; لفهم ما يجري لابد من وضعه في سياق الصراع المحتدم منذ مذبحة عام ١٩٦٦م | مجلة المجتمع

العنوان لفهم ما يجري لابد من وضعه في سياق الصراع المحتدم منذ مذبحة عام ١٩٦٦م

الكاتب محمد سعيد باه

تاريخ النشر الجمعة 03-فبراير-2012

مشاهدات 67

نشر في العدد 1987

نشر في الصفحة 20

الجمعة 03-فبراير-2012

جماعة «بوكو حرام»... وفتيل الفتنة في نيجيريا

نشرت وسائل إعلام نيجيرية صورًا لجثث متناثرة لأطفال المدارس القرآنية ومساجد تم حرقها بالكامل وداخلها جثث متفحمة علي يد عدد من الجماعات المسيحية المتطرفة!

الشركات الأمريكية المتحركة للنفط النيجيري تسببت في المزيد من الاحتقان السياسي.

نيجيريا يبلغ تعداد السكان فيها حوالي (١٦٢) مليون نسمة حسب تقديرات عام ٢٠١١م، إلى جانب إمكانات ضخمة في مجال الطاقة حيث يبلغ احتياطيها النفطي (۳۰۷۰) مليون طن، ومع كل هذه المقومات التي يتوقع أن تجعل من نيجيريا دولة مستقرة ومزدهرة بما يمكنها من أن تقود موكب القارة، فإن الوضع في هذه الدولة التي تضم (٢٥٠) قبيلة هش جدًا مما عرضها لكثير من الهزات السياسية والاجتماعية.

وقد تسببت الشركات الأمريكية المحتكرة لاستخراج النفط النيجيري في مزيد من الاحتقان السياسي الذي تشهده، فالولايات المتحدة تولي أهمية خاصة للنفط في دول غربي القارة الأفريقية عمومًا ونيجيريا خصوصًا، حيث تنتج هذه المنطقة حاليًا أكثر من ٤,٥ مليون برميل يوميًا، وهي بهذا تعتبر واحدة من أهم مناطق العالم إنتاجًا للطاقة خاصة في ظل عدم استقرار الأوضاع في دول الشرق الأوسط، وتأتي نيجيريا على رأس الدول الأفريقية التي تصدر النفط إلى الولايات المتحدة، حيث يحتل النفط النيجيري المركز الخامس بالنسبة لها بكمية تبلغ ١,٥ مليون برميل يوميًا.

بعد فترة من الاستقرار السياسي النسبي، عادت نيجيريا إلى الواجهة مؤخرًا عندما تناقلت وسائل الإعلام أنباء تتحدث عن الانفجارين المروعين اللذين وقعا فيها يوم عيد الميلاد، استهدف الأول كنيستين إحداهما كنيسة القديسة «تيريزا» الكاثوليكية في مدينة «ميدرا»، وأوقع حوالي (٥٠) من الضحايا بين قتيل وجريح، بينما استهدف الثاني الذي كان عبارة عن هجوم انتحاري على قافلة عسكرية، وكانت الحصيلة مقتل عشرات من الجنود في جنوب البلاد الذي تقطنه أغلبية مسيحية.

ومقابل هذه الصورة الحادة التي سعى البعض إلى إلصاقها بالإسلام، كما هي العادة في مثل هذه الأوضاع، تطالعنا صور أخرى لا تقل عنفًا نقلتها بعض وسائل الإعلام، وإن بتركيز أقل مما وقع في البلاد والتي عرضت أشلاء متناثرة لأطفال المدارس القرآنية، ومساجد تم حرقها بالكامل وداخلها جثت متفحمة، وكان وراء هذه الأعمال الإرهابية التي تناهت في البشاعة، عدد من الجماعات المسيحية المتطرفة التي تدعي حماية المسيحيين مما اعتبرته الخطر الإسلامي الماحق الذي يهدد الوجود المسيحي في نيجيريا.

محاولة للفهم

لفهم ما يجري في نيجيريا اليوم لا بد من وضعه في السياق العام للصراع المحتدم بين الشمال المسلم بأغلبيته الساحقة، وبين الجنوب الذي تقطنه أغلبية مسيحية، وهو الصراع الذي تعود جذوره إلى المذبحة التاريخية الشهيرة التي استهدفت كلاً من رئيس نيجيريا الأسبق «أحمد بللو» ورئيس وزرائه «أبو بكر تفاوا بلاوا» سنة ١٩٦٦م، وقد مثلث تلك العملية في حينها ضربة موجعة لما كان يحظى به الرجل من احترام ووزن داخل المنتديات الإسلامية العالمية التي كان أحد رموزها البارزة في تلك الفترة.

وبعد هذه الأحداث المؤلمة سار الصراع بين الجانبين في خط متعرج لكنه اتسم عبر مختلف مراحله بالدموية من خلال الهجمات الشرسة التي كانت تستهدف البسطاء من الناس في الصفين المتنازعين، مما يؤدي في كل مرة إلى تهجير مئات الآلاف من السكان وحرق أماكن العبادة، والاستيلاء على الممتلكات بعد رحيل أصحابها.

لكن الوضع العام عرف قدرًا من التحسن بعد التحول الديمقراطي الذي شهدته البلاد حين تم تدشين تفاهم غير مكتوب بأن يتم تداول السلطة بين الشمال وبين الجنوب، لكن هذا التفاهم تم خرقه بموت الرئيس السابق «عمر يردو» الذي توفي في 5 مايو من عام ٢٠١٠م، بعد صراع مرير مع المرض، وإسناد المنصب الرئاسي إلى نائبه «جوناثان غودلوك» المسيحي قبل أن يتم انتخابه رئيسًا لنيجيريا في الانتخابات الأخيرة في ١٦ أبريل ٢٠١١م.

نشأة جماعة «بوكو حرام» من الناحية الرسمية كانت عام ٢٠٠٤م، بعد النشأة الحركية في ٢٠٠٢م، وتعني «بوكو حرام» في لغة الهوسا «التربية الغربية حرام» واتخذت من مدينة «ميدو جري» عاصمة ولاية برنو الشمالية الواقعة في المربع الحدودي بين نيجيريا والكاميرون وتشاد والنيجر مقرًا لها.

لكن الواقع هو أن هذه التسمية التي راجت عن الجماعة إنما أطلقت عليها انطلاقًا من أدبياتها، التي كانت تحاول نشرها في المحيط الذي نشأت فيه، أما اسمها الحقيقي، فثمة قدر من التضارب حوله حيث يقول بعض من درس نشأة الجماعة وتطورها: إنها كانت قد أطلقت على نفسها عند ميلادها اسم «جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد»؛ هذا بينما يذهب آخرون إلى أن الاسم الصحيح للجماعة هو «أتباع تعاليم مؤسسها محمد يوسف»

ومهما يكن، فقد نجح محمد يوسف في سنة ٢٠٠٤م في تأسيسها حين استجابت لدعوته مجموعة من الشباب المسلم ممن أثرت فيهم مواعظه التي كان يلقيها انطلاقًا من المسجد الذي كان يتخذه قاعدة لأنشطته الدعوية في تلك المرحلة؛ وذلك رغم ما يوصف به بأنه ذو مستوى تعليمي متواضع كونه لم يتجاوز المرحلة الأساسية في التعليم الكتابي الذي وفره له والده كرجل متدين وصاحب كتاب، ثم خلفه في إدارة الكتاب بعد وفاته.

وفي سنة ٢٠٠٥م دخل محمد يوسف في صراع مع السلطات الرسمية، فأصبح مطاردًا، ولم يجد حلًا سوى الفرار من البلاد، واللجوء إلى المملكة العربية السعودية حيث يقال: إنه قد استفاد من وجوده فيها لتنمية مداركه الفكرية، كما احتك ببعض العلماء من التيار السلفي وزاده ذلك رسوخًا في قناعاته، ثم استطاع فيما بعد العودة إلى البلاد بعد حوالي ثلاث سنوات ليدشن مرحلة جديدة في مشروعه الجهادي.

الأسس الفكرية

أما من الناحية الفكرية، فتنتمي الجماعة إلى ما أصبح يصطلح على تسميته بالمدرسة السلفية الجهادية، وهو ما دعا البعض إلى تشبيهها بجماعة «طالبان» الأفغانية؛ بعد أن راج في حينه بأن الجماعة قد ادعت لنفسها وجود نسب عقدي أو فكري لها يربطها بجماعة «طالبان» الأفغانية وبـ«القاعدة»؛ وفي وقت لاحق جرى الحديث عن نشأة علاقة قوية بين الجماعة وبين الجماعة السلفية في المغرب العربي، والتي أصبحت تحمل اسم «القاعدة في المغرب الإسلامي» وذلك ابتداءً من ٢٠٠٩ بعد أن تسلم  أبو بكر شيخو - الذي قتل العام الماضي قيادة الجماعة خليفة عن محمد يوسف، وأرجع البعض علاقة «بوكو حرام» و«القاعدة في المغرب الإسلامي» لصدور بيانات من الجانبين بجانب تبادل الخبراء والمدربين العسكريين، كما يستشهد هؤلاء بالوسائل المستخدمة والأهداف التي أصبحت الجماعة توجه إليها ضرباتها، وهي العلاقة التي تقول بعض الدوائر الغربية بأنها كانت تتم في مراحلها الأولى على الأقل، عبر وساطة حركة الشباب المجاهدين في الصومال.

الركائز الدعوية

أما ركائز الدعوة التي أطلقتها الجماعة، فتقوم أساسًا على معاداة الفكر الغربي وإفرازاته الثقافية ومنتجاته الحضارية، وهنا جاءت تسمية الجماعة باسم «بوكو حرام» لكن هذا الموقف يتأسس هو الآخر على وجوب وجود البديل المتمثل في الدولة الإسلامية، ولو تطلبت إقامتها اللجوء إلى استخدام السلاح، وبالنسبة للسلطات السياسية والرموز التي تمثلها، فمواقف الجماعة لا تبعد كثيرًا عن النهج الشديد الذي كان قد سارت عليه جماعة «التكفير والهجرة» بمصر في بداياتها.

وعلى خلاف الصورة التي تروجها وسائل الإعلام، حين تصورها على أنها تتشكل من مجموعات غير متجانسة ومن الصعاليك أو من لفظهم المجتمع وبالتالي دفعهم السخط والرغبة في الانتقام إلى سلوك هذا الطريق الوعر؛ بالعكس من ذلك فإن الباحثين الذين استطاعوا أن يقتربوا من الجماعة يؤكدون أن صفوفها تتشكل أساسًا من الطلاب ومن بعض الجامعيين ممن ينتمون إلى الطبقات الميسورة، والمتوسطة الذين لا يمكن قبول تفسير انخراطهم في مثل هذه الجماعات التي تتبنى مثل هذه الأفكار بدافع الوضع المادي أو بسبب التضليل الفكري.

 هذه هي الحقيقة التي جاءت تصريحات الرئيس النيجيري «غودلوك» لتأكيدها، حين قال: «إن الجماعة تتمتع بنوع من التواطؤ من المسؤولين على أعلى مستوى في الدولة، وفي مختلف مؤسسات الحكومة وفي الأجهزة الأمنية وفي البرلمان وغيرها» وقد دفعت هذه التصريحات العاصفة إحدى الجمعيات الإسلامية النيجيرية المهمة إلى اتخاذ موقف قوي حين حذرت من استهداف المسلمين، وهو ما يمكن أن يستشف منه بأنها تعتبر تصريحات الرئيس نوعًا خطيرًا من التأليب ضد المسلمين.

تحولات نوعية

أما هذا الارتفاع الحاد في أنشطة الجماعة التي توصف بالإرهابية، فقد جاءت إثر فترة من الهدوء استمرت حوالي سنة، ويبدو أن الجماعة قد استغلت هذا الحيز الزمني الذي أتيح لها لإعادة تنظيم صفوفها، وبناء هياكلها وصولًا إلى استعادة قدراتها القتالية.

وخلال هذه الفترة شنت الجماعة هجمات صاعقة استهدفت مقرات القوي الأمنية إلى جانب الكنائس، لكن تحولًا نوعيًا حدث في سياستها القتالية، وذلك عندما وجهت ضربة إلى مقر الأمم المتحدة في العاصمة النيجيرية «أبوجا» وهو الهجوم الذي قتل فيه (٢٤) شخصًا من موظفي المنظمة الأممية الأمر الذي أثار رد فعل غاضبًا على مستوى العالم، كما لفت النظر إلى تنامي قدرات الجماعة القتالية، وإلى التطور الخطير الذي حدث على مستوى الأساليب والتقنيات والأساليب التي توظفها في المعركة التي تخوضها. 

ومن المرجح أن تكون تلك الضربة، وما سبقها، إنما جاءت في سياق الانتقام من الحكومة الفيدرالية، التي كانت قد شنت في شهر يوليو من سنة ٢٠٠٩م هجومًا كاسحًا على الجماعة في قاعدتها، التي كانت تقع أنذاك في مدينة «مايدو غوري» وفي هذه الواقعة الشهيرة والدعوية تعرضت الجماعة لكثير من الخسائر البشرية والمادية كان أبرزها مقتل زعيمها المؤسس محمد يوسف، وقد بلغ عدد القتلى في هذا الصراع، حسب مختلف المصادر الإعلامية حوالي (۹۰۰) شخص، كما تم تدمير مقرها بصورة كاملة، فضلًا عن عدد من عناصر الجماعة قتلوا بإطلاق النار عليهم بعد وقوعهم في الأسر، مما أدى إلى إثارة ردود أفعال من جماعات حقوق الإنسان.

 وقبل قتل محمد يوسف الذي قبض عليه في «مايد غوري» الواقعة في ولاية «بورنو» كان قد تعرض للتعذيب وقام رجال الجيش الحكومي الذين قبضوا عليه بالطواف به عبر شوارع المدينة، وهو شبه عار أمام وسائل الإعلام التي كانت تغطي الأحداث.

ما يمكن أن نخلص إليه في النهاية، هو أن ظهور مثل هذه الجماعة ليس في الواقع إلا مظهرًا من مظاهر وجود اختلالات خطيرة في بنى الدول التي أقيمت على أسس غير سوية، إلى جانب كثير من أنواع الظلم والتقصير في حق الشعوب ومصادرة إرادتها، كما كان الوضع في الدول العربية التي عاشت ربيعها الساخن، وأخرى في قائمة الانتظار الذي قد لا يطول البقاء فيها.

والملاحظة الثانية: هي أن ما يجري اليوم في نيجيريا لا يمكن فصله عن تلك الأحداث التي تقع في عموم المنطقة على ضفتي الصحراء الأفريقية، وبالأخص على ضفاف حوض تشاد الذي تجمع الدراسات الإستراتيجية على أنه يمثل أحد أهم مخازن الطاقة في المستقبل القريب، وهو ما يؤكده اكتشاف كميات ضخمة من النفط في تشاد والنيجر والبقية تأتي.

(*) كاتب وأكاديمي سنغالي
الرابط المختصر :