; حطم القيود (29) قواعد التغيير | مجلة المجتمع

العنوان حطم القيود (29) قواعد التغيير

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 30-أكتوبر-2004

مشاهدات 76

نشر في العدد 1625

نشر في الصفحة 54

السبت 30-أكتوبر-2004

تناولنا في الحلقة الماضية طرق تحطيم قيد التشاؤم والذي لا يمكن أن يتم بمنأى عن انقلاب حقيقي في مفاهيم هذا الإنسان المقيد، والتي تقوم على فهم حقيقي لقواعد التغيير، ولذلك نتناول في حلقتنا هذه قواعد التغيير والتي من أهمها: 

1. ماذا تفعل أنت؟ 

كثيرون في هذه الحياة يظنون ويعتقدون أن فلانًا من الناس تغير للأحسن بسبب الظروف التي حدثت ليه والأحداث التي خدمته ويبدؤون متوالية الحسد والآهات على حظهم المتعثر والاحتجاج على القدر الذي لم ييسر لهم مثل تلك الظروف والأحداث التي غيرت فلانًا من إنسان لا يؤبه له ، إلى إنسان يشار إليه بالبنان هذا الاعتقاد الخاطئ والخطير هو الذي يجعل ملايين الناس في أصقاع العالم يقبلون بوضعهم وفشلهم ولا هم لهم سوى التحسر وندب الحظ دون أن ينتبهوا إلى أنه لا يمكن للأحداث والظروف أن تغير من إنسان كائنًا من كان مالم يقم هو بذاته ويستغل هذه الظروف ويطوع هذه الأحداث لصالحه ضمن مخطط رسمه للوصول إلى أهداف محددة فالأحداث وحدها لا تغير الإنسان، بل ما يفعله هو مخطط إزاء هذا الحدث.

2. تطور أنت أولًا: 

التطور والتغير في حياة الإنسان لا يمكن أن يحدث دون قرار من الإنسان نفسه بالتغيير والتطوير، وليس في ذلك زمن محدد، بل إن ذلك خاضع لهذا القرار، وهذه حقيقة ذكرها القرآن الكريم عندما قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ ﴾ ( الرعد: ١١ ). 

يقول الإمام القرطبي أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لا يغير ما بقوم حتى يقع منهم تغيير  إما منهم أو من الناظر لهم أو ممن هو منهم بسبب كما غير الله بالمنهزمين يوم أحد بسبب تغيير الرماة بأنفسهم إلى غير هذا من أمثلة( 1)

ويقول سيد قطب -رحمه الله-: « إنه لا يغير نعمة أو بؤسًا، ولا يغير عزًا أو ذلة، ولا يغير مكانة أو مهانة إلا أن يغير الناس من مشاعرهم وأعمالهم وواقع حياتهم فيغير الله ما بهم وفق ما صارت إليه نفوسهم وأعمالهم، وإن كان الله يعلم ما سيكون منهم قبل أن يكون ولكن ما يقع عليهم يترتب على ما يكون منهم، ويجي لاحقًا له في الزمان بالقياس إليهم وإنها لحقيقة تلقي على البشر تبعة ثقيلة، فقد قضت مشيئة الله بالبشر على تصرف هؤلاء البشر وجرت بها سنته أن تترتب مشيئة الله بالبشر على تصرف هؤلاء البشر وأن تنفذ فيهم سنته بناء على تعرضهم لهذه السنة بسلوكهم( 2)

3. الاتصال هو المفتاح:

الاتصال هو مفتاح الحياة والإنسان من غير اتصال يموت وإن كان حيًا يدب على الأرض، ولا يمكن أن يشعر بحقيقة الحياة من لا يملك الاتصال، فهو أقرب إلى عالم الأموات من عالم - الأحياء والاتصال ينقسم إلى ثلاثة أقسام: 

  1. الاتصال بالنفس 
  2. الاتصال بالله 
  3. الاتصال بالآخرين

والإنسان الذي يقرر التغيير لا يمكن أن يتجاوز قنطرة الاتصال بالنفس والرجوع إليها، والخلوة معها، ومصارحتها ومكاشفتها وحساب الخسائر والمكاسب في رحلة الحياة حتى نقطة أو لحظة قرار التغيير، فإن اكتشاف حجم الخسائر والمكاسب بعد الاتصال بالنفس من أكبر الأسباب المحفزة على التغيير ومن غير اتصال حقيقي وواقعي ومتجرد مع النفس لا يمكن أن يتم التغيير.

قلب صفحات التاريخ، واستمع إلى أخبار من تغيروا من الضلال إلى الهدى، أو من الركود إلى الانطلاق، أو من الغفلة إلى الصحوة، أو من الجهل إلى العلم، أو من الحضيض إلى القمة إلا وتجد أن أول خطوة خطوها كانت وقفة واتصالًا مع النفس. 

اتصال مع الله: 

إن النتيجة الطبيعية للاتصال بالنفس هو اكتشاف الطريق الوحيد الذي يسعد الإنسان في الحياة، ألا وهو الاتصال برب السموات والأرض والعودة إليه والامتثال لأوامره ونواهيه قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28) وعن طريق الاتصال بالله تتأصل عملية التغيير وقد يحدث تغيير إيجابي في حياة الإنسان في أي مجال من مجالات الحياة من غير اتصال بالله ولكنه سيكون جافًا ناقصًا باهتًا لأنه خال من القيم والأخلاق وضوابط المنهج الرباني ولن ينمو ويتأصل كما ينمو ذلك التغيير الذي نتج من اتصال بالله تعالى.

الاتصال بالآخرين: 

وينقسم إلى قسمين: اتصال بالأحياء من البشر وسائر المخلوقات الحية واتصال بالجمادات التي حولنا والإنسان حتى يتغير لا يمكن أن يستغني عن جميع هذه الأنواع من الاتصالات فمن خلال الاتصال بالآخرين يرى كيف يتحركون وكيف ينجزون أو يخفقون، وكيف ينجحون، كما يسمع منهم أو من آخرين كيف يتغيرون، فيؤثر كل ذلك في تحفيزه للتغيير، واتخاذ قرار التغيير. 

  • الأفكار والمهارات الحياتية لا تتحقق إلا من خلال العلاقات بالآخرين.
  • علاقاتنا بالآخرين ترجمة لسلوكنا ومهاراتنا.
  • أرقى ما نحصل عليه من السعادة إنما يتأتى من خلال علاقتنا بالآخرين. 
  • من خلال دراسة علمية تبين أن 85% من متعة الحياة يأتي من علاقتنا بالآخرين. 
  •  15%من متعة الحياة يأتي من المصادر الأخرى «الكسب والربح» 
  • كثير من الأمراض النفسية والجسدية سببها سوء العلاقة مع الآخرين. 
  • نجاح الكثير من الأفراد والمؤسسات سببه العلاقة مع الآخرين. 

هذا بالنسبة للبشر، أما بقية الأحياء فالقرآن يخبرنا كيف استفاد ابن آدم عند رؤيته للغراب يتعلم دفن أخيه، وكم من إبداع في العالم كان منطلقه الاتصال بهؤلاء الأحياء والجمادات ليتحول ذلك الاتصال إلى تغيير هز العالم وما يزال، وكم من مثال يؤكد هذا الأمر.

الهوامش:

  1. تفسير القرطبي 9/2940.
  2. في ظلال القرآن 4/2049 - الشروق.
الرابط المختصر :