العنوان الشعور بمعية الله من صفات الدعاة
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 30-سبتمبر-1980
مشاهدات 120
نشر في العدد 499
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 30-سبتمبر-1980
وهي من أهم الصفات التي يتحلى بها الداعية، ولولاها ما جرئ داعية أن ينطق بالحق أمام طاغية، وأنى له الجرأة وهو لا يشعر بأن القوة المطلقة معه، أمام قوة هزيلة مخلوقة لا حول لها ولا قوة، إن الانتكاسة الشعورية عند الداعية التي يتبعها الجبن والخوف والهلع، وإلى آخر هذه الصفات إنما تبدأ عندما ينسى الداعية تلك الحقائق عن الله سبحانه وتعالى، إما لحظيًا وإما أبديًا والعياذ بالله.
من ذلك يتبين أن الشعور بمعية الله ينتج عنه أبرز هذه الصفات التي يحتاجها الدعاة إلى الحق، وهي «القوة والثبات واليقين والجرأة والصبر والثقة» وحتى يتجلى هذا المعنى نعيش مع نماذج ممن تحلوا بهذه الصفة فتكونت بمواقفهم أجيال من الدعاة...
داعية من أولي العزم
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدً لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا﴾. (مريم: 91-88).
هكذا يصور التعبير القرآني موقف السماوات والأرض والجبال عندما ادعى بعض الناس أن لله ولدًا، مع الإيمان بوجود الله، ولكن كيف كانت السماوات والأرض والجبال، عندما أنكر طاغية من طغاة الأرض وجود الله كلية، ونصب نفسه مكانه وقال ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾. (النازعات: 24).
وأمام هذا الفساد ربى الله سبحانه وتعالى رسولًا من أولي العزم المهمة القضاء على هذا الفساد ونشر الحق بدلًا منه، وعندما اكتملت تربية موسى عليه السلام لهذا الأمر العظيم «أمر» بالرسالة قال له الله سبحانه وتعالى ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾. (طه: 43-42)>
ولهول هذه المهمة بدت الصفات الفطرية بالإنسان تنكشف ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىٰ﴾. (طه: 45).
وهنا يدل الله سبحانه وتعالى موسى وهارون عليهما السلام على الدواء الذي يشفي من مرض الخوف ﴿قَالَ لَا تَخَافَا ۖ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾. (طه: 46)
«إنني معكما إنه القوي الجبار الكبير المتعال، إنه الله القاهر فوق عباده، إنه موجد الأكوان والحيوات والأفراد والأشياء، بقوله كن ولا زيادة، إنه معهما وكان هذا الإجمال يكفي، ولكنه يزيدهما طمأنينة ولمسًا بالحس للمعونة أسمع وأرى فما يكون فرعون وما يملك وما يصنع حين يفرط أو يطغى؟ والله معهما يسمع ويری».
التطبيق الأول
يقف موسى وأخاه أمام الطاغية الكبير «فرعون» دونما خطرات من خوف وبكل ثقة وجرأة يقولان له وبكلمات مليئة بالعزة، وبأسلوب يشبه الأمر ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ ۖ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ ۖ وَالسَّلَامُ عَلَىٰ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَىٰ﴾. (طه: 47).
وينهيان كلامهما بتهديد لاذع.. ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾. (طه: 48).
أليس هذا هو موسى بذاته الذي كان يقول: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾. (القصص: 33).
والقائل ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾. (الشعراء: 12)، والقائل مع أخاه ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىٰ﴾. (طه: 45).
ولكنه الشعور بمعية الله هو الذي أحدث هذا الانقلاب النفسي في حياة موسى فكان منه ما كان.
التطبيق الثاني
وبعد أن رسخ في نفس موسى عليه السلام الشعور بمعية الله نراه يتعرض لموقف لا يستطيع أن يتصرف حياله إلا أصحاب الإيمان الشامخ بهذه العقيدة «لقد أسرى موسى بعباد الله بوحي من الله وتدبير فاتبعهم جنود فرعون في الصباح بمكر من فرعون وبطر، ثم ها هو ذا المشهد يقترب من نهايته والمعركة تصل إلى ذروتها.. إن موسى وقومه أمام البحر ليس معهم سفين ولاهم يملكون خوضه، وما هم بمسلحين، وقد قاربهم فرعون بجنوده شاكي السلاح يطلبونهم ولا يرحمون، وقالت دلائل الحال خلالها ألا مفر والبحر أمامهم والعدو خلفهم: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾. (الشعراء: 61)، وبلغ الكرب مداه وإن هي إلا دقائق تمر ثم يهجم الموت ولا مناص ولا معين، ولكن موسى الذي تلقى الوحي من ربه لا يشك لحظة وملء قلبه الثقة بربه واليقين بعونه، والتأكد من النجاة، وإن كان لا يدري كيف تكون فهي لا بد كائنة
والله هو الذي يوجهه ويرعاه ﴿قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (الشعراء:62).
كلا في شدة وتوكيد
كلا لن نكون مدركين
كلا لن نكون هالكين
كلا لن نكوني مفتونين
كلا لن نكون ضائعين ﴿كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.
بهذا الجزم واليقين والتأكيد في اللحظة الأخيرة ينبثق الشق المنير في ليل اليأس والكرب، وينشق طريق النجاة من حيث لا يحتسب ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ (الشعراء:63).
ووقعت المعجزة وتحقق الذي يقول عنه الناس مستحيل، لأنهم يقيسون سنة الله على المألوف المكرور، والذي خلق السنن قادر على أن يجريها وفق مشيئته عندما يريد.
المربي الأول
يضطرب أبو بكر رضي الله عنه لسماعه خفق أقدام المطاردين للرسول قريبا منهم، ويسمع أصوات مناقشاتهم قريبا جدا في الكهف، ويتملكه الخوف الشديد علي رسول صلى الله عليه وسلم لا على نفسه، وبموازين البشر يهمس للرسول صلى الله عليه وسلم قائلا (لوأن أحدهم رفع قدمه لرآنا) وبكل ثقة بمعية الله ودون شك بنصر الله وبطمأنينة كاملة يرد الرسول صلى الله عليه وسلم على أبي بكر مبرهنًا له على هذه الصفة الحميدة (لا تحزن إن الله معنا) (ما ظنك باثنين الله ثالثهما) وتمضي هذه الكلمة درسا لكل دعاة الحق على مر العصور- لا تحزنوا ولا تخافوا ولا يهولكم حجم البلاء المتورم فإن الله معنا.