العنوان محمد صلى الله عليه وسلم- دروس من وفاة صاحب الرسالة
الكاتب علاء سعد حسن
تاريخ النشر السبت 17-نوفمبر-2007
مشاهدات 76
نشر في العدد 1777
نشر في الصفحة 48
السبت 17-نوفمبر-2007
يجب ألا يجزع الإنسان حين تحضره مصيبة الموت أو تنزل بأحد أحبابه أو ذويه.
على المؤمن ألا يستخفه طول الأمل فيظن أنه مخلد في الأرض فإنما هي أنفاس يحصيها عليه ربه.
اللمحة الأخيرة من حياة النبي كانت عاطفية رقيقة مؤثرة في رحاب أسرته.
لا شك أنه ما من أحد أو شيء من خلق الله إلا وهو ميت لا محالة.. ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (العنكبوت:57)، ولا تستثني هذه القاعدة أحب خلق الله على الله من الأنبياء والرسل، وهكذا يخاطب المولى عز وجل نبيه ورسوله محمدًا ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ (الزمر:30).
فإذا كان الموت هو نهاية كل حي. فلا شك أن موت أصحاب الرسالات والدعوات يختلف كل الاختلاف عن موت أحاد الناس، لما فيه موت صاحب الرسالة من الدروس والعبر التي تتناسب مع ما قدموه من عمل ودعوة وجهاد وتضحية على مدار حياتهم كلها.. لتكون الحياة والممات كلاهما في سبيل الله.. مصداقًا لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام:162)
دروس وعظات: لقد كانت وفاة الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه مليئة بالدروس والعظات التي يستفيد منها الدارس، ونحن إذ نتوقف مع بعض هذه الدروس، ندرك أننا لن نلم بها كلها في سطور، لإدراكنا أن سيرة الحبيب المصطفى ﷺ ثابتة الوقائع والأحداث متجددة المعاني والدروس ينهل منها كل دارس بقدر ما يفتح الله عليه من فقه وفهم، فهي مصدر إلهام كامل يتجدد مع الحياة ليجدد حياة السالكين سنة النبي محمد ﷺ والحادين حذوه، والمقتفين سيرته العطرة...
فإذا توقفنا مع بعض الدروس من وفاته، وهو صاحب الرسالة الخاتمة الخالدة، أخذنا منها:
1- الموت مصيبة
فالموت مصيبة حيث يصفها بذلك المولى عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ (المائدة: ١٠٦).. غير أن هذه المصيبة واقعة بكل مخلوق لا محالة، فهي لا تستثني أحدًا، فلا يستدل بها على حب أو بغض، أو قرب أو بعد، ولو استثنى مخلوق من مصيبة الموت لقربه إلى الله عز وجل، ولحبه لمولاه، أو حب مولاه له، لكان محمد ﷺ أولى الخلق بذلك، لكن الله تعالى قضى عليه مصيبة الموت، كما قضاها على كل خلقه فقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ (الزمر:30)
نهاية حتمية: فلا يصح أن يجزع الإنسان حين تحضره مصيبة الموت أو أن يحزن حزنًا شديدًا مخرجًا من الإيمان أو العقل، إذا نزلت تلك المصيبة بأحد أحبابه أو ذويه، فهي في النهاية مصيبة حتمية، ونهاية متوقعة، وما عليه إذ ذاك إلا أن يعمل بتوجيه القرآن الكريم: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة:156).
ووصية النبي ﷺ: «إنا لله وإنا إليه راجعون.. اللهم أجرني في مصيبتي واخلف على بخير منها» ... وليعلم المؤمن أنه بين ثلاثة مواقع لا رابع لها، فإنه إما مودع (بكسر حرف الدال)، أو مودع (بفتح حرف الدال)، أو منتظر ...
وعلى المؤمن كذلك ألا يستخفه طول الأمل، فيظن أنه مخلد في الأرض. فإنما هي أنفاس يحصيها عليه ربه. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (لقمان:34)، والمتتبع القصص الموت القريبة منه والبعيدة، يدرك هذه الحقيقة القرآنية الخالدة التي هي في الوقت ذاته حقيقة كونية ثابتة، فكم من أنفس حركت من أماكن معيشتها ومقامها إلى أرض كتب الله عليهم الموت فيها، وما ظنوا في حياتهم الطويلة السابقة أن يذهبوا إليها يومًا. فإذا بهم يبرزون إلى مضاجعهم لا يتخلفون عنها قيد أنملة.. فمن ذا الذي يتخلف عن أمر الله تعالى وقضائه؟!
2- المرأة (الزوجة والابنة) في حياة النبي ولحظات وفاته...
كانت اللمحة الأخيرة من حياة نبينا محمد ﷺ طبيعية في رحاب الأسرة المنزلية.. بل لمحة عاطفية رقيقة أعمق ما تكون العاطفة، وأعظم ما تكون الرقة.. فإنني لا أركز على مكانة المرأة التي تعرف بداهة أنها في الإسلام شقيقة الرجل وأنها بعض من بعض. ونفس من نفس ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى:11).. بل اتجاوز ذلك مباشرة إلى مشهد الأسرة في حياة النبي ﷺ. إلى هذا الحب العظيم الذي يربطه بزوجته عائشة وابنته فاطمة، وهي الابنة الوحيدة التي تبقت على قيد الحياة حين حضر النبي ﷺ الموت ...
«ولما ارتفع الضحى، دعا ﷺ فاطمة، فسارها بشيء فبكت، ثم دعاها فسارها بشيء فضحكت قالت عائشة: فسألنا عن ذلك - أي فيما بعد فقالت: سارني النبي ﷺ أنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه، فبكيت، ثم سارني فأخبرني أني أول أهله يتبعه فضحكت (۱)، وبشر النبي فاطمة أنها سيدة نساء العالمين» (2)
اللحظات الأخيرة
وفي رواية السيدة عائشة رضي الله عنها عن اللحظات الأخيرة في حياة النبي ﷺ: رجع إلي رسول الله ﷺ في ذلك اليوم حين دخل من المسجد. فاضطجع في حجري، فدخل على رجل من آل أبي بكر وفي يده سواك أخضر، فنظر رسول الله إليه في يده نظرًا عرفت أنه يريده، فقلت: يا رسول الله أتحب أن أعطيك هذا السواك؟ قال: نعم، فأخذته فمضغته حتى لينته ثم أعطيته إياه.. فاستن به کأشد ما رأيته يستن بسواك قط ثم وضعه.
ووجدت رسول الله يثقل في حجري فذهبت أنظر في وجهه، فإذا بصره قد شخص وهو يقول: «بل الرفيق الأعلى من الجنة»
فقلت: خيرت فاخترت والذي بعثك بالحق وقبض رسول الله ﷺ (۳).
وكانت السيدة عائشة تقول: إن من نعم الله علي أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي وفي يومي، وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته (٤).
عاطفة وحب
هكذا كان النبي ﷺ مع أهله، فهو القائل: «خيركم، خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».
لقد كان حبه لأهله عظيمًا، فها هو يهدهد ابنته فاطمة قبل موته، ثم يموت في حجر عائشة رضي الله عنها، لم يمت نبي الأمة في محراب الصلاة، ولا في المسجد، وإنما في حجر زوجته ...
وها هي زوج النبي ﷺ، وأم المؤمنين عائشة، تقدر العاطفة والحب أعظم ما يكون التقدير، فتعبر عن سعادتها البالغة بأن ريقها قد خالط ريق النبي ﷺ قبيل الوفاة.. ما أروع تلك العلاقة التي لا تنفصم بين الزوج وزوجه حتى تكون الخاتمة، وأحدهما يلمس صاحبه.. ليكون آخر عهد الراحل منهما عن الحياة الدنيا، لمسة عهد ووفاء من صاحبه أنه لن ينسى ما كان بينهما من حب وعاطفة وميثاق غليظ، ما شاء الله له أن يبقى بعده في هذه الحياة، ثم هو عهد على اللقاء في اليوم الآخر، فعلاقة الزواج في الإسلام حين يكون كلاهما صالحًا.
علاقة أبدية تتجاوز الحياة الدنيا إلى الخلود الدائم في الآخرة ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ﴾ (الرعد:23)
الهوامش
(۱) صحيح البخاري 2/638.
(۲) الرحيق المختوم للمباركفوري ص ٤٦٨.
(۳) ابن هشام ص 391-392 - الطبري ۱۹۹/۳ - ابن سعد ۲۸۲۷/۲/۲ -دراسة في السيرة ٣٩٥.
(٤) الرحيق المختوم ص ٤٦٩.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل