; حوار مع الشاعر عبد الرحمن يوسف القرضاوي | مجلة المجتمع

العنوان حوار مع الشاعر عبد الرحمن يوسف القرضاوي

الكاتب حسن علي دبا

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يوليو-1993

مشاهدات 26

نشر في العدد 1057

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 13-يوليو-1993

حوار مع الشاعر عبد الرحمن يوسف القرضاوي
حالة الكاتب هي حالة الولادة
حوار: حسن علي دبا

في سلسلة لقاءاتنا مع الشعراء الإسلاميين في محاولة لاستبطان التجربة الإبداعية لديهم كان هذا اللقاء مع الشاعر عبد الرحمن يوسف القرضاوي، وقد بدأته بالسؤال عن لحظات البدء الشعري لديه فقال:

بدايات القول الشعري

بدأت كتابة الشعر منذ الطفولة من المرحلة الابتدائية.. وكنت في تلك الفترة أكتب بعض الخواطر، وكنت أظنها قصائد. وحين علمت أن ما أكتبه ليس بشعر توقفت عن الكتابة، وكأني قد يئست ولم أكن أدرك حينذاك أن ما كتبته في تلك الفترة من الممكن أن يستشف منه أهل الخبرة عاطفة جياشة وحسًّا مرهفًا يؤهل صاحبه لأن يكون شاعرًا جيدًا.

وبعد توقفي لعدة سنوات ألحت على مشاعري، وأصرت عواطفي على أن تخرج شعرًا حقيقيًّا، وبالفعل عدت للكتابة عودة قوية مقارنة بالمرحلة الأولى، وكان عمري حينذاك حوالي 15 عامًا، في نهاية المرحلة الإعدادية.

الشعر موهبة ودربة

المجتمع: في تصورك أن الموهبة قد فرضت عليك العودة أم أنك قد أدركت سر صنعة الشعر فعادت كتابة الشعر قوية؟

عبد الرحمن يوسف: لابد من أن نحدد المفاهيم: فما معنى الموهبة؟ وما معنى الصنعة؟ الموهبة في رأيي هي وجود مؤهلات الإبداع في الشخص، فالرسام مثلًا لابد أن يكون موهوبًا بأصل خلقته، أي أن مؤهلات الإبداع في مجال الرسم قد خلقها الله فيه، ويبقى هنا على هذا الشخص أن ينمي تلك الموهبة ويمارس هذا الفن لكي تزداد خبرته وتزداد إجادته لهذا الفن، وقس على ذلك كل الفنون ومنها الشعر، فلابد أن يكون الشخص قد خلق شاعرًا، أو بمعنى آخر أن تكون مؤهلات الشاعر مخلوقة فيه، ويبقى بعد ذلك أن يمارس الشعر ليتمكن منه، فإذا كانت الصنعة تعني الدربة والممارسة تكون شقًّا مكملًا للموهبة، ولكن إذا كانت الصنعة تعني أن يقتحم مجال الشعر شخص ذو ثقافة عالية متمكن من اللغة العربية مثلًا بحيث يستطيع أن ينظم كلامًا موزونًا مقفى، دون أن يكون موهوبًا بأصل خلقته، فهذا هو المذموم.

وأضيف إلى ذلك أن الصنعة من الممكن أن تفهم على أنها تدخل العقل في نظم القصيدة وترتيبها، وهذا أمر لابد منه، وهذا ما يفرق بين «الهواة» و«المحترفين» أو لنقل: هذا ما يفرق بين «المبتدئ» وبين «الخبير»، حيث يكون شعر الأول كلامًا عاطفيًّا يفتقد الحبكة والترتيب والتناسق المنطقي، بينما يكون شعر الآخر بناء متكاملًا متناسقًا قلَّ أن تجد فيه اضطرابًا.

كيف تنمو الفكرة في الشعر

المجتمع: كيف تنمو الفكرة لديك؟ وكيف يبدأ التعبير عنها أول الأمر؟ وكيف تنتهي معك؟ وهل تكون واضحة منذ البدء؟

عبد الرحمن يوسف: نمو الفكرة عندي والتعبير عنها أمور لا تخضع للجدولة، بل هي أمور غير قابلة للوصف أصلًا لذلك سأحاول التوضيح والتقريب. نمو الفكرة والتعبير عنها أمور لا تخضع لقانون ولا تتأثر بمؤثرات ثابتة، فهي ليست عملية حسابية دقيقة تفضي في النهاية إلى نتيجة حتمية واحدة.

لا: فالفكرة من الممكن أن تقفز إلى الذهن واضحة كل الوضوح وينهمر معها التعبير بسرعة وسهولة، وقد تأتي الفكرة على استحياء فتكون مضطربة بعض الشيء ثم تزداد وضوحًا، وقد تأتي مضطربة وتظل مضطربة وتخرج القصيدة معبرة عن هذا الاضطراب في الفكرة، ولا شك أن الشاعر الجيد هو القادر على التحكم في تعسف الفكرة والسيطرة على اضطراب الخيال بحيث يعبر عن الفكرة بوضوح واتساق دون أي اضطراب.

لا للطقوس الخاصة

المجتمع: هل هناك علاقة بين الموهبة قوة وضعفًا وإصرار الشاعر على طقوس محددة للكتابة الشعرية؟ وهل تعيد ترتيب مقاطع القصيدة؟

عبد الرحمن يوسف: أصر على أن الشاعر الحقيقي لا يستطيع أن يلزم نفسه بطقوس معينة، أين هذه الطقوس في حالة السفر أو المرض أو السجن أو حتى على فراش الموت؟

والأصل عندي أن تخرج القصيدة كاملة مرتبة، ولكن قد يحدث أن أعيد ترتيب بعض الأبيات أو الفقرات، وهذا قليل الحدوث، وهو في كل الأحوال أمر لا يعيب.

القصيدة تكتب نفسها

المجتمع: هل يرتبط الإبداع بعملية الخروج عن المجتمع في الزي أو المنظر من قبل المبدع كشاعر؟ وهل يمكن أن تود التعبير عن موقف أو فكرة ولم تتمكن القصيدة من الخروج من داخلك؟ وما السبب؟

عبد الرحمن يوسف: لا شك أن الشاعر يعتبر إنسانًا غير عادي فهو ليس كبقية الناس، ولكنه ليس كالناس من الداخل، ومن الممكن أن تزيد مسافة الخلاف الداخلي بين الشاعر وبقية الناس بحيث يؤثر ذلك على مظهره الخارجي فهذا ليس بأمر مستغرب، فما المانع أن يحب الشاعر لونًا معينًا في ملابسه مثلًا قد يعتبره الناس غريبًا؟

والقصيدة هي التي تكتب نفسها، فهي التي تختار مكان خروجها وزمانه، وهي التي تختار البحر والقافية وأنا أعلم ذلك جيدًا. لذلك لا أحاول أن أكتب القصيدة أبدًا بل دائمًا أترك القصيدة تكتب نفسها، ولهذا لم أعجز عن التعبير لأني لم أحاول التعبير أصلًا إلا حين أرى القصيدة تتدفق من داخلي إلى الورق.

فقط معي ضميري وصدق الكلمة

المجتمع: هل يكون للارتباط بين الشاعر والمجتمع دور في تقييد حرية الشاعر؟ وهل سلطة المجتمع والتقاليد والعادات والأعراف والفكر السائد تكون كلها أو بعضها أمامك أثناء الإبداع الشعري؟

عبد الرحمن يوسف: لا شيء يقيد الشاعر، والشاعر لن يعبر عن مجتمعه أبدًا، بل هو دائمًا وأبدًا يعبر عن نفسه، فإذا كان في قراءة نفسه يحب مجتمعه ويتمنى له الخير فإنه ولا شك سيعبر عن آمال مجتمعه وآلامه دون أن يقيده شيء. وإذا لم يكن محبًّا لمجتمعه فلا شك أنه لن يستطيع أن يعبر عن مجتمعه، وإذا استطاع أن يرغم نفسه فسوف يكون العمل الأدبي مسخًا مشوهًا نظرًا لافتقاره لعنصر الصدق.

وحين أقول الشعر لا يكون أمامي إلا ضميري وصدق الكلمة فقط، لهذا فإن بعض أشعاري قد يعتبرها بعض السطحيين خروجًا على القيم والأعراف، ولكنها في الحقيقة إشارة رمزية لشيء معين أو محاولة للفت الانتباه لشيء ما.. وبالطبع ليس كل الناس يدرك ذلك.

أعبر عما بداخلي

المجتمع: هل ما تخرجه من أشعار يعبر عما بداخلك وعن قناعاتك وآرائك أم أن ذلك ليس شرطًا فقد تعبر عما تريد وجوده لا ما هو موجود؟

عبد الرحمن يوسف: إن أي شاعر يعبر عما بداخله وعن قناعاته وآرائه في الكون والحياة وغير ذلك، ولكن من الممكن أن يعبر الشاعر أو الأديب بطريقة غير مباشرة بحيث يفهم العمل الأدبي بأكثر من طريقة، وقد لا يستطيع كل الناس أو حتى كل النقاد فهم وجهة نظر الشاعر أو فهم ما يريد أن يقوله، كما أن الأديب في بعض الأحيان قد لا يعبر عن وجهة نظر راسخة لديه بل قد يكون عمله عبارة عن لحظة انفعالية لا أكثر، أو يكون عمله الأدبي عبارة عن فكرة مضطربة غير مستقرة أو هو مجرد فكرة أو اقتراح لم يتأصل في نفسه تأصل المبادئ التي يقتنع بها.


اقرأ أيضا:

التجربة الشعرية


 

الرابط المختصر :