; العجائز في العصر الذهبي الأمريكي | مجلة المجتمع

العنوان العجائز في العصر الذهبي الأمريكي

الكاتب د. حمدي حسن

تاريخ النشر الثلاثاء 24-أغسطس-1993

مشاهدات 22

نشر في العدد 1063

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 24-أغسطس-1993

ترى لو خلع التحالف الدولي في الصومال أرديته وأقنعته واحدًا واحدًا ماذا سيبقى من التحالف لو سقط الرداء العربي والإسلامي فالأوروبي فالدولي واحدًا خلف الآخر؟ شيء واحد سيبقى هو الذي يرتديها جميعًا ويمارس إرادته وسيادته من ورائها: السيد الأمريكي.

واضح تمامًا أن أمريكا هي التي تملي إرادتها على الجميع، وما على المجتمع الدولي إلا أن يسمع ويطيع.. نفذ ثم اعترض، على الطريقة العسكرية، والذي يحاول في ذلك فلينظر كيف كان السيد غالي يجلس في حضرة السيد بوش تمامًا كالتلميذ الصغير في معهد سري كبير. لم يحتج التحالف الدولي في الصومال إلى أكثر من قرار أمريكي.. كان الأمر مفاجأةً للجميع. وتسارع الحلفاء الدوليون بعضهم رغبةً وبعضهم رهبةً إلى الطابور.. لملموا لباس الحرب وطاروا على جناح السرعة مع الأمريكان إلى الصومال.. الدول الأوروبية خافت أن تفوتها حصتها من "تورتة" الصومال -ولعل الشهوة الاستعمارية لا تزال مشتعلة كالجمر تحت رماد التاريخ في ذاكرة الطامحين- فاندفعوا بلا تفكير خلف الرائحة الصومالية، وبدون حساب دقيق للإيجابيات والسلبيات.

الأزمة الأمريكية الإيطالية الأخيرة أثبتت أن الأوروبيين وقعوا في مقلب أمريكي، وكان عليهم التريث والاتفاق على القسمة قبل الانطلاق.. آه يا زمن العجائز! ذهب العصر الذهبي للأوروبيين.. حين كانت أوروبا هي الصياد الوحيد في أدغال الصومال، ومن أجل قرني عاج يحرقون الغابة ويقتلون الأفيال.. لم يعد هناك صومال إنجليزي وصومال فرنسي وثالث إيطالي.. الصومال اليوم واحد، أمريكي فحسب.. والفرقاء الأوروبيون ليسوا أكثر من رداء تلبسه أمريكا متى شاءت وتخلعه متى تشاء.. إنجلترا «كبّرت مخّها»، واعتبرت أن أمريكا اليوم هي إنجلترا الأمس، وأن الثقافة والحضارة التي انتصرت في أمريكا هي ثقافتها وحضارتها، وإذا كبر ابنك افرح له، فماله مالك، وعزه عزك.

أما الفرنسيون والطليان والألمان فحساباتهم مختلفة.. ولعل هذا هو الذي يحفز أوروبا اليوم لتكون كيانًا واحدًا «الولايات المتحدة الأوروبية» مقابل «الأمريكية» ولتواجهها مواجهة الند للند.. ترى إلى أي حد وإلى أي مدى تستطيع أمريكا أن «تحوش» أوروبا معها وتحشدها في تحالفاتها ولصالحها؟ قد تتفق المصالح مرة ومرة.. ولكنها لابد أن تختلف.. الثقافات، القوميات، التاريخ، الطوائف، الكنائس، اللغات، كلها قنابل موقوتة مزروعة في جسم تحالفاتهم، ولابد أن ترفع رؤوسها مرة وتعلن عن ذاتها وتنفجر.. مرة واحدة تكفي لرسم خريطة جديدة للأرض وربما للفضاء أيضًا بعد تسليح النجوم!

إيطاليا قالت إنها ستسحب قواتها من مقديشو إذا تفاقم الخلاف، ولكن ستبقيها في الشمال فلن تتخلى عن الصومال! فما رأي الجنرال واشنطون بهذا العسكري المتعالي؟ أرى أن على أوروبا أن تفكر مليًا قبل أن تمشي وراء الجنرال؛ ليس لأنه من العار على جنرالات التاريخ أن يصبحوا جنودًا وبنادق بين ليلة وضحاها، بل لأن الإنسان يكبر كلما شاخ، أما أن يصغر فهذا ضد حركة العقل وضد حركة التاريخ.

وأيضًا لأن غرور الجنرال الأمريكي بنفسه وقلة خبرته الاستعمارية وخاصة في العالم الإسلامي ربما يوردهم المهالك.

فهل يقبل جنرالات الماضي هذا الدور الصغير عند شيخوختهم؟ الأمر يعود إليهم. لكن يجب ألا يستمعوا لنصيحة واشنطن كثيرًا.

فما كلُّ ذي لبٍّ بمؤتيكَ نصحَهُ                              وما كلُّ مؤتٍ نصحَهُ بلبيبِ

اقرأ أيضًا:

 أرض الصومال على وشك السقوط في المستنقع الصهيوني!

الرابط المختصر :