; حلية الدعاة إلى الله (2) | مجلة المجتمع

العنوان حلية الدعاة إلى الله (2)

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 10-نوفمبر-2007

مشاهدات 76

نشر في العدد 1776

نشر في الصفحة 52

السبت 10-نوفمبر-2007

الداعي إلى الله يجب أن يكون داعيًا ربانيًا.. الله غايته والإسلام طريقه ومنهجه ورسول الله  قائده ومرشده يقدم قدوة صالحة للناس من حلية الدعاة إلى الله حوله عامة ولمن يدعوهم خاصة؛ لأن العيون ترصده وخطى الناس تتبعه، والكل يرنو إلى محاكاته، فمهمته عظيمة وكلمته أمانة ووظيفته مسؤولية، ومن هنا كان لا بد له من جملة أخلاق يسبق بها غيره وتزكو بها نفسه لتقدر على الخلاص من عوائق الطريق وعوالقه.

الإخلاص.. وحسن الصلة بالله

قاموس الأخلاق كبير: إن على كل من سلك درب الدعوة وسار في طريقها أن يعلم أن القاموس الذي يشمل أخلاق الإسلام كبير، واسع الأبواب متعدد الفصول، وكل داع يحتاج إلى مزيد من هذه الأخلاق العالية التي تتناسب مع علو مهمته، ليسع بها جميع المدعوين على تفاوت أفهامهم واستجاباتهم، واختلاف سجاياهم وطباعهم، فهل يتصور داع غير متواضع أو يغضب لأتفه الأسباب، أو يدعو الناس وينسى أهل بيته وأسرته؟! وهل يكون المرء داعيًا إذا كان قاسي القلب لا يرحم؟ وهل يكون داعيًا إذا كان كل همه ثناء الناس عليه ومدحه بما يقول وبما ليس فيه؟

إنني أظن أن الداعية الذي لا يمتلك رصيدًا كبيرًا من الأخلاق الحسنة لن يحصد ثمارًا طيبة وفيرة كغيره ممن يمتلك منها المزيد، لأنه يجب عليه أن يفعل ما يأمر الناس به وإلا تعرض لمقت الله، وكانت النتيجة عكسية تتمثل في عدم ثقة المدعوين به وعدم استجابتهم لما يدعوهم له وكانت كلماته جوفاء لا روح فيها...

والداعي في حاجة دائمة لمراجعة نفسه وإلزامها التخلق بالأخلاق التي تليق به كداعية، حيث يمثل بحسن خلقه والتزامه دعوة بلا كلمات وعملًا قد يرجح على كثير من الأقوال والمقالات لأن كل كلمة يتفوه بها محسوبة أمام القوم عليه، وكل فعلة يفعلها توزن عندهم بميزان العين، وهو على ثغرة يحميها بإيمانه وحسن خلقه، فإن فاته ذلك انكشف، وصد عن سبيل الله من حيث لا يدري، فليحذر ذلك.

أخلاق الداعي وصفاته..

ولقد ضرب لنا رسول الله  القدوة الحسنة في أخلاق الداعي إلى الله، فكان المثل الأعلى للمسلمين في كل شيء، وقد شهد له أعداؤه قبل أتباعه بذلك، فكان بحق الصادق الأمين.

والمتتبع لآيات القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والباحث في السيرة المطهرة يجد فيها ما يدل على صفات الداعي إلى الله وما يتحلى به من أخلاق هي جزء لا يتجزأ من دعوته، ولا تقل أهمية عنها بحال من الأحوال

ومن هذه الأخلاق: 

إخلاص النية في دعوته.. 

وحاجة الداعية إلى الإخلاص أكبر من غيره، أولًا ليقبل عمله ويرفع كلمه الطيب، ثانيًا حتى يأتيه العون والقوة من الله الإبلاغ الأمانة الثقيلة، وذلك بأن يجعل كل أعماله وأقواله لله سبحانه وتعالى ابتغاء مراته وليس طلبًا للرياء والسمعة أو المدح والثناء والشهرة.. ليكون لكلماته صدى في الوجدان، وتأثير في النفوس ووقع على قلوب السامعين.. فهو يتجرد من كل المصالح الشخصية والأهواء النفسية والنظرات الدنيوية.. وهذا واجب في جميع الأعمال، وشرط من شروط قبولها ومطلوب من كل مسلم كذلك.. قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ﴾ (البينة: ٥).. وجاء في الحديث الشريف: إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا، وابتغي به وجهه «النسائي».. 

وهذا هو رسول الله  يقول له ربه -عز وجل-: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ( الأنعام: 162-163).

أي قل لهم يا محمد إن ﴿صَلَاتِي﴾ التي أعيد بها ربي ﴿وَنُسُكِي﴾ أي ذبحي ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ أي حياتي ووفاتي، وما أقدمه في هذه الحياة من خيرات وطاعات ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي ذلك كله خالص له، دون ما أشركتم به ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾: أي لا أعيد غير الله ﴿وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ﴾: أي بإخلاص العبادة لله وحده أمرت (۱).

وقد فهم السلف ذلك فقال بعضهم: من سره أن يكمل له عمله فليحسن نيته، فإن الله -عز وجل- يأجر العبد إذا حسنت نيته حتى باللقمة، (۲).

والإخلاص بلا شك يحتاج من الداعي قوة إيمانية كبيرة ومجاهدة للنفس لا تنفك عنه ليل نهار.. وفي هذا يقول الشيخ الغزالي يرحمه الله: الإخلاص لله روح الدين ولب العبادة وأساس أي داع إلى الله (۳).

فليحذر كل داع إلى الله الرياء والأغراض الدنيوية، وليخلص نيته في الدعوة إلى دين الله.. ليحظى عمله بالقبول.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسول الله : «قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أغنى الشركاء عَنْ الشَّرْكَ مَنْ عَمِلَ عَمَلا أشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» «مسلم».

وعليه -حين يطلب العلم لدعوته- أن يخلص في طلبه، فقد حذر النبي من ذلك فقال: «من طلب العلم ليباهي به العلماء أو ليماري به السفهاء أو يريد أن يقبل بوجوه الناس إليه أدخله الله جهنم» «سنن الدارمي».

وفي هذا قال الصحابي الجليل عبدالله ابن مسعود: « لا تعلموا العلم لثلاث لتماروا به السفهاء، أو لتجادلوا به الفقهاء أو لتصرفوا به وجوه الناس إليكم، وابتغوا بقولكم وفعلكم ما عند الله، فإنه يبقى ويذهب ما سواه» (٤).

حسن الصلة بالله..

وهذه الصلة ذاتها هي التي يدعو إليها الداعي، وعليه أن يأخذ نفسه بها قبل دعوة غيره لها، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وهي نوع راق من تربية النفس على الإيمان الصادق بالله، والعمل الصالح الخالص، كما أنها محطة دائمة من محطات الشحن لتلك النفس بالوقود اللازم لتنتقل من مرحلة النفس الأمارة بالسوء، إلى النفس اللوامة ثم المطمئنة، فتركب قطار الدعوة وقد تزودت للرحلة بما تحتاجه من زاد الأرواح المقوي للهمم المساعد على الوصول بسلام.

وقد ضرب لنا رسول الله  أروع الأمثلة في حسن الصلة بالله عز وجل، وهو سيد الدعاة وأفضلهم، وهو المغفور له خير من عبد الله عز وجل، وأتقانا لله، وأكثرنا له خشية.. يقول ربنا سبحانه وتعالى له: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ (المزمل: ٥)، وذلك بعد أن أمره بالتزود وأخذ العدة لقوة الروح في الطريق، فقال له: والنفس التي تصحبه في الطريق فقال له: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ  قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (المزمل: 1-2)

فنجده يتعبد ويقوم الليل حتى تتورم قدماه أكثر الناس جودًا وكرمًا، وأكثرهم من الله قربًا، فلم يفتر لمكانته، ولم يفتر منزلته يؤدي الفرائض، ويكثر من النوافل يزور القبور ويذكر ربه ويستغفره، ويلجأ إليه ليعينه، فيدعوه في الرخاء كما يدعوه في الشدة، ليكون على صلة وثيقة به -عز وجل-.

وهذه التربية الربانية تساعد على الإخلاص في الأعمال والأقوال، وتعين على إتمام العمل وإتقانه، وتقوي صلة الداعية بريه ومولاه ومعينه، فيعيده كأنه يراه ولا شك أن كل ذلك زاد للدعاة ويصب في مصلحة الدعوة.. ومن الخطأ أن يظن الداعي أنه لا حاجة له بذلك، ويكتفي بمقام الدعوة، ويتنازل عن تلك المقامات الرفيعة التي هي منبع من منابع الري له في دعوته وسبيل من سبل قيامها.

ولأن الداعي حامل للقرآن ومبلغ للعلم ينبغي أن يكون -كما قال الفضيل بن عياض- يرحمه الله-: حامل القرآن حامل راية الإسلام، فلا ينبغي أن يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يلغو تعظيمًا لحق القرآن (٥).

وكما قال ابن مسعود: ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون وبخشوعه إذا الناس يختالون، وينبغي الحامل القرآن أن يكون مستكينًا لينًا، ولا ينبغي أن يكون جافيًا، ولا مماريًا ولا صياحًا ولا صحابًا ولا حديدًا، (٦).

الهوامش

1- الشيخ محمد علي الصابوني صفوة التفاسير، ج ١ الطبعة الرابعة، دار القرآن الكريم بيروت، ۱۹۸۱م، ص ٤٣١.

2و4- الإمام الحافظ زين الدين عبد الرحمن ابن شهاب الدين بن رجب جامع العلوم والحكم ج 1- الطبعة الثالثة تحقيق شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس، مؤسسة الرسالة بيروت ۱۹۹۱م، ص ۷۱ ص ۷۸.

3- الأستاذ نعيم يوسف الداعية إلى الله، مقوماته وصفاته الطبعة الأولى دار المنارة المنصورة ٢٠٠١م، ص ١٦.

5- الإمام أبو حامد محمد الغزالي، إحياء علوم الدين، ج ۱، تحقيق سيد بن إبراهيم ابن صادق بن عمران دار الحديث القاهرة ۱۹۹۸، ص ۳۸۳.

6- المرجع السابق، ج ۱، ص ٣٨٤.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 16

1012

الثلاثاء 30-يونيو-1970

لست أدري؟! صبيان الحــمراء

نشر في العدد 71

129

الثلاثاء 03-أغسطس-1971

أكثر من موضوع (العدد 71)