; 14 عامًا من تاريخ الإخوان المسلمين في مصر | مجلة المجتمع

العنوان 14 عامًا من تاريخ الإخوان المسلمين في مصر

الكاتب محمود الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 08-سبتمبر-1998

مشاهدات 75

نشر في العدد 1316

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 08-سبتمبر-1998

  • دعوة رواد المقاهي إلى الإسلام والتي تبناها الإخوان كانت أسلوبًا مبتكرًا لإيصال دعوتهم إلى فئات الشعب.

  • كان الإخوان أول من دعا إلى تأميم قناة السويس عام 1941م مما ينفي شبهة أي علاقة سرية بين الإخوان والإنجليز.

المؤلف: برينيار ليا (1 من 2)

يعرض الباحث في هذا الكتاب تاريخ جماعة الإخوان المسلمين في مصر في السنوات الأربع عشرة الأولى من عمر الجماعة في ظل مؤسسها الإمام الشهيد حسن البنا -رحمة الله- وقد ركّز الكاتب على هذه الفترة من الزمن مدعيًا بأن أحدًا من الباحثين، أو الكتاب لم يتعرض لنشأة الجماعة التي غدت خلال سنوات قليلة أكبر جماعة إسلامية عددًا وانتشارًا، كما أن تلك الفترة تحديدًا شهدت بدايات انخراط الجماعة في العمل السياسي من خلال مشاركتها في الثورة الفلسطينية ضد الإنجليز في الثلاثينيات، والذي بدأ يتشكل بصورة أوضح مع بداية الحرب العالمية الثانية.

الكاتب برينيار ليا، نرويجي الجنسية يعمل باحثًا في مؤسسة البحوث الدفاعية النرويجية ومدرسًا في معهد الدراسات الشرقية في جامعة أوسلو، وقد بلغ به اهتمامه بالشؤون العربية إلى حد اختياره عضوًا في قوة المراقبة الدولية في مدينة الخليل عام 1996م، وقام الباحث بإعداد مادة الكتاب بعد سنتين من البحث والتقصي في القاهرة بين عامي 1993م و1995م، وقدّم الكتاب الكاتب الإسلامي المصري جمال البنا شقيق الإمام الشهيد حسن البنا.

ويتألف الكتاب الذي صدر باللغة الإنجليزية في أكتوبر عام 1997م من 328 صفحة من القطع المتوسط، ذات الطباعة الفاخرة، وقسّم الباحث كتابه إلى ثلاثة أجزاء، إضافة إلى المقدمة، فقد تناول الجزء الأول نشأة وتأسيس جمعية الإخوان المسلمين بين عامي 1928م و1931م، والثاني: تحول الجمعية إلى حركة بين عامي 1931م و1936م، ثم عالج الجزء الأخير بروز الإخوان المسلمين كحركة جماهيرية بين عامي 1936م و1942م.

ويعترف برينيار ليا بأن الدراسات التي تناولت الإخوان المسلمين محدودة جدًّا بين الباحثين الغربيين على الرغم من أن هذه الجماعة تعتبر الجماعة الأم لكل الحركات الإسلامية الحديثة، وباستثناء ريتشار ميتشيل الذي ألّف عام 1969م كتاب «جمعية الإخوان المسلمين»، لم يضف أي من الكتب الأخرى قيمة كبيرة إلى البحوث التي تتناول هذه الجماعة، ومع ذلك فإن ميتشيل ركز دراسته على الإخوان المسلمين في النصف الثاني من الأربعينيات وفترة الخمسينيات.

يلاحظ الباحث وجود عدد من الروايات عن نشأة الإخوان المسلمين، إلا أنه يورد روايتين عن نشأة الجماعة مأخوذة من رسائل الإمام البنا إلى والده، ومن كتيب كتبه أحد مؤسسي الجماعة الذي انشق عن الجماعة عام 1932م، ويعطي الباحث نبذة مختصرة عن عائلة الإمام البنا، وبخاصة والده الشيخ أحمد عبد الرحمن الساعاتي، الذي ألّف كتاب «الفتح الرباني» الذي صنّف فيه مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، وقد حرص الشيخ بعد انتقاله إلى القاهرة عام 1923م على تعليم أولاده، ومنهم ولده الأكبر حسن التعليم المناسب، على الرغم من الضائقة المالية التي كانت تعاني منها الأسرة، وبعد تلقي الإمام حسن البنا تعليمه العالي في دار العلوم، عاد إلى الإسماعيلية عام 1927م ليعمل مدرسًا في إحدى مدارسها.

ويرى الباحث أن اتجاه الناس نحو العمل الوطني وانخراطهم فيه في بداية العشرينيات دفع الشاب حسن البنا إلى التحرك والعمل للدين الإسلامي على خلاف والده الذي كرّس حياته للعمل الأكاديمي الخالص، وهكذا بدأ بإنشاء جمعيات إصلاح إسلامية أو المشاركة فيها كجمعية صحافية خيرية، التي اعتبرها فيما بعد الجمعية التي خرجت منها جماعة الإخوان المسلمين، وكان للجمعية المذكورة هدف مزدوج، الأول بناء عامة الشعب، بناء أخلاقيًّا، ومنع النشاطات التنصيرية التي كانت تقوم بها ثلاث فتيات من البعثة الإنجيلية المسيحية متسترات بالعلم كممرضات، وتدريب النساء على التطريز، وإيواء الأيتام، واستنتج الباحث أن الإمام البنا لم يكن في بدايات شبابه منعزلًا -كما هي حال الصوفية- بل كان متفاعلًا مع مجتمعه ومحيطه.

واتسعت مدارك حسن البنا كثيرًا مع انتقاله إلى القاهرة عام 1923م، وتغيرت مفاهيمه عن وضع الدين في المجتمع المصري تغيرًا جذريًّا، فأثناء دراسته في دار العلوم تعرض لحملات العلمنة والتغريب التي لم يكن يألفها أثناء حياته في الريف المصري، وأنشأ البنا خلال هذه الفترة جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية، وأقام علاقات واسعة مع شخصيات ودوائر إسلامية في القاهرة، والتي عملت على إنشاء جمعية الشبان المسلمين في نوفمبر 1927م، وكان الشيخ محب الدين الخطيب- صاحب المكتبة السلفية- يصدر عددًا من المجلات الإسلامية أهمها مجلة «الفتح»، التي أعطت الإمام البنا فرصة كبيرة لنشر مقالاته فيها تمهيدًا لإنشاء جمعية الإخوان المسلمين بعد ذلك بقليل.

ويعطي الباحث النرويجي وصفًا لحالة مدينة الإسماعيلية عام 1927م عندما جاءها الإمام البنا للعمل في سلك التدريس، فقد كان يوجد في الإسماعيلية التي تقع في منطقة قناة السويس قواعد عسكرية كثيرة للإنجليز، وكانت الإسماعيلية أيضًا مقرًا لشكرة قناة السويس المملوكة لبريطانيا وفرنسا معًا، وسيطر هذا التواجد الأجنبي فيها على الحياة الاجتماعية والثقافية في المدينة، حيث بدت فيها الفوارق الطبقية الاجتماعية الواسعة بين المقيمين الأجانب والطبقة المصرية الثرية من جهة وعامة أهل البلد الفقراء من جهة أخرى، وهو ما لفت انتباه البنا إلى الظلم الاجتماعي والاقتصادي في المجتمع المصري في تلك الفترة.

ويفند الباحث النرويجي المزاعم عن وجود نزعة طاغية لدى الإخوان لمعاداة الغرب على الإطلاق قائلًا: إن البنا لم يظهر أي نزعة معادية للغرب في تلك الفترة، ولم يكن يحرض الناس ضده، وأن اهتمامه كان منصبًا على رفض التقليد الأعمى للغرب بين طبقة المتعلمين المصريين، التي أدت ببعضهم إلى رفض الإسلام والثقافة الإسلامية، ولاحظ بأن الإشارات إلى الغرب كانت كثيرة في مقالات البنا في مجلة «الفتح»، ومجلة «الإخوان المسلمين» في الثلاثينيات، لكنه كان يحض فيها على عدم تقليدهم، ويورد أمثلة إيجابية من أوروبا كان يأمل من المصريين اتباعها وتقليدها.

ولاحظ برينيار بأن الإمام البنا بدأ يجذب إليه الشباب المصري منذ بداية تشكيل الجماعة عن طريق مقالاته في مجلة الفتح وغيرها ومحاضراته التي كان يلقيها في جمعيات الإصلاح الإسلامية الخيرية والدروس في المساجد، حيث كان يلقي درسين في المساجد المحلية كل أسبوع، وهو ما عزز مكانته وسمعته بين الناس، كما كان ينتقل بين المقاهي الشعبية ليقابل الناس فيها ويقدم لهم المواعظ والإرشاد، على الرغم من أن عامة الناس كانوا ينظرون إلى ريادة تلك المقاهي التي كانت قد بدأت تنتشر في مصر باعتبارها عيبًا، وسرعان ما اشتهر البنا بين الناس بقدراته الخطابية وشخصيته الجذابة، وساعده ذلك في بناء علاقات قوية مع شخصيات إسلامية مختلفة في الإسماعيلية وبخاصة بعض الأغنياء منهم الذي استعدوا لدعم الجماعة ماليًّا ومعنويًّا، ولاقى أسلوب البنا في دعوة الناس في المقاهي في الإسماعيلية وفي القاهرة عن طريق أتباعه هناك بعض النجاح، لكن تركيزه وجماعته كان منصبًا أساسًا على الدعوة في مساجد القرى المصرية، والتي أصبحت أهم مكان لتجنيد وتنظيم الإخوان المسلمين في الثلاثينيات، والواقع أن دعوة رواد المقاهي إلى الإسلام، والتي تبناها الإخوان المسلمون كانت أسلوبًا مبتكرًا عندهم لإيصال دعوتهم إلى جميع فئات الشعب.

كان بناء المساجد من الأمور التي ركز عليها أوائل الإخوان المسلمين، وكان الناس يتجاوبون مع حملات جمع الأموال لبناء المساجد، وقد تطلب الأمر من الإخوان تأسيس جمعية خاصة بهم سموها «جمعية الإخوان المسلمين» في الإسماعيلية عام 1928م، وحصلت على ترخيص رسمي بالعمل كجمعية خيرية، ومن غير الواضح -كما يقول الباحث- الكيفية التي نظمت بها الجمعية في السنوات الثلاث الأولى من تأسيسها، إلا أن بناءها الخارجي كان عبارة عن جمعية إسلامية خيرية تطغى عليها مسحة قوية من الصوفية، وشيد الإخوان أول مسجد لهم في الإسماعيلية عام 1931م وبنوا فوقه ناديًا ومدرسة للأولاد، وبعد عام أقاموا مدرسة للبنات.

وعن كيفية تربية الأعضاء فيها يؤكد برينيار بأن وظيفة الإمام البنا كمعلم مدرسة، جعلت تركيز الإمام ينصب على تربية الأفراد تربية إسلامية والاهتمام بسلوكهم الأخلاقي.

وعن علاقة الإخوان المسلمين بالإنجليز، يشير برينيار إلى عدم وجود أي دليل يثبت وجود تفاهم أو علاقة سرية بينهم، ويرى بأن خصوم الإخوان أشاعوا تلك العلاقة بدافع الحسد ولدوافع سياسية أخرى، كما أشار إلى أن المبرر الذي اتخذه خصومهم لإلصاق هذه التهمة بالإخوان هو تبرع قيمته 500 جنيه مصري قدمته شركة قناة السويس «المملوكة للإنجليز» لجميعة الإخوان لإكمال بناء مسجدهم، ولم يكن تبرع الشركة الإنجليزية للجمعيات الخيرية أو لبناء مساجد في ذلك الوقت مسألة تثير الشبهات، كما أن الكاتب يشير إلى أن الإخوان المسلمين كانوا من أول من دعا إلى تأميم قناة السويس، وكان ذلك عام 1941م مما ينفي شبه العلاقة السرية بني الطرفين.

ومن أهم عوامل التغيير التي طرأت على جمعية الإخوان المسلمين في السنوات الأولى فتح فرع لهم في القاهرة عام 1931م بعد دمج عدد من الجمعيات الإسلامية الصغيرة في القاهرة، والتي أنشأها عبد الرحمن الساعاتي شقيق الإمام البنا مع الإخوان المسلمين، حيث أصبح لهم حضور تنظيمي في القاهرة، ومن ثم علاقات مع الدوائر الإسلامية فيها.

وتطور وضع الإخوان المسلمين مع انتقال البنا إلى القاهرة عام 1932م بعد حصوله على وظيفة معلم في إحدى مدارسها.

وظل الإخوان المسلمون جمعية خيرية حتى النصف الثاني من الثلاثينيات، عندما اندلعت الثورة الفلسطينية عام 1936م، حيث تجاوز عدد فروعهم في ذلك العام المائة فرع، وأصبح الإخوان عندها مستعدين جيدًا للاستفادة من التطورات السياسية الجديدة في مصر أثناء الثورة الفلسطينية بين عامي 1936م و1939م، وبسبب ما أسماه الباحث باهتمام الإخوان المسلمين بالتربية الأيديولوجية أصبحوا أكثر تسيسًا من الجمعيات الإسلامية الأخرى، وأشار أيضًا إلى أن الإخوان في عام 1934م حذفوا فقرة من نظامهم الداخلي تنص على أن الجمعية لا تتدخل في الأمور السياسية، وظهرت اتهامات للإخوان بأنهم جماعة سياسية، لكن الإمام البنا رد عليها بأن الإسلام نظام حياة شامل لكل مناحي الحياة، وأنه يهتم بالأحداث التي تجري في هذا العالم ولا يعزل نفسه عنها، لكن الإخوان لم يعلنوا رسميًّا عن نيتهم بإيلاء العمل السياسي أهمية إلى في عام 1938م مع تأكيدهم على الابتعاد عن الحزبية، ويشير برينيار إلى أن اهتمام الإخوان بالسياسة إلى جانب الدين كان أحد العوامل القوية التي جذبت إليهم شباب مصر في النصف الثاني من الثلاثينيات، وبخاصة شباب الطبقة المتوسطة والمتعلمة، وشكّل الإخوان في تلك الفترة اتجاهًا جديدًا وشعبيًّا بمطالبتهم للنخبة الحاكمة بتحكيم الإسلام ورفضهم لاحتكار الحكم من جانب هذه النخبة والمطالبة بحق الجميع في المشاركة السياسية.

ويرى برينيار وجود مسحة براجماتية على فكر الإخوان منذ بدايات تأسيس جماعتهم، وهي التي ظهرت من خلال تبنيهم للكثير من المؤثرات الغربية، والتي يرى الإخوان بأنها لا تتعارض مع تعاليم الإسلام وروحه، أو أنها في الأصل أفكار أخذها الغرب عن الإسلام قبل أن يطوروها بأسلوبهم، ويدلل الباحث على هذا التوجه الانفتاحي لدى الإخوان باهتمام الإمام حسن البنا بإرسال عدد من الصحفيين العاملين في صحيفة الإخوان المسلمين، لدراسة الصحافة الحديثة في الجامعة الأمريكية في القاهرة عام 1939م، حيث كان يرى بأن الصحافة «أقوى سلاح للدعاية»، كما اقترح الإمام البنا إرسال عدد آخر من كوادره إلى كلية الخدمة الاجتماعية- وهي كلية غربية النزعة- على الرغم من تصريحه، بأنها «تخدم مصالح الإرساليات التبشيرية والإمبرياليين في مصر»، لكن برامجها العلمية والعملية يمكن أن تسهل عمل الإخوان في مجال الخدمة الاجتماعية، وأن ذلك سيفتح الأبواب للإخوان لخدمة المجتمع المصري، كما يقول الإمام البنا في مذكراته، ويضيف الباحث بأن الإمام البنا والإخوان تبنوا أيضًا بعض الاصطلاحات الوطنية والقومية: كالدستور، والقانون، والوطن، بالمعاني نفسها المستخدمة لدى المفكرين السياسيين العرب إلا أنهم أعطوها بُعدًا إسلاميًّا.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل