العنوان المجتمع الثقافي العدد 1625
الكاتب مرزوق العمري
تاريخ النشر السبت 30-أكتوبر-2004
مشاهدات 50
نشر في العدد 1625
نشر في الصفحة 56
السبت 30-أكتوبر-2004
الخطاب المسجدي في الفضائيات العربية
لقد استبشر المسلم خيرًا بالفضائيات العربية كأداة إعلامية تمكنه من الاطلاع على واقع المسلمين والدعوة الإسلامية في مختلف الأقطار العربية والإسلامية. ولعل أهم أداة دعوية صار في مقدور المسلم أينما كان الاطلاع عليها ومتابعتها بشكل مباشر الخطاب المسجدي الذي لم يتيسر لوسائل الإعلام المكتوبة أن تنقله للقارئ المسلم.
الخطاب المسجدي الذي يتمثل أساسًا في خطبة الجمعة ومختلف الدروس المسجدية التي تبثها الفضائيات العربية عادة بثًا مباشرًا، هو في حقيقته موجه للمسلم الشغوف بالاطلاع على وضع المسلمين والدعوة الإسلامية كما هو موجه لغير المسلم الذي لديه اهتمام بالإسلام، إن دارسًا وباحثًا عن حقيقة أو متتبعًا يملك اهتمامات أخرى بواقع الإسلام والمسلمين.
رؤية إسلامية سليمة
ومن ثم ينبغي أن يكون الخطاب المسجدي متنوع المضامين متين اللغة مختلف الأبعاد، حتى يصل إلى المبتغى الذي هو تكوين رؤية إسلامية سليمة للمسلمين المتتبعين له، ويرغب المتتبعين من غير المسلمين في العالم في الإقبال على الإسلام، وذلك بتجلية حقائقه وفضح أباطيل خصومه، وتقديمه في صورته السماوية التي لم تشوهها سلوكيات البشر.
ويكون كل ذلك في مستوى التحديات الحضارية التي يواجهها الوجود الإسلامي في مستوياته المختلفة، ولذلك فالدور المنوط بهذا الخطاب دور حضاري عظيم. لكن ما يلاحظ على هذا الخطاب أنه مازال لم يلب رغبة وحاجة المهتمين بالإسلام من المسلمين، ومن غيرهم سواء من حيث نوعية المواضيع التي يتناولها أو من حيث لغة الخطاب أو من حيث اهتمامه بالراهن الإسلامي في قضاياه الدينية والعلمية والحضارية العامة.
فالمواضيع التي تتناولها خطب الجمعة وهي الواجهة الرسمية للخطاب المسجدي في الفضائيات العربية مواضيع تقليدية في معظمها ولا ترقى إلى مستوى الاهتمام الإسلامي المعاصر فهي غالبًا ما تكون مواعظ قصيرة تتمثل في تفسير آيات قرآنية أو شرح أحاديث نبوية شرحًا كأنه للاستئناس بعيدًا عن إبراز ما فيها من مسائل علمية يمكن أن توظف في صناعة التصور الإسلامي.
هذا لا يعني الدعوة إلى تغييب المواعظ والترغيب والترهيب من هذه الواجهة الإعلامية، بل أمر لابد منه، لكنه يا حبذا أن يكون من النوع الذي قام به الشيخ الشعراوي في دروسه الخاصة بتفسير القرآن الكريم، والتي تبثها الفضائية هي المصرية والتي يعتمد فيها ثنائية العقل والقلب فمن جهة يخاطب العقل بإبراز ما تضمنته تلك النصوص من مادة علمية بحتة ومن جهة ثانية يخاطب القلب بإبزاز ما تضمنته النصوص نفسها من مواعظ وترغيب وترهيب، فكانت إفادة هذا النموذج، حتى صار يشكل أمرًا محوريًا في اهتمامات المشاهدين، أو تكون خطب الجمعة النوع الذي يقوم به الشيخ القرضاوي والذي تقوم ببثه الفضائية القطرية.
لغة الخطاب
أما لغة الخطاب، فكثيرًا ما تطبع باللهجات المحلية.
وكان ينبغي أن تكون باللغة العربية الفصحى، لأن الوسيلة الإعلامية التي يتعامل معها هذا الخطاب وتتعامل معه تتجاوز الحيز المحلي إلى العالم ولأنها أداة إبلاغ محكمة ومفرداتها تصور المشاهد بدقة وتبين الأحكام بضبط متناه وقبل كل ذلك فهي لغة الوحي التي كتبت بها نصوصه وإتقانها شرط في فهمه وشرط في محاولة استنباط أحكامه.
كما أن المواضيع الحساسة التي تشغل الراهن الإسلامي والتي تشكل أهم التحديات التي يجابهها العقل المسلم مغيبة إلى حد بعيد في هذا الخطاب ومن هذه المواضيع:
1. العولمة: إن هذه الظاهرة موجة عالمية تسعى إلى اكتساح مناحي الحياة المختلفة من سياسية واجتماعية وثقافية ودينية فهي تهدف إلى جعل أبناء العالم جميعًا لهم رؤية واحدة لهـذه الميادين أو تكون معالجتهم لها موحدة من خلال مناهج معينة تفرض بكيفيات مختلفة، ومن خلال تعميم قضايا تافهة وجعلها محل اهتمام الرأىّ العام العالمي والاستهانة بأمور عظيمة ومحاولة حصرها في إطار إقليمي كقتل الفلسطينيين كل يوم، كما تعمل هذه الظاهرة على إلغاء الخصوصيات المختلفة للأمم والشـعوب والحضارات، وفي ذلك ما يخالف التصور الإسلامي، لأن الإسلام لا يجيز ذوبان المسلم في غيره بل ما ينبغي أن يكون هو العكس، لأنه: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ (آل عمران: 85).
إن هذه الظاهرة التي تشكل إحدى موجات التحدي العالمية يمكن أن تكون محل اهتمام الخطاب المسجدي بالتحليل والتفكيك وإبراز مواطن السلب والإيجاب فيها.
2. ظاهرة التنصير: التي يتعرض لها المسلمون في مختلف بقاع العالم والتي تستهدف الإسلام في صميمه، إنها تعمل على هدم العقيدة الإسلامية في المسلمين واستبدال العقيدة المسيحية بها وترصد لذلك مختلف الوسائل خاصة الوسان الإعلامية التي تصل إلى مبتغاها بشتى الطرق، وتلقى الاستجابة الكبيرة لدى محدودي الثقافة من المسلمين فينساقون وراءها معتقدين أنها الصواب كما تستغل ظروفهم الاجتماعية ووضعياتهم المالية البائسة لتمرير هذه المشاريع، أما الذين أدركوا هذا الخطر ويعملون على مجابهته فهم كما قال عنهم الشيخ الغزالي والأقليات الإسلامية في العالم تتآكل تآكل اليابسة أمام اللجج العانية وتكاد تعجز عن المقاومة وهي لا تجد العون من أحد (1 )
إن الخطاب الإسلامي في وسائل الإعلام على عاتقه مهمة الدفاع خاصة المسجدي منه تقع على عاتقه مهمة الدفع عن هؤلاء المسلمين والوقوف إلى جانبهم والاهتمام بأمرهم بتعليمهم أمور دينهم، وفضح ما يحاك ضدهم، ودعوة الهيئات الإسلامية في العالم بأن تقدم العون المادي والمعنوي لهم.
3. الانعكاسات المختلفة لسياسة التطبيع:
التي تعرفها الكثير من الأقطار الإسلامية، والتي باتت تشكل خطرًا حقيقًا ومنفذ فساد طال الواقع الإسلامي، وزعزع كيان المسلمين.
وهذه الانعكاسات كثيرة منها ما يتعلق بالتصور الإسلامي الذي صار مهددًا، فعلاقة المسلم باليهودي بينها القرآن الكريم: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۖ﴾ (المائدة: 82) وعليه فمحاولة قبول اليهودي محاولة لوضع الشيء في غير محله، لأن الأمر لا ينسجم مع التصور الإسلامي الذي رسخه القرآن الكريم.
وتتجلى هذه الانعكاسات بشكل أخطر في ظاهرة زواج أبناء بعض الدول الإسلامية من النساء الإسرائيليات ( 2)، وهذا أمر غاية في الخطورة، لأنه يترتب عليه اختلاط الأنساب ويتعذر ساعتها حفاظ المسلمين على إسلامهم.
إن هذه الوضعيات التي كانت نتائج أفرزتها سياسة التطبيع ينبغي أن تحظى بعناية الخطاب المسجدي في الفضائيات العربية حتى تبين للمسلمين مخالفة هذه الوضعيات لدينهم.
4. المحاولات الحديثة لقراءة النص الديني: وهي محاولات يسعى أصحابها إلى قراءة النص الشريف بغير وسائله وأدواته وبغير المناهج التي وضعها علماء الإسلام وحددوا ضوابطها، وكل ذلك باسم العلمية، وقد أدت هذه القراءات إلى رؤى تخالف الشرع في مجالات كثيرة فبعضهم قال بظرفية النصوص وأنها مرتبطة بوقت، وبحدث معين لا تتجاوزه هو سبب النزول ( 3)
وترتب على ذلك القول بتعطيل الأحكام والطعن في إجماع المسلمين عبر تاريخهم الطويل وادعاء تاريخية المرجعية الإسلامية، وهذا أمر أيضًا بين الخطورة لما فيه من محاولات لفصل المسلمين عن مصادر تشريعهم، وقطع صلتهم بالوحي وإبعادهم عنه وهذا إلغاء تدريجي للهوية الإسلامية.
وأحسب أن هذه القضية أخطر من القضايا السابقة لأنها موجهة للنخبة الإسلامية، وإذا زعزعت النخبة يسهل أمر الأتباع
وأخيرًا فإن مثل هذه التحديات هي تحديات خطيرة يواجهها الوجود الإسلامي ويجب أن تكون محل اهتمام الخطاب المسجدي في الفضائيات العربية يجب أن تكون هذه التحديات محل اهتمامه أيضًا. لأنه يشكل جبهة إعلامية تتصدى لكل ما يمس الإسلام والمسلمين.
الهوامش:
- الشيخ محمد الغزالي: صبيحة تحذير من دعاة التنصير، الطبعة الأولى 1992م، دار الإنتفاضة، الجزائر، ص 115.
- موضوع الزواج من الإسرائيليات نشرته جريدة الشروق اليومي الجزائرية في عددها 128 الصادر في 8 أبريل 2001م.
- محمد سعيد العشماوي: الإسلام السياسي، طبع المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، وحدة الرغاية، الجزائر 1990 ص52.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل