العنوان في فقه الدعوة.. من صفات الدعاة الحركة الدائبة (الحلقة الأولى)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 26-أبريل-1983
مشاهدات 58
نشر في العدد 618
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 26-أبريل-1983
المسارعة في الإثم ليست من صفات
الدعاة
مقدمة
النملة
ذلك المخلوق الصغير الذي سمى الله سبحانه وتعالى سورة كاملة باسمه (سورة
النمل)، إذ يقول الله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ
قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا
يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (النمل:
18) فبين سبحانه أن للنمل قيادة حريصة، ذات رعاية عميقة لأتباعها، وأن لها
جنودًا يطيعون، في تنظيم دقيق وجاء في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد عن ابن عباس: «نهى
عن قتل أربع من الدواب، النملة والنحلة والهدهد والصرد»([1]) ، وذلك أن «النملة أثنت على سليمان
وأخبرت بأحسن ما تقدر عليه بأنهم لا يشعرون إن حطموكم ولا يفعلون ذلك عن عمد منهم،
فنفت عنهم الجور، ولذلك نهى عن قتلها»([2])، وعندما نلتفت إلى معنى اسمها
فإنها «سميت النملة نملة لتنملها، وهو كثرة حركتها وقلة قرارها»([3])، فلا تراها إلا وهي وتمشي ليلًا ونهارًا،
صيفًا وشتاء، ربيعًا وخريفًا، وإن وقفت في الطريق، فإنما لتشاور أختًا لها على
مواصلة الطريق، أو أنها وقعت على صيد جديد.
فأجدر
بمعشر الدعاة أن تكون لهم حركة كحركتها، لا يقفون في منتصف الطريق، ولا يبردون إذا
هبت عليهم رياح اليأس، أو تشل حركتهم إذا اجتاحهم أعاصير الفتن، فالحركة في قاموس
الدعوة هي الحياة، والسكون هو الموت، أو كما قال الإمام الجيلاني: «الحركة بداية
والسكون نهاية» ([4])بداية بكل ما تحمل الكلمة من القوة والاندفاع،
والسكون نهاية في كل شيء، نهايته كإنسان وإن كان يتنفس.
وها
نحن نرى الماء الذي مدحه الله سبحانه وتعالى وعظم أمره إذ قال في كتابه الكريم: ﴿وَجَعَلْنَا
مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾
(الأنبياء:30)؛ وذلك بأن جعله الأساس في كل شيء حي يتحرك، ولكنه إذا فقد
الحركة منع من الاغتسال فيه، فقد روى البخاري في صحيحه عن رسول الله- صلى الله
عليه وسلم: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه»([5])، فهي حركة دائمة لا تعرف التوقف إلا
للاستعداد لانطلاق جديد ولا تعرف الملل أو الضجر حتى تصل إلى أرض الجنة إن شاء
الله.
أصل الحركات:
يقول
الإمام ابن القيم: «كل متحرك فأصل حركته المحبة والإرادة» ([6])حب الشيء هو الميل إليه لاعتقاده أنه يتميز عن
باقي ما يماثله، هذا الميل متعلق بالقلب، وهو وحده لا يسبب التحرك إلا إذا لازمه
الأصل الثاني للحركات وهي «الإرادة» والتي تعتبر الدافع لترجمة الأصل
الأول، فإذا تم ذلك تحركت الجوارح في خدمة ذلك المحبوب، وهذا يدعونا أن ننمي هذين
الأصلين فيمن نريد أن نربيه على الحركة النملية، وذلك لأن نسبة التحرك تساوي نسبة
الموجود من هذين الأصلين.
أنواع الحركات:
فإذا
تحقق الأصلان ظهر التحرك إما في اتجاه الخير أو في اتجاه الشر، وانطلاقًا من تلك
الحقيقة، تنقسم أنواع الحركات إلى قسمين، التحرك السليم والتحرك الخاطئ.
أولًا: التحرك الخاطئ:
وهو
كل تحرك يغضب الله- سبحانه وتعالى- ويزيد من حجم الباطل.. ولقد ذكر القرآن
الكريم بعض أنواع هذا التحرك وصفات المتحركين له، ومن هذه الصفات:
1-
يسارعون في الإثم: والمسارعة أو المبادرة هي من أجل الصفات التي يسعى الدعاة
لاحتواء من توجد فيه، وهي من الصفات النادرة بين معاشر الدعاة وتكون لها أخطر
العواقب إذا وجدت في أصحاب الباطل.
يقول
الله سبحانه وتعالى ﴿وَتَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ
فِي الْإِثْمِ﴾ (المائدة: 62).
يقول
سيد قطب- رحمه الله: «والمسارعة مفاعلة، تصور القوم كأنما يتسابقون تسابقًا
في الإثم والعدوان، وأكل الحرام، وهي صورة ترسم للتبشيع والتشنيع، ولكنها تصور
حالة من حالات النفوس والجماعات حين يستشري فيها الفساد، وتسقط القيم، ويسيطر الشر.
وإن
الإنسان لينظر إلى المجتمعات التي انتهت إلى مثل هذه الحال، فيرى كأنما كل من فيها
يتسابقون إلى الشر، إلى الإثم والعدوان، قويهم وضعيفهم سواء»([7])، ولخطورة هذه الصفة، يترتب عليها كثير من
المفاسد ولعل ذلك يحزن أصحاب التحرك السليم، أو يسبب لهم اليأس والخوف من الباطل
وانتفاشه، فلذلك يطمئن الله- سبحانه وتعالى- أصحاب الحق ويقول لهم: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ۚ﴾ (آل
عمران: 176).
2-
حركة المنافقين:
يقول
الله سبحانه وتعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ
وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ
الْمَوْتِ ۚ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ. يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ
أَبْصَارَهُمْ ۖ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ
عَلَيْهِمْ قَامُوا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ
ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة:19-20)، فهي حركة كما
يمثلها القرآن لا تثبت على حال، دائمًا في تردد وحيرة ويزيد في تلك الحيرة ما
يعيشه المنافق من ازدواج في الشخصية والظهور في صورتين: باطنية، وظاهرية.
يقول
صاحب الظلال: «إن هذه الحركة في المشهد لترسم -عن طريق التأثر
الإيحائي- حركة التيه والاضطراب والقلق والأرجحة التي يعيش فيها أولئك
المنافقون بين لقائهم للمؤمنين وعودتهم للشياطين، بين ما يقولونه لحظة ثم ينكصون
عنه فجأة، بين ما يطلبونه من هدى ونور وما يفيئون إليه من ضلال وظلام»([8]).
وكذلك
يصف سبحانه وتعالى صفة تحركهم للعبادة بالكسل؛ إذ يقول سبحانه وتعالى ﴿وَإِذَا
قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ﴾ (النساء:142) يقول الإمام
القرطبي «أي يصلون مراءاة وهم متكاسلون متثاقلون لا يرجون ثوابًا ولا يعتقدون على
تركها عقابًا»([9]).
التحرك الخاطئ:
3-
الصبر على عبادة الطاغوت:
يقول
الله سبحانه وتعالى: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا
وَاصْبِرُوا عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ ۖ﴾ (ص:6).
يقول
الإمام القرطبي «الملأ: الأشراف، والانطلاق: الذهاب بسرعة، أي
انطلق هؤلاء الكافرون من عند رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول بعضهم لبعض ﴿أَنِ
امْشُوا﴾ أي امضوا على ما كنتم عليه ولا تدخلوا في دينه ﴿وَاصْبِرُوا
عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ﴾»([10]).
وهي
نفس الصفة الأولى، الإسراع والانطلاق في معصية الله سبحانه وتعالى، ولكن هنا لازمت
هذه الصفة، صفة أخرى وهي الصبر على هذا الإسراع والمعاهدة على الاستمرار فيه، وهذه
بحد ذاتها تعتبر صفة مستقلة للتحرك الخاطئ، أو تحرك أهل الباطل.
وينظر
سيد- رحمه الله- إلى هذه الصفة من منظور آخر إذ يقول: «إن طريقة الكفار في مجابهة
هذا الدين هي الطريقة المألوفة المكرورة التي يصرف بها الطغاة جماهيرهم عن
الاهتمام بالشؤون العامة والبحث وراء الحقيقة، وتدبر ما يواجههم من حقائق خطيرة،
ذلك أن اشتغال الجماهير بمعرفة الحقائق بأنفسهم خطر على الطغاة، وخطر على الكبراء
وكشف للأباطيل التي يفرقون فيها الجماهير، وهم لا يعيشون إلا بإغراق الجماهير في
الأباطيل»([11]).
وهو
استلال بديع وفق الله سبحانه وتعالى "سيد" لاستخراجه من ظلال الآية
الكريمة.
4-
اختراق الأرض:
يقول
الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ
إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ (الإسراء:37).
وهي
الصفة التي ينهى لقمان ابنه عنها ويربيه على تركها، لأنها في الاتجاه الخاطئ.
وهي
كما قال الحافظ بن كثير: «أي متبخترًا متمايلًا مشي الجبارين» ([12]) ثم يوضح له لقمان أنه بهذه المشية لن يقطع
الأرض ولن يبلغ الجبال طولًا، وهو تصوير عجيب يصوره الله- سبحانه وتعالى- لأصحاب
التحرك الخاطئ المتكبرين المتبخترين في مشيتهم وكأنهم يشعرون أنهم أعلى من الجبال،
أو قادرون على اختراق الأرض.
5-
الهماز المشاء:
يقول
الله سبحانه وتعالى ﴿هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ (القلم:11) يقول
الإمام القرطبي «أي يمشي بين الناس ليفسد بينهم، يقال نم ينم ونميمًا ونميمة
أي يمشي ويسعى بالفساد»([13]).
وهذا
أيضًا جهد يقدمه صاحب هذه الصفة، ولكن في سبيل تفكيك الروابط الاجتماعية، وذلك
ناتج من مرض الحسد والحقد الذي فيه والذي سببه كثرة المعاصي، ونلاحظ أن هذا
الإنسان يكون دائمًا قلقًا بسبب عدم ارتياحه لراحة الآخرين.
([1]) أخرجه أحمد وأبو داود وصحه
الألباني (ص.ج.ص 6845).
([2]) القرطبي 7/4888.
([3]) القرطبي 7/4885.
([4]) الفتح الرباني ص240.
([5]) البخاري (الفتح 239)- كتاب الطهارة.
([6]) الجواب الكافي ص143- دار الكتب العلمية.
([7]) الظلال 2/928 الشروق.
([8]) الظلال 1/46.
([9]) تفسير القرطبي 3/1992.
([10]) تفسير القرطبي 8/5595.
([11]) الظلال 5/3009.
([12]) تفسير ابن كثير 3/40- المكتبة
التجارية.
([13]) تفسير القرطبي 10/6711.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل