العنوان عمر بهاء الدين الأميري.. وهَمُّ الثمانية الصغار في ديوانه الجديد «أب»
الكاتب أحمد محمد عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 25-نوفمبر-1975
مشاهدات 48
نشر في العدد 276
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 25-نوفمبر-1975
الذين يجوبون أودية القراءة شعرًا ونثرًا ويغرفون من فنون العربية.. يتوقفون كثيرًا عند مقاطع طويلة من النثر.. من القديم أو مما أبدعه محدث.. وكذلك الشعر.. فهو أكثر رواءً وأشد جذبًا إذا كان القارئ نهمًا للشعر.. أو قل إذا كان القارئ ذواقة يهزه البيت، وترحل به عن وجوده قصيدة؛ وتشغله عن حاضره أبيات رفرافة.. تحلق به في جوها؛ فإذا هو طير في بساتين الشعر.. يشدو!
وإذا كان الشاعر قد لمح هذه النظرة فألقى بها في وجوه الذين لا يتحركون لدى سماع قصيدة رائعة.. فطرح بيته تحت أنظارهم تشفيًّا..
إذا الشعر لم يهززك عند سماعه
فليس خليقًا أن يقال له شعر
إذا كان الشاعر قد أدرك ذلك.. فإن صدقه في هذا البيت يفوق تحديه وتهكمه ورده على المخالفين.. الذين لا يملكون أذنًا شاعرة.. وتطربهم المسارعة في كيل التهم للشعراء أو الرد عليهم بما لا يفقهون.. أو يشعرون!! والذين قرأوا الشعر القديم مروا بأسماء كثيرة.. دونوها في ذاكرتهم.. ودونوا كثيرًا من قصائدهم دلالة إعجابهم بها.. حتى إذا كان مجلس من المجالس وورد اسم الشعر كانوا يصارحون الناس ما يحملون من بضاعة يدلون بهذا على ذوقهم وحسن انتقائهم... وطيب تفهمهم للأصيل من الدخيل!!
والذين قرأوا الشعر الحديث- وأعني به ما كتب من شعر في زمننا المعاصر- فلا بد أن من قرأ قد مر بفرسان الحلبة وتعرف إلى بعضهم.. وطرب لسماع شعرهم.. يروونه هم وينشدونه.. أو يقرأ، في الديوان يتمثل واقع الشاعر؛ ويربط بين الحياة التي يحياها وبين هذا الشعر من لفتات تعبر عن واقع هذه الحياة في مثل هذه الفترة من الزمان.. وفي الشعر الحديث.. وعند شعرائه منازع واتجاهات كما كان عند الشعراء الأول، غير أن ما بعد به البعد أو تباعد به الوقت قد لا يكون مجلوًا جلاء ما يسير الشاعر المعاصر في ضوئه من أفكار أو مذاهب أو اتجاهات.. كانت هذه الأفكار والمذاهب والاتجاهات فكرية أو عقدية أو على مسايرة هذه الأفكار وملاحقة هذه المذاهب.. أو بضرب السهم في طريق هذه الاتجاهات.
الشاعـر:
والشاعر عندليب عرف في دوحة الشعر.. شاعر ثر.. حياته تلخص في قصيدة.. الشعر فيه سجية حتى وهو يحدثك.. فجأة تجد نفسك إزاء رجل لا يحادثك إلا بنغم.. تتردد على شفتيه موجة من الكلمات ذات الرنين.. فإذا أنت معه في انسجام تام وتآلف عجيب يشدك ويشدك- إذا زاد عن حده- قد تكاد تذكر ما الغرض الذي تتحدث معه من أجله!!
عمر بهاء الدين الأميري.. شاعر من بلاد الشام وإذا قلنا بلاد الشام فإننا نعنى الروح الهفهافة والشاعرية المتدفقة المتفتحة على مواطن الجمال.. والروح المطل على منافذ الهمس والخيال.. وشاعرنا تجرحه النسمة.. يشعر بها كشيء له وزن وظل، فلا تمر عليه إلا بعد عتاب ولوم.. حب وتجاذب.. أخذ ورد.. وشأنه أنه ألفى نفسه في فترة قصيرة من عمره قد حمل هموم الناس.. وبات يلاحق الأنباء والأخبار متتبعًا أصداء كل ما يصيب حشا منكوبًا.. وتقلبت به الدنيا وكان سفيرًا مثل بلاده في باكستان وفي السعودية.. كان الترحل في حياته خيطًا طويلًا لا يزال الشاعر يشد طرفه الآخر.. استقر به النوى في بلاد المغرب أستاذا لـ«كرسي الإسلام والتيارات المعاصرة في دار الحديث الحسنية بالرباط» قسم الدراسات الإسلامية العليا والدكتوراة في جامعة القرويين ولا يزال بها.. وفي المغرب أفانين الجمال.. غير أن سلوى الشاعر لا تتم إلا إذا لفه صحبه الصغار.. أعني أبناءه.. فهنا يرشد بعد شرود ويعود إلى عالمه بَعد بُعد وتفرد وغربة. عشرون ديوانًا من الشعر.. ما تزال ترقد في مكتبته.. مخطوطة محفوظة وستة دواوين مطبوعة منشورة تترجم جانبًا من شخصيته ونفسيته.. ألم أقل إنه شاعر ثر معطاء.. غير أن العطاء بحاجة إلى إظهار.. نأمل أن ينقل الشاعر إلينا هذا الجهد الوفير من عطائه.
الديوان:
وشعر الأبوة أو البنوة.. موضوع يحتاج إلى إسهاب وإطناب.. غير أننا نتخذ مما بين أيدينا موجزًا لإلقاء الضوء عليه.. فلا أعرف أن ديوانًا من الشعر قد خصص لشعر الأبوة.. أو قصائد أنشأها شاعر في أبنائه ثم ضمنها ديوانًا خاصًا... ولكنه فعل وقد دعا الشاعر إلى ذلك فراقه البعيد المتواصل عن أبنائه بحكم عمله أو بغيره؛ مما أبعده عن الجو الحبيب الذي يحياه كل أب يرى الفلـذات العزاز يدرجون فيه أمام ناظريه صباح مساء، والشاعر في هذا الديوان يصدر عن أريحية سخية ونفس رضية كما أن في ديوانه هذا يكتب بدمه الفوار وعاطفته الجياشة ويرنق اللفظ بأنفاسه الحري.. حتى لينزع بك إلى قراءة القصيدة مرات ومرات.. أو لم يكن عباس محمود العقاد على حق عندما قال في ندوة من ندواته وكان ذلك في رمضان ۱۳۸۱هـ عن قصيدة «أب» «لو كان للأدب العالمي ديوان من جزء واحد لكانت هذه القصيدة في طليعته» والقصيدة التي عناها العقاد نشرت بديوان الشاعر «ألوان طيف» وهي ضمن مجموعة قصائد هذا الديوان. ليس هذا كل شعره في الأبوة؛ ولكنه كما يقول «ليست هذه القصائد العشر كل شعري في الأبناء.. فثمة سواها.. ومقاطع وأبيات كثيرة.. لو استخلصتها من سائر شعري لتضاعف حجم الديوان.. ولكنني آثرت إبقاءها لديوانها الأم.. «أبوة وبنوة». إذن فهو عازم على أن يكون فريدًا في هذا المنحى.. يريد أن يكون علمًا في شعر لم يكترث به الشعراء كثيرًا.. أملت له أسفاره.. ورحلاته الكثيرة وواجباته الجليلة أن يخلد إلى نفسه لحظات يتذكر أبوته ويسترجع فيها صور الأبناء.. يتذكر الإقامة بينهم.. يشتاق إلى عناقهم يأنس بالحديث إليهم.. فينفجر ينبوعًا من الشعر دفّاقًا لا يوقفه شيء حتى إذا رفع رأسه عن الورقة فإذا هي أحاسيس مسطرة.. ولكنه يبادر فينفي أن لحظات الهيام هذه.. وإن هاته الكلمات تستطيع أن تعبر عن ذات نفسه تعبيرًا تامًا، فمهما بلغت الكلمات ومهما طاوعت أساليب البيان والبديع الشاعر المجيد.. إلا أن الحقيقة شيء والتذكر والكتابة شيء آخر.. إن بسمة الصغير في وجه والده.. أو قبلة الآخر.. لتغني عن كل كلام.. ليمتنع الكلام إزاءها ويتلجلـج التعبير.. فتنتفض الكلمات ذاهبة بعد أن كسد سوقها عند اللحظات الحقيقية..
هيهات يحصى ما أكابده
من همهم شعر ولا زجل
لولا الهوى لم يحتمل جبل
أعباءهم ولزلزل الجبل
وبعد، هل آن لنا أن نلج عالمه.. هل حان الوقت لنعيش مع الشاعر بضع لحظات نتعرف فيها على مشاعره.. وعلى أبنائه.. نتعرف معه على حياته التي أملت عليه صياغة كل هذه الأفكار التي تتناهبه في سلامة ورقة.. وخشوع وبكاء.. وترحم وتعطف!! إنه يذكر بكل حنين ممض في خطاب قلبي حزين....
مالك.. يا قلبي.. على الدروب؟!
تبحث.. عن كل حشا منكوب...!!
تصنع من أناته وجيبي...!
هل أنت.. يا قلبي.. أبو القلوب؟!
قد تلوم الشاعر على إسرافه وأنت جالس تقرأ قصيدة.. أو ديوانًا.. فتظلمه لأنك لا تعرف مقاساته ومعاناته حتى إذا اطلعت على جزء يسير من حياته.. ظننت أن هذا الشعر لا يبلغ الذي يعيشه غير أن الأميري.. يرسم الهالة الحقيقية ذات الألوان المتعددة.. هذه الهالة هي التي تحيطه.. حتى لتكاد تتعرف على صورته من خلال قصائده إنه يريد أن ينقل إليك الآن قصته مع أبنائه في شعره:
وأنا أب.. في أضلعي مزع
تسع من الأطفال تهتف بي
هل في حنان الناس منزلة
أسنى وأرفع من حنان أب؟
إنهم تسعة عدًّا.. أولهم كان مجيئه إلى الدنيا سنة ١٣٦٣هـ.. براء.. هكذا أراد له الاسـم.. صورة من صور الصدر الأول وتمنى أن يكون على ذلك النهج.. ناغاه في البداية وأفرغ عصارة روحه.. بعد أن تبين له أنه أصبح أبًا للمرة الأولى.. داعب الوليد حتى إذا جنح به التفكير.. إذا به يراه رجلًا قد شب عن الطوق فوجه إليه النصيحة الغالية.
أبراء، هذا الدهر من
صفو ومن كدر يشاب
فاصبر إذا شد الزمان
عليك في ظفر وناب
واشكر إذا بسمت لك
الأيام.. وانقشع السحاب
جانب نحاليك التغالي
والتمس حسن المآب
بين الفضيلة والرذيلة
في صراع العزم قاب
فاثبت لإغراء الحياة
وكن قويًّا في المصاب
واحرص على التقوى تفز
فمآل دنيانا تراب
إنه يحرص على أن يلزم ابنه جادة الحق.. ولكنه يجب أن يكون منطلقًا من عزمات روحه التي تقبلت الرأي اللباب وتميزت بالصدق الصراح.. إنه يقول له:
أدعو لك الرحمن من
قلب يكن لك الحباب
لكنَّ في عزمات روحك
والنهي.. فصل الخطاب
إنه أمام المسؤولية التي تجعله يقبل النصيحة ثم.. أليس في عزمات روحه وفي نهاه فصل الخطاب.. هذا أمل الوالد.. فكيف يكون تطبيق المولود؟!
ويحل عيد الفطر والشاعر في غربة.. يعاني ما يعاني.. والصغار منه على بعد فيشتاق إليهم.. فيكتب مواسيًا نفسه ومعيدًا أهله:
يا مزع القلب وراء البحار
في القلب نور من هواكم ونار
ذكرتكم، في العيد في غربتي
والعبء مضن وهمومي كبار
فأظلم القلب وجنح الهوى
في كل ذرات كياني وثار
ثم ذكرت الله، في حبه
افتراقنا، وهو لنا خير جار
فهش روحي واطمأن الرضا
في غور إيماني، وقلبي استنار
وتشيع هذه النغمة في شعره.. الإيمان.. إنه كهف يلجأ إليه وليس سوى الله مجيرًا للإنسان ومنقذًا إذا شطت به سبله ثم رفع كفيه إلى خالقه.. والشاعر مؤمن لا يدع نفسه يلعب بها شيطان الهوى.. حتى إذا عبث عابث أو وسوس بادر في ذكره لله ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد:28)
إن قلبه فزع.. والله سبحانه وتعالى خير جار.. ففي نشدانه يطمئن الرضا في غور الإيمان.. وترى هذه النغمة تعود إذا استبد به تفكير في أولاده.. يقول:
ضممتهم في خافق متعب
بالحب والإيمان معمور
أحنوا عليهم والهًا مشفقًا
من عالم بالبغي مسعور
غذوتهم روحي، وأودعتهم
ربي، وسلمت لمقدوري
هذا بعض مما يرويه.. حتى إذا ما اجتمع الشمل... شمل الأبناء وقد التقى بهم في مصيف لبناني.. عاش معهم حياتهم اللاهية العابثة المرحة.. انطبعت في ذهنه صورة شقاوتهم ونزقهم.. فيعنف وقلبه يدعو.. ويعاقب وفؤاده يبتسم.. ويؤنب وروحه تضحك.
في غيبتي.. يتشاكسون.. وقد
يتشاجرون.. وربما اقتتلوا
فإذا ظهرت أمام أعينهم
عادوا ملائكة وما مهلوا
وعلى ثيابهم دلائل ما
فتكوا.. وما هتكوا. وما فعلوا
لا يخجلون لزلة عظمت
فإذا نظرت إليهم خجلوا
حتى إذا عاقبت جائرهم
تأتي وتذهب بيننا الرسل
مشهد مألوف في حياة الصغار.. وتبقى الرسل الذاهبة الآتية.. إنها هنا تدل على نوع من التربية ألفوه.. ولكنه لا يدعك تتوقف.. يتوقف هو ليبتسم ويطيل الابتسامة وربمـا ليضحك ويطيل الضحك.. ولكنه يريك جانبًا آخر من جوانب حياتهم:
هذى ملامح من عرامهم
وكأنهم باللهو قد وكلــوا
ولهم ملامح في تعقلهم
حينا.. كأن صغيرهم رجل
هذا المشهد.. كأن صغيرهم رجل.. كم يثير فيَّ من أحاسيس.. وكم يحرك من المشاعر. مسيرة الأيام لا يحدها شيء فهي تمضي سريعة إلى غاياتها.. وينتهي عمر الإنسان.. فيرحل إلى حيث الدنيا الباقية.. إلى حيث دنيا اللقاء وترحل والدة الشاعر إلى دنيا الخلود فيشعر بنوع من الحزن يلازمه.. وحزن الشعراء حزن كبير.. ولا يلازمه من أبنائه من يفرج عنه أو يرى فتشتد لوعة نفسه، أهؤلاء الذين يضرب من أجلهم الأكباد.. ويذوب من أجلهم.. حتى إذا ما أدلهم الخطب ساروا خطى مبتعدة.. أهم الذين يقول فيهم:
ويذود عن جفني الكرى
همم وهم ذو رنين
هم الثمانية الصغار
وبعد تاسعهم جنين
يحزنه ويؤسيه أن يطل عليه الأبناء يسألونه هل من خدمة يؤدونها له.. فيعلن أن سنده هو الله ربه.. فما تدل تحرياتهم لمشاعره إلا عن تصيد كلمة تطلق لهم حرية الذهاب والإياب.. لا ملازمة الأب المنكوب.. الذي يحمل هموم حزنه على فقد والدته وحزنه على نكبة أمته.. وهمه في أولاده الذين يخاف عليهم بعده.
فيصرح لهم:
اذهبوا إن لكم من والد
لم يوف الحق، عفو الأبدِ
أسأل الله لكم فيض الندى
ولنفسي راحة الرمس الندي
لم تعد تبهجني الدنيا وقد
قبضت أمي.. وأكدي بلدي
وحتى وهو يلوم ويقرّع لا ینسى في الختام أن يجعل في أيديهم نصيحة تنفعهم وتذكارًا يبقى ما دام الإنسان باقيًا.. حتى إذا رحل كان في نفسه لغيره عبرة.
ولدي، ما دمعة يذرفها
ولد في والد ملتحد
حولوا الأدمع رشدًا وتقى
وابتغوا ملككم في الجدد
لو تركت نفسي على سجيتها لما انتهيت.. فإنني وأنا أقرأ الديوان ربما للمرة العاشرة تجدني لا أملك زمام نفسي.. فأسترسل.. وأسهب وأخشى عليكم الإطالة لو ذهبت معكم ومضيت في شعاب قصائده الأخرى.
حسبي أن أعلق لوحة قبل أن أمضي.. أدعكم تتأملونها.. اللوحة.. الشاعر يودع فلذات أكباده بعد صيف مؤنس قضاه معهم.. السيارة تحمل الصغار وتمضي بهم وهم يتصايحون عند الرحيل.. الأب يكتم دمعه إظهارًا للجلد وهو يحترق في مكانه ولا يريد أن يفصح عن طفولة عاطفته أمام أولاده.. حتى إذا ابتعدوا بانت عاطفته المكبوتة.
أدعكم مع الصورة وأنصرف.. فلكم أن تتأملوها وأن تطيلوا الوقوف إذا شئتم:
دمعي الذي كتمته جلدًا
لما تباكوا عندما ركبوا
حتى إذا ساروا وقد نزعوا
من أضلعي قلبًا بهم يجب
ألفيتني كالطفل عاطفة
فإذا به كالغيث ينسكب
قد يعجب العذال من رجل
يبكي ولو لم أبك فالعجب
هيهات ما كل البكا خور
أني، وبي عزم الرجال أب
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل