; في مرآة الوجع.. قانا وأخواتها! | مجلة المجتمع

العنوان في مرآة الوجع.. قانا وأخواتها!

الكاتب سمير عطية

تاريخ النشر السبت 19-أبريل-2003

مشاهدات 58

نشر في العدد 1547

نشر في الصفحة 37

السبت 19-أبريل-2003

في مرآة الذاكرة، وعبر أنوار العيون التي تحدق في نزيف الحلم المقدسي.. عبر هدير من الغضب وصمت يمزق السكون في الأعماق... عبر جرح يمضي وآخر يجيء.. عبر أم تخرج من رحم الوجع، وأخرى تولد مع الثبات.

تعود ذكرى «قانا» هذه الأيام، وخريطة الدماء تمتد عبر تضاريس القصائد العربية، توقظ المتنبي في أرض الرافدين، وتستنهض شوقي في كنانة النيل، تبحث عن شبيه بأبي القاسم الشابي في تونس الخضراء تلك التي لونت قصائدنا بالإباء عبر الشام والجزيرة واليمن نرى رايات الشعراء ترفرف، وتلهج قوافيهم باللهب الذي يغلي في الصدور.

 قانا تعود في مرآة القلوب، وفي شرايين ممتدة تنزف وتنزف، ولذا لا تعجب أن عدت أقرأ عليك قصائد الرثاء.

هو ذات القلم الذي لهثنا خلفه لنكتب شيئًا من رثاء الجراح في جنين، ورعفة الآه في رفح، وسيول من «الأبيات» المتهدمة في نفوس الشعراء من البصرة مرورًا بكربلاء وليس انتهاء ببغداد الرشيد.. لذا لا تسألني عن أشعاري الجريحة اليوم بل تمعن جيدًا في هذا اليراع الذي في يميني و..:

«اسأله عن قانا وعن صبرا التي... عادت إلينا في ثياب أخريات».

بقي أمرُ مهم يتوجب علينا أن نقف عنده، ربما لا يتسع المقام للخوض فيه بتوسع، لكن الأمر يقتضي أن تُذكِّر بأن الشاعر لا يستطيع في خضم التمسك بحبل الأمل المتين والإيمان بالصباح الآتي، ولا يملك أن يخفي أوجاعه الشعرية ودموع قوافيه وهي تنتحب في محطة من محطات الأنين:

جَفتْ ينابيعُ القصائد، آه يا أسفار بَابل
 وتَكَسرَ اللحنُ الجميلُ عَلَى شَجُيرات البَلابل
 وقوافلُ الحقد القَديم تَجيء إِذْ تُمضي قوافل
 وطنٌ يُكَبلُ بالسلاسل كي يموت على المقاصل
كُراسةُ الأطفالِ في قانا تُبعثرُها القَنابل
 والأم تبحثُ في رُكام الدار عَنْ آثار راحلْ
 والحُلمُ حاصرهُ البُكا، والنَّارُ أحرقت السَنابل
 ما عادتْ النجماتُ ترقُصُ كل ليلِ في الجَداول
نَمشي فَتُدمينا الجراحُ على دروبك يا مَنازل
 ونَخوضُ في بَحْرِ الدما والليلُ يعتقل المَشاعَل
 لَمْ يَبْقَ منْ وطني سوى أشلاَء في أَيَدي القبائل
 وحُطامُ أَشْرعة على ميناء هاتيك السواحِل
قانا، دموعٌ لليتامى ألفُ آه للتواكل
 قانا، حقولٌ أجدبتْ ماتتْ بها كُل الأيائل
 قانا، ملايينُ الحروف تضيعُ في وَرَق الرسائَل
 قانا، جَماجم إخوتي، شُربَتْ بها خَمْرُ المحَافَلْ
 قانا، مواويل النحيب تعيش في شفة المُقَاتَل
 والشمسُ في قانا تصبح صباحنا في الأرض زائل
 في كُل يوم دَمعَة حيرى وليس لها مُماثل
 ماتت عناقيدُ الكروم على عناقيد الزلازل

* وقعت مجزرة قانا يوم 18 أبريل 1997م حين لجأ أطفال ونساء وشيوخ من جنوب لبنان إلى مقر للأمم المتحدة حماية من القصف الصهيوني فطاردتهم الطائرات الصهيونية وقتلتهم في «الملاذ الآمن الأممي».

الرابط المختصر :