العنوان فقه توريث الخبرة الدعوية
الكاتب وليد شلبي
تاريخ النشر السبت 20-أبريل-2002
مشاهدات 84
نشر في العدد 1497
نشر في الصفحة 56
السبت 20-أبريل-2002
ضرورة لنشر الدعوة دون وقوع في أخطاء سابقة وضمانة لتطور العمل وامتزاج الأجيال
"الجيل الذي رباه «البنا» كنز حقيقي للإسلام .. على الجيل الجديد الاستفادة منه"
توريث أي فكر أو معتقد أو عمل من أهم عوامل بقائه ونمائه وتطوره وهو من عوامل استقراره واستمراره في حالات الطوارئ أو العقبات التي تعيقه، كما أن فيه ضمانًا للمحافظة على ثوابت العمل وأهدافه الاستراتيجية... وإذا كان ذلك على وجه العموم، فهو من باب أولى وأوجب ينطبق على العمل الإسلامي وذلك لسمو أهدافه وعظيم الثواب المنتظر من رب العالمين.
أعني به فقه التوريث، كيف يتم توارث الفكر والمعتقدات والعمل كله بكامل ثوابته وأسسه وأهدافه بين الأجيال المختلفة وتحديد الأسس الواجب اتباعها بين الموروث والوارث؟ وكيف نتجنب حدوث تباين بين الأجيال الدعوية؟ وكيف نشعر أن الدعوة أمانة يجب توصيلها لمن بعدنا كاملة غير منقوصة؟ وكيف أنها في ضوء ذلك تصبح حقًّا من حقوق الجيل الجديد الواجب على الجيل القديم؟
التوريث ليس منة من جيل على جيل لكنه حق وواجب على كلا الطرفين، إذ واجب على جيل السبق والخبرة أن يحتضن الجيل الجديد في حنو وعطف ويورثه ما من الله به عليه من فضل، ويثق أنه يتقرب بذلك إلى الله، ويعذر إليه سبحانه بتوريثه ما فقه لمن بعده من أجيال العمل حتى لا يُصاب بشبهة حبس العلم.
والتوريث واجب في الوقت ذاته على الجيل الجديد، ليعمل ويصبر ويصابر في سبيل نيل هذا الحق. فلا ينتظر أن يطرق الخير بابه دون جهد وعناء بل عليه أن يبحث عن أهل الفضل وينهل منهم ويتتلمذ على أيديهم في تواضع طالب العلم وصبر المجاهد، وأن يستشعر أنها أمانة هو محاسب عليها إذا لم يسعَ جاهدًا لنيلها.
فليكن إذًا شعار الطرفين القاعدة القرآنية العظيمة:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: 2)، وأن كلا منهما محاسب عليها إذا قصر في حق الطرف الآخر.
أهميته والحاجة إليه
إن حاجتنا لفقه التوريث، لا تقل عن حاجتنا لنشر العمل والدعوة إذ إن الوارثين للفهم السليم والعمل المؤسسي هم الذين سينشرون الدعوة ويتحملون التبعات والصعاب في سبيل ما ورثوه وهم الذين سيتحملون كل عقبات العمل تقربًا إلى الله سبحانه، فإذا أحسن تربيتهم على فقه التوريث، فسوف يحسنون العمل للدين ويحسنون نشره، وتحمل مسؤولياته.
إن في اتباعنا "فقه التوريث"، ضمانًا لاستمرار العمل وتطوره ودفع دماء جديدة في شرايينه، كما أن في الدمج بين الخبرة والشباب في مختلف مجالات العمل إثراءً للعمل وتطوره وعدم جموده وتواصلًا بين خبرات العمل المختلفة.
نموذج
القدوة من أهم وسائل التوريث العملي، ومن أهم عوامل بقاء وتطور العمل. ولقد كان الإمام حسن البنا- يرحمه الله- من الفراسة والحكمة بحيث اهتم بجانب التوريث العملي للدعوة، فاهتم ببناء وتنشئة الرجال وتوريثهم فهمه للإسلام، كما بث فيهم روح العزيمة وعلو الهمة لتحقيق أهدافهم ورباهم على أسس الفهم السليم للإسلام، متبعًا منهج المصطفى ﷺ في ذلك، فأنشأ جيلًا فريدًا من الدعاة أعاد للأذهان الأجيال الأولى من الصحابة والتابعين.
فالإمام لم يهتم كبعض من سبقوه بالانكفاء على كتابة الكتب وتدوينها في مجلدات، لكنه عمد إلى تربية الرجال فانطلقوا ناشرين للإسلام في أصقاع الأرض بمختلف الوسائل: كتابة ووعظًا وعملًا وحركة وقدوة، فكان الجيل الذي رباه البنا كتبًا ناطقة ومتحركة في الأرض يعلمون الناس مما علمهم الله، وفي الوقت ذاته، يورثون الفهم الصحيح والعمل الدعوي المستنير لمن هداه الله لهذا الطريق.
وعن تأثير ودور هذا الجيل في المجتمع يقول د. أحمد شلبي- يرحمه الله-: "أدت هذه الجماعة "الإخوان المسلمون" دورًا إسلاميًّا رائعًا في حياة الصبيان والشباب والرجال وغرست أخلاق الإسلام في الملايين، وجعلت الانتساب للإسلام مفخرة يعتز بها الكثيرون وربطت بين جماعات المسلمين في مختلف الأنحاء وكونت من المسلمين قوة هائلة هزت غطرسة الاستعمار وقوى الغرب وطلائع الصهيونية ودفعت إلى المكاتب والمصانع والوظائف جماعات تعرف الله وتخشاه، وبالتالي تنتج بجد، وتعمل بدون رقيب من الناس ولا تمتد لها الشبهات، ولا يمسها انحراف، وكانت كلمة الإخوان المسلمين طابعًا للتنزه عن الصغائر والبعد عن الرشوة والإهمال، ومؤشرًا للحرص على أداء الواجب" «موسوعة التاريخ الإسلامي، الجزء السابع».
فهذا تأثير "فقه التوريث" العملي في المجتمع والأمة كلها، وإن الجيل الأول من الدعاة الذي تربى على يد الإمام البنا ورفاقه لهو كنز حقيقي للعمل الإسلامي كله، وعلى جميع العاملين للإسلام أن ينهلوا منه ويتوارثوه ولا أقول "الإخوان فقط" ذلك أن دعوة الإخوان المسلمين أضحت من المكانة في النفوس والانتشار والتأثير بمكان على ألا تقتصر على فئة من العاملين للإسلام دون أخرى حتى لو كانوا هم الإخوان أنفسهم فجماعة الإخوان دعوة عالمية وملك للأمة، وهي لا تنتصر لنفسها قط لكنها تنتصر لله. فالله تعالى هو غايتها.
كما أن جماعة الإخوان- منذ نشأتها وحتى يومنا هذا- تمد يدها لجميع العاملين للإسلام للتعاون في نقاط الاتفاق الكثيرة التي تجمعهم بل تعدى الأمر ذلك حتى إنهم ليمدون أيديهم لمن بغى عليهم- محتسبين ما تعرضوا له من ويلات عند الله ابتغاء لمرضاة الله والعمل الجاد الحثيث لتوريث وتبليغ الدعوة للأجيال القادمة متعالين على جراحهم وما أصابهم من أذى في سبيل الله.
فتوريث الدعوة والعمل يستحق أن نضحي في سبيله بجراحاتنا وآلامنا وليكن شعارنا الآن "لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم".
إننا نريد جيلًا يحمل الراية قويًّا في عزمه أمينًا في حسمه مجاهدًا في صبره ومخلصًا في سبيل الله على أن يسلمها لمن بعده كاملة غير منقوصة، وهنا على القيادة الواعية أن تؤصل وتجذر "فقه التوريث" بين أفرادها، وأن تزيل الفوارق من النفوس دون الإخلال بمبدأ معرفة الفضل وإنزال الناس منازلهم، ولتكن متمثلة قول النبي ﷺ: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا".
علينا أيضًا أن نورث المرجعيات الشرعية للعمل قبل توريثنا للأفكار والمعتقدات الفكرية للعمل، فالعمل الإسلامي كله قائم لوجه الله وابتغاء مرضاته، وكذلك يجب أن ترسخ المعاني الإسلامية العظيمة- كالإخلاص لله والتجرد له والأخوة والشورى وقوة الإرادة والتضحية والجهاد والثبات- في النفوس لتتوارثها الأجيال الدعوية. إن دور "فقه التوريث" في المنظومة الحركية للعمل غاية في الأهمية ويحتاج إلى جهد لترسيخه في النفوس.
فإذا فُعل التوريث استُغلت الطاقات وتواصلت الأجيال واتحدت الخبرات وتوحدت الصفوف، وزاد الشعور بالانتماء، وبأهمية الدور والهدف، وهو ما يؤدي إلى ازدهار العمل ونمائه.
■ أين أنصار الله؟
الأدعياء معروفون بلحن القول واضطراب المشاعر وموالاة أعداء الله
"ليسوا أنصار شيء إلا ذواتهم ونزواتهم وشياطينهم وشهواتهم"
د . عبد الباري محمد الطاهر
كثر في زماننا هذا المتشدقون المتفيهقون الذين ينسبون أنفسهم للإسلام، وهو منهم براء؛ لأن قلوبهم مضطربة، وعقولهم مشتتة، وضمائرهم خربة، وعيونهم تدور دوران الرحى. لا يرقبون في أنفسهم ولا في أهليهم، ولا في بني ملتهم إلًا ولا ذمة، ثقتهم في كل شيء مزعزعة، وأفكارهم موزعة وأحاسيسهم مضعضعة، يحسبون كل صيحة عليهم، تراهم تعجبك أجسامهم ويغريك منطقهم، ويبهرك لسانهم، يخفون بل يعلنون أحيانًا- مودتهم لأعداء الله ورسوله. يخاطبون بني ملتهم بلين القول ومعسوله، ولا يتبعونه بعمل، قضاياهم مائعة، وأوقاتهم في اللهو ضائعة والنميمة، بل الخيانة- بينهم شائعة.
هؤلاء الذين سبقت بعض أوصافهم يعرفهم كل مسلم غيور على دينه يعرفهم في لحن القول، يعرفهم في اضطراب مشاعرهم يعرفهم في عدم تطبيق ما يقولون، يعرفهم في مصاحبتهم وموالاتهم لأعداء الله... يعرفهم بحسه الإيماني المرهف، فالمؤمن يرى بنور الله.
دعوى كاذبة
ومع هذا كله فهؤلاء هم الذين يتشدقون اليوم باسم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ومصالح الشعوب والسلام والكلام، وكل هذه الأفكار منهم براء. وأعجب من هذا أنهم يدعون لأنفسهم أنهم أنصار الله، فهم أنصار الحق والعدل، وبهم تستقيم- كما يخيل إليهم- أمور البشر، وبدونهم فالحياة إرهاب ونكد، وضياع.
هل هؤلاء حقًا أنصار الله؟!
أقرر: هؤلاء الأدعياء ليسوا أنصار الله، ولا أنصار شيء إلا ذواتهم، ونزواتهم، وشياطينهم. وهم على طرف نقيض من أنصار الله، فمن هم أنصار الله حقًا؟ من هم الذين وعدهم الله تعالى بالنصر وبالغلبة على عدوهم، وبالتثبيت أقدامهم، وبعدم الخوف أو الحزن، وبالتمكين في الأرض وإعمارها؟
إن قول الحق جل وعلا: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7)
يحتاج إلى بيان هؤلاء الذين خاطبهم رب العزة والجلال، الذين يستحقون هذا النصر والتأييد.
إن أنصار الله تعالى هم أنصار دينه الداعون إليه، الذين يتحملون الصعاب من أجل تبليغه الذين ينتصرون على شهواتهم ورغباتهم الدنيوية ويقهرون شيطانهم، الذين ينصرون دعوة الحق، يبذلون حياتهم لتظهر الحقيقة الذين ينصرون الله بالقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، والله عاقبة الأمور. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (الحج: 41).
وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (يونس: 63)،
وقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍإِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (العصر).
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (البقرة: 3).
هذه بعض أوصاف أنصار الله تعالى والقرآن الكريم في العديد من سوره وآياته يحدد سماتهم، ويبرز علاماتهم، ويدعو للالتزام بطريقتهم، والاعتصام بطريقهم، الذي هو الصراط المستقيم غير صراط المغضوب عليهم ولا الضالين.
فهل يمكن أن يتحقق فينا بعض هذه الأوصاف ليأتي النصر الذي تتوق إليه أمتنا الإسلامية اليوم؟
أسأل الله تعالى ذلك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل