العنوان انتخابات مصر.. الشعب المصري يتذوق حلاوة الاختيار الحر
الكاتب أحمد عز الدين
تاريخ النشر السبت 10-ديسمبر-2011
مشاهدات 57
نشر في العدد 1980
نشر في الصفحة 14
السبت 10-ديسمبر-2011
- رغم المنافسة القوية وحداثة التجربة فإن شهادات المراقبين المحايدين تشير إلى عدم وجود انتهاكات جسيمة أو حالات تزوير جماعي.. وأن العملية الانتخابية تتوافق مع المعايير الدولية
- حصل الإسلاميون بمختلف ألوانهم إخوان - سلف - وسط على نحو ثلثي الأصوات.. لكن هذه النسبة الكبيرة قد لا تترجم إلى موقف واحد
- من المنتظر أن تكون النتائج أفضل في محافظات تعد معاقل قوية للإخوان مثل الشرقية والغربية والدقهلية.. ومع ذلك فقد تشهد عمليات التصويت التالية تحولا يغير اتجاه البوصلة ولو قليلا
لم تكد تظهر نتائج انتخابات المرحلة الأولى من الانتخابات التشريعية المصرية حتى اهتزت مصر من جديد على وقع النتائج التي حققها التحالف الديمقراطي» الذي يقوده حزب الحرية والعدالة (أسسه الإخوان المسلمون)، و التحالف الإسلامي» الذي يقوده حزب «النور» السلفي ومعه عدد من الأحزاب الإسلامية الأخرى.
ورغم أن النتائج لم تذهب بعيدًا عن المتوقع، فإن خروجها إلى أرض الواقع كان له أثر بليغ ما بين الأكثرية التي أعطت أصواتها للتحالفين، وقد فرحت لأنها رأت ولأول مرة إرادتها تتحقق، وصوتها يكون له صدى، وذاقت لأول مرة أيضا حلاوة الاختيار الحر دون تدخل أمني، وبين أقلية معارضة تتميز بعلو الصوت والسيطرة على عدد كبير من منابر الإعلام تباينت مواقفها ما بين مقر بالواقع، أو مجادل بالباطل، أو متلون متودد للسلطة البازغة.
كانت الحالة الأمنية قد وصلت أسوأ أحوالها قبيل الانتخابات بسبب المواجهات التي استمرت أياما بين متظاهرين ورجال الشرطة وأودت بحياة العشرات وأدت إلى إصابة الألوف، إلا أن نسبة المشاركة في التصويت في الجولة الأولى من المرحلة الأولى وصلت إلى ٥٢، وهي نسبة جد عالية مقارنة بالمشاركة الحقيقية في الانتخابات السابقة التي لم تكن تتجاوز ۱۰، ودعك من النسب المزورة التي كان النظام السابق يعلنها.. وقد فتحت اللجان أبوابها مدة يومين لاستيعاب الناخبين، ورغم المنافسة القوية، وحداثة التجربة فإن شهادات المراقبين المحايدين تشير إلى عدم وجود انتهاكات جسيمة أو حالات تزوير جماعي، وأن العملية الانتخابية تتوافق مع المعايير الدولية وأن التجاوزات البسيطة التي تم رصدها لا تؤثر على عملية التصويت.
أغلبية الثلثين للإسلاميين
فاز التحالف الديمقراطي بنحو ٤٠ من الأصوات، والتحالف الإسلامي بـ ٢٠ و الكتلة المصرية بـ ١٥، و«الوفد» بـ ۱۱ والوسط ب٦، وبذلك ضمنت تلك الكتل نجاح ممثلين لها في البرلمان، غير أن الحسم النهائي لعدد النواب لن يكون إلا بعد الانتهاء من المراحل الثلاث، وتجميع أصواتها معا، وممن تأكد فوزهم على قوائم الحرية والعدالة: صبحي صالح المحامي، وحسين إبراهيم في الإسكندرية، ود. حازم فاروق في القاهرة أما المقاعد الفردية وعددها ٥٨ مقعدًا، فلم يتمكن من الفوز في الجولة الأولى سوى أربعة مرشحين، وذلك بسبب تشتت الأصوات بين عدد كبير من المرشحين حتى وصل عددهم في بعض الدوائر ٧٥ متنافسا على المقعد الواحد، فيما يشترط القانون حصول المرشح على أكثر من ٥٠٪ من الأصوات وبالنسبة للإخوان فقد فاز اثنان في الجولة الأولى، أحدهما في جنوب القاهرة حصد نحو ٤٣٠ ألف صوت، والثاني في بورسعيد، فيما دخل جولة الإعادة التي من المتوقع أن تظهر نتائجها أثناء مثول المجلة للطبع ٤٥ مرشحا من التحالف الديمقراطي»، ولم يوفق ثلاثة فقط في المنافسة.
حصل الإسلاميون بمختلف ألوانهم إخوان سلف، وسط على نحو ثلثي الأصوات، حتى مع وجود عدد قليل من المرشحين من أحزاب أخرى على قوائم التحالف الديمقراطي ولكن هذه النسبة الكبيرة قد لا تترجم إلى موقف واحد لما بين الأطراف الثلاثة من اختلافات، ولو أنها تجاوزت خلافاتها لأمكنها السيطرة على توجهات البرلمان المقبل، وعلى لجنة صياغة الدستور، وعلى الحكومة.
الكتلة المناوئة
وبرزت الكتلة المصرية في المركز الثالث وهي تجمع من عشرة أحزاب ما بين ليبرالية ويسارية، ومعها حزب صوفي أكثرها حديث النشأة، وقد لجأت إلى هذا التكتل لضمان تجميع بعض الأصوات في القوائم، وهناك إشارات عدة على أنها تحظى بدعم الكنيسة التي نزلت الميدان السياسي والنقابي ضد الإخوان بشكل سافر.
ومن أبرز أحزاب تلك الكتلة حزب المصريين الأحرار»، الذي أسسه الملياردير المسيحي نجيب ساويرس»، وهو شخص يحب إثارة الزوابع من حوله، ولا يخفي بغضه للإسلام والمسلمين، كما أنه لا يضبط كلماته وقد طلب مؤخرا أثناء حوار مع قناة تلفزيونية كندية من الدول الغربية أن تدعم الأحزاب الليبرالية في مصر، المواجهة ما ادعى أنه دعم قطري للإخوان وسعودي للسلفيين فضلا عن قوله: إنه يحب شرب الخمر، وأن زوجته تحب لبس التنورات القصيرة، وأن يكون مظهرها مثيرا وقد أعادت تلك التصريحات تسخين الأجواء، وإعطاء الانتخابات بعدًا دينيًا، خاصة مع الدعم القوي الذي يلقاه ذلك الحزب من الكنيسة وعموم المسيحيين.
وتضم الكتلة أيضا حزب «التجمع» الشيوعي التوجه وعداء رئيسه د. رفعت السعيد للإسلام لا يحتاج لدليل.
التالي أفضل
وبالنظر إلى تقسيم محافظات المراحل الثلاث للانتخابات نجد أن المرحلة الأولى تضم القاهرة والإسكندرية، وهما أكبر مدينتين مصريتين تضمان الرأسماليين الكبار والعائلات المرفهة والنخبة المتغربة وفلول النظام السابق، والمسيحيين وأصحاب الاتجاهات الفكرية المناوئة للإسلام وأهل الفن»، وهؤلاء لا تذهب أصواتهم عادة للإسلاميين، ومع ذلك فقد حقق الإسلاميون فيهما هذه النتيجة العالية، ومن المنتظر أن تكون النتائج أفضل في محافظات تعد معاقل قوية للإخوان مثل الشرقية والغربية والدقهلية.. أما السلفيون فلهم وجود قوي في الإسكندرية خاصة، ثم القاهرة، وربما تقل نسبتهم في المراحل التالية.
هل يتغير اتجاه البوصلة؟
ومع ذلك، فقد تشهد عمليات التصويت التالية تحولًا يغير اتجاه البوصلة ولو قليلا: فبعد النسبة الكبيرة التي حصل عليها الإسلاميون، ظهرت نغمة الحديث عن الحاجة إلى برلمان متنوع، وبدأت وسائل إعلام حكومية وخاصة تتحدث ليل نهار عن الحاجة إلى وجود برلمان متوازن يجمع عددا من القوى السياسية المتقاربة الأوزان، وأن مصر قد عانت لعقود من هيمنة الحزب الواحد والاتجاه الواحد وليس من مصلحة مصر أن تخرج من هيمنة حزب شمولي لتدخل تحت سيطرة الأحزاب الإسلامية.
ولا تصمد تلك المقولة - رغم وجاهتها الظاهرة - أمام التحليل العلمي والتجربة العملية، فمصر وإن كانت بحاجة إلى تنوع الآراء فإنها بحاجة إلى حزب أو ائتلاف أحزاب يحصل على تفويض شعبي قوي يسمح له باتخاذ قرارات مهمة في مرحلة إعادة البناء المقبلة.
ولا تحتاج مصر إلى أحزاب متشاكسة كالتي كانت عليه قبل الثورة حتى أصبحت كلمة «حزبية» تعني التفرق والخصام.
كما أن تجربة تركيا تثبت أنه حين حصل حزب العدالة والتنمية على هذا التفويض القوي استطاع انتشال تركيا من الفوضى السياسية والخراب الاقتصادي.
ومع ذلك يظل أصحاب هذا القول أفضل ممن لا يزالون يستخدمون أساليب الغوغائية والتهييج والإسفاف، ممن يزعمون أن الإخوان يشترون أصوات الناخبين بالزيت والسكر والمساعدات العينية التي يقدمونها للفقراء أو أنهم أثروا على الناخبين أمام اللجان الانتخابية.. أو من يحاول إثارة الرعب والفزع في قلوب الناس بزعم أن صعود الإسلاميين معناه خراب الاقتصاد، والحجر على الحريات أو من يتأسف على الخمر والعري على الشواطئ.
وقد كان لافتًا أن عددًا من المثقفين المنصفين من غير الإسلاميين كانوا يردون على تلك الدعاوى، ويتساءل بعضهم: إذا استطاع الإخوان التأثير على البسطاء بالزيت والسكر فكيف استطاعوا التأثير على أعضاء النقابات المهنية من صفوة المجتمع، وقد حققوا نجاحات متواصلة في عدد كبير من النقابات؟! وكيف استطاعوا التأثير على المصريين العاملين بالخارج، ممن يتقاضون رواتب أعلى من نظرائهم في مصر؟! كما يهزأ هذا الفريق من المثقفين المنصفين من جهل أصحاب ذلك الخطاب بثقافة الشعب المصري، فالغالبية الساحقة من المصريين لا تشرب الخمر، ولا تسمح بالعري الفاحش على الشواطئ.
لطالما بقيت الحياة السياسية في عهد «مبارك» راكدة مملة، واليوم تضربها أمواج التغيير من كل اتجاه، وما سمع المصريون عما تحقق في تونس ثم المغرب، حيث فاز حزبا «النهضة» و«العدالة والتنمية بالأغلبية النسبية، وشرعا في تشكيل حكومتين ائتلافيتين، أصبح قاب قوسين أو أدنى في مصر، لكن كما يحدث في تونس أيضا، فإن مدعي الليبرالية والديمقراطية هم من يقفون ضد إرادة غالبية الشعب محاولين فرض وصايتهم عليه..