يطبقها تطبيقًا صارمًا، وألا يترك لأيِّ احتمال - مهما كانت حظوظه قليلة - أن يعرقل سير هذه الخطة. ولقدْ بينا كيف ضرب أعداءه ومنافسيه دون شفقة أو رحمة. وقدْ رفض أي شفاعة من داخل الحكم وخارجه؛ لكي يخرج صلاح جديد - رفيق دربه - ونور الدين الأتاسي، رئيس الدولة الأسبق من السجن، أما الأتاسي فقدْ فتك به المرض وأخرج من السجن قبل موته بأقل من شهر، وأما صلاح جديد فلم يخرج من السجن إلا ميتًا إلى قبره، أما الإخوان المسلمون، فبالرغم من إشادته بهم في خطابه في ۲۳ مارس ۱۹۸۰م، وقوله صراحةً في ذلك الخطاب عنهم أن لا خلاف لنا معهم إطلاقًا ونحن نشجعهم، فقدْ تم ضربهم بعنف وقامت سرايا الدفاع والوحدات الخاصة بقصف وتدمير أحياء كاملة من مدينة حماة في فبراير ۱۹۸۲م وقتلوا من أهلها أكثر من ثلاثين ألف مدني. وكان قد أصدر قبل ذلك المرسوم التشريعي رقم ٤٩ لعام ١٩٨٠م والذي يقضي بإعدام كل من ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، وتم إعدام الآلاف منهم في سجن تدمر، إنفاذًا لهذا القانون كما قام باعتقال أكثر من عشرين ألف شخص - قسم كبير منهم من الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم السادسة عشرة. ومات منهم الكثير تحت التعذيب ومن بَقِيَ منهم على قيد الحياة أصابتهم الأمراض الفتاكة السارية، ولا يزال منهم الآلاف في سجون «تدمر» و«صيدنايا» و «المزة».

أما القسم الثاني من الخطة؛ فقد عني بإعداد الوريث إعدادًا مكثفًا، واستقدم لذلك الاختصاصيين في كل النواحي التي يحتاجها الرئيس المقبل. وبشكل مواز ٍكان «الأسد» يكلف الخليفة المرتقب ببعض الملفات التي تكون لديه دربة على الحكم مثل: ملف محاربة الفساد، وملف لبنان، وكان من طبيعة النظام أن يترك المجال واسعًا أمام الأعوان الكبار لنهب المال من دوائر الدولة، وفي الوقت نفسه يكون هناك من يحصي على هؤلاء الأعوان سرقاتهم، فإذا تفوه أحدهم بما لا يليق أخرج ملف الفساد، الذي دونت فيه سرقاته وهو لا يدري كما حدث مع رئيس الوزراء السابق الزعبي. 

أما ملف لبنان، فقد كان في عهدة نائب رئيس الجمهورية عبد الحليم خدام ثم سحب منه ووضع بين يدي «بشار». ولقد شكل ملف لبنان حقلًا واسعًا يتدرب فيه الرئيس المرتقب، لاسيما أنه كان يشكل له منصبًا رئاسيًا موازيًا، يختبر فيه قدراته، دون أن يتحمل تبعات الفشل.

الوضع الحالي الشائك

إذا كان الرئيس الأب استطاع أن يتجاوز الذين وقفوا في طريق وصوله إلى كرسي الحكم وبقائه فيه فإن أحدًا لا يمكنه أن يجزم بمقدرة الرئيس الحالي على تجاوز مطبات الحكم، بعد أن ترك له والده إرثًا ثقيلًا، يتمثل بالملفات التي عليه أن يتعامل معها: 

- فهناك ملف الشعب السوري الذي بقي مغيبًا - إلا في الاستفتاءات على الرئاسة فإن حضوره يكون بنسبة %٩٩.٩٩ والذي يعاني من بطالة قدرها المختصون بأكثر من ٣٠٪ من القوة العاملة، وقد تدنت مستويات المعيشة، حتى إن الطبقة الوسطى التي كانت تمثل الأكثرية، اختفت بسبب سياسة الإفقار المنظم خلال ثلاثين عامًا، أما من كانوا يسمون بالإقطاعيين والرأسماليين، فقد تركوا سورية، وحل محلهم إقطاعيون ورأسماليون جاؤوا من صفوف حزب البعث وجنرالات الجيش واستشري الفساد- بسبب تدني الرواتب وضعف القيمة الشرائية لليرة - في صفوف طبقة الموظفين حتى نخر في أهم مؤسستين من مؤسسات الدولة وهما سلك التعليم وسلك القضاء «انظر ما كتبه الدكتور إبراهيم محمد الأستاذ في جامعة تشرين في اللاذقية في جريدة الحياة تاريخ ٩ يونيو ١٩٩٩م».

- وهناك ملف الجيش الذي كان يمثل قلعة الوطنية منذ تشكيله عقب الاستقلال فتحول إلى محطة ينطلق منها الطامحون للوثوب إلى الحكم واتسعت الهوة بين الضباط، ومعظمهم من الطائفيين وبين الجنود الذين كثيرًا ما كان قسم كبير منهم يحول للعمل في مزارع الضباط المتنفذين - فتدنت نتيجة لذلك، إمكانات الجيش القتالية. 

- ولعل أهم ما يواجه الرئيس الجديد الفواتير التي سيطالبه بها من وقفوا إلى جانبه حتى تبوا سدة الرئاسة، وربما لا يقل عن هؤلاء خطرًا من ازيحوا من طريق بشار.

- ولعل ملف المعارضة التي انتهكت بحقها حقوق الإنسان بكافة طيوفها تحتاج إلى دراية واسعة وحنكة من نوع خاص، فإذا كان هذا الملف لا يملك صفة عاجل جدًا، فإنه يمتاز بانه ملف عريض، لأنه يمثل كل الذين تضرروا خلال حكم الرئيس السابق - وما أكثرهم - وعلى رأس هؤلاء، المعارضة الإسلامية. وإذا كانت هذه المعارضة قد تقبل بطي صفحة الماضي والنظر إلى الأمام، فإنها لا تقبل بالإخلال بثوابت الأمة وإن إهمالها أو تهميشها، قد يكون له عواقب وخيمة، لأن هذه المعارضة تشكل صدى لتطلعات الشعب الذي أعمل طويلًا. ولعل هذا الإهمال يلغي في عهد الرئيس الجديد. 

الرابط المختصر :