; فريضة العُمر.. دروس و آداب (2-2) تعظيم الحُرمات | مجلة المجتمع

العنوان فريضة العُمر.. دروس و آداب (2-2) تعظيم الحُرمات

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 27-أكتوبر-2012

مشاهدات 54

نشر في العدد 2025

نشر في الصفحة 46

السبت 27-أكتوبر-2012

·      حُرمات الله كثيرة لا تنحصر في شعائر الحج وتعظيم الحرمات يشمل حياة المؤمن كلها.

·      حفظ حرمة النفس والقرآن الكريم والأنبياء وأصحاب النبي ﷺ.. من الحرمات واجبة التعظيم.

لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك لبيك وسعديك.. والخير بيديك.. لبيك والرغباء إليك والعمل.

هكذا تنطلق التلبية من القلوب المؤمنة التي تركت كل شيء من أجل هذه اللحظات الغالية اقتداء بالنبي وصحبه الكرام، تتردد تلبيتهم استعدادًا لأداء نسكهم، وتعظيمًا لحرمات ربهم وشعائره، وتأكيدًا لتلك المعاني العظيمة والقيم الخالدة واختبارا لصدق نفوسهم.

وفي مثل هذه المواقف تبلى السرائر وتختبر النفوس وتصدق المحاسبة ويتبين الزيف من الحقيقة، ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ (الحج: 32)، ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ (الحج: ٣٠).

 تعظیم واجب

قد يظن بعض الحجاج أن تعظيم الحرمات إنما يكون بتعظيم بيت الله الحرام عند الوصول إليه، وأثناء إقامته في تلك البقعة الطاهرة حتى يرجع، وهذا صحيح بل واجب أوجبه الله، فحرمة مكة وبيت الله الحرام لا مرية فيها ولا جدال، فالنبي يقول: «إن هذا البلد حَرَّمَهُ اللهُ، لَا يُعْضَدُ شوكه، ولا يُنَفَّرُ صَيْدَه، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها» (البخاري)، ويقول: «المدينة حرم من كذا إلى كذا، لا يقطع شجرها، ولا يحدث فيها حدث من أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» (رواه البخاري)، والله تعالي يقول: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ (الحج: ٣٠)، وقد ذهب قوم إلى أن معنى الحرمات هاهنا: المناسك بدلالة ما يتصل بها من الآيات، وأنها أفعال الحج المشار إليها في قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (الحج: 29)، ويدخل في ذلك تعظيم المواضع. قال النيسابوري وتعظيمها العلم بوجوبها -أي بوجوب حرمتها- والقيام بحقوقها. وقال قوم المحارم ها هنا المناسك ومشاعر الحج زمانًا ومكانًا. قال ابن زيد «الحُرمات هاهنا: البيت الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام والمسجد الحرام والإحرام، والمسجد الحرام، والإحرام».

لكن حرمات الله كثيرة، لا تنحصر في ذلك، وتعظيم الحرمات يشمل حياة المؤمن كلها.

 المؤمن وتعظيم الحرمات

وتعظيم الحرمات إنما يشمل حياة المؤمن كلها، وإن كان يختلف من مكان لآخر ومن وقت إلى وقت، فيكون في وقت الحج ما ليس في غيره، ومن هنا تعددت الأقوال في الحرمات واتسع مفهومها ليمتد إلى الأوامر والنواهي، وما يتبع ذلك من طاعة أو معصية، «ومن يعظم حرمات الله» أي معاصي الله وما نهى عنه، وتعظيمها ترك ملابستها.

قال الليث: حرمات الله ما لا يحل انتهاكها. وقال الزجاج: الحرمة ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه، وقال ابن كثير: «تعظيم الحرمات اجتناب المعاصي والمحارم، بحيث يكون ارتكابها عظيمًا في نفسه». ومن يجتنب معاصيه ومحارمه ويكون ارتكابها عظيمًا في نفسه «فهو خير له عند ربه».

وقال مجاهد: الحرمة مكة والحج والعمرة وما نهى الله عنه من معاصيه كلها. وقال الزمخشري: «الحرمة ما لا يحل هتكه، وجميع ما كلفه الله تعالى بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها»، وقال ابن عاشور: الحرمات تشمل كل ما أوصى الله بتعظيم أمره، فتشمل مناسك الحج كلها وغيرها أيضًا.

وها هم ضيوف الرحمن يعظمون حرمات الله المتعلقة بالمناسك، ويعظمون حرمات الله في أنفسهم، حيث تتجلى الطاعة في أعلى معانيها مع كل شعيرة يؤدونها، وكل لحظة تمر عليهم فهم ما بين ذاكر وقائم يغتنمون الفرصة ويتعاونون على البر والتقوى قلوبهم شاكرة وألسنتهم ذاكرة، فقد تجردوا عن الملذات ولبسوا ملابس الإحرام التي تذكرهم بالقدوم على الله، ومن تلك الرحلة يرجعون بثمرة الطاعة، وقد نؤوا بأنفسهم عما يغضب الله من المعاصي والآثام فاجتنبوها، فحق لهم أن يولدوا بفضل الله من جديد.

وكأن الحاج يجدد في حجه تلك المعاني حين يرى بيت الله الحرام، وحين يمشي في بلده الحرام مع ضيوف الرحمن، فتذكره حرمة الكعبة حرمة أخيه المسلم، دمه وماله وعرضه، ويذكره قبوله على ربه بتقصيره في اتقاء المحارم والنظر إلى حجم ذنوبه ومعاصيه ويرى في تعظيم حرمات الله ضرورة حفظ النفس عن الهوى، ومنع الجوارح عن الانزلاق في مهاوي الردى بالذنوب والمعاصي، وهذا ما فهمه أصحاب النبي ، فعبدالله بن عمر رضي الله عنهما نظر يوما إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمنون عند الله أعظم حرمة منك»، وكانوا لا يستصغرون ذنبًا وإن دق، فكان أنس رضي الله عنهما يقول: «إنكم لتعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد النبي من الموبقات». وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: «إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به - وأشار بيده هكذا».. وقال الفضيل بن عياض -رحمه الله- «بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم عند الله وبقدر ما يعظم عندك يصغر عند الله»، فكانوا يجعلون من تعظيم الخالق سبحانه دافعا للبعد عن الذنوب واستعظامها، وفي هذا قال بلال ابن سعد : لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى من عصيت».

دروس وعبر

وإذا كانت الحرمات - كما قال ابن القيم هي ما يجب احترامه وحفظه من الحقوق، والأشخاص، والأزمنة والأماكن، فتعظيمها توفيتها حقها، وحفظها من الإضاعة، وإنه ليجب على كل مسلم تعظيم حرمات الله.

ويدخل في ذلك تعظيم القرآن الكريم قال النووي رحمه الله: «أجمع المسلمون على وجوب تعظيم القرآن العزيز على الإطلاق وتنزيهه وصيانته». وقال القاضي عياض رحمه الله: «من استخف بالقرآن أو بالمصحف أو بشيء منه، فهو كافر بإجماع المسلمين».

ومن تعظيم حرمات الله حفظ حرمة الأنبياء وإجلالهم وعدم الإساءة إليهم وألا يخاض في أعراضهم، بل يجب الدفاع والذب عنهم، والدعوة إلى دعوتهم وبيان سيرتهم وأخلاقهم، والسير على طريقهم، وإن تطاول البعض عليهم وجب التصدي له ومقارعته بالحجة والبرهان والحوار والبيان وغيره من وسائل الدفاع.

وكذلك حفظ حرمة أصحاب النبي الذين اختارهم الله لصحبة نبيه ورضي عنهم وأرضاهم، قال النبي ﷺ: «لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم، ولا نصيفه» (رواه مسلم).

كما أن للمسلم حرمة يجب حفظها، قال النبي ﷺ: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه (رواه مسلم). وقال: «قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا» (صححه السيوطي - الجامع الصغير). قال بعض السلف: «ما انتهك المرء من أخيه حرمة أعظم من أن يساعده على معصية ثم يهونها عليه».

ولبعض الأيام والشهور مزية وفضل وحرمة ينبغي أن تحفظ كشهر رمضان والأشهر الحرم ويوم عرفة وعاشوراء ويوم النحر وأيام التشريق.

------------------------------

المصادر

 1- تفاسير القرآن الكريم (ابن كثير، القرطبي، الطبري).

2- موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ج 9.

3- موقع الدرر السنية (الموسوعة الحديثية).

4- مدارج السالكين في شرح منازل السائرين المجلد الثاني ص ٦٥.

الرابط المختصر :