; محنة المسلمين تولد الأمل في نصر الله | مجلة المجتمع

العنوان محنة المسلمين تولد الأمل في نصر الله

الكاتب محمد عبدالله الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 29-يونيو-1999

مشاهدات 69

نشر في العدد 1356

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 29-يونيو-1999

في شهر ربيع الأول، ومنذ قرون طواها التاريخ، تشرفت الدنيا بميلاد سيد الدعاة صلى الله عليه وسلم وظهر نوره بمكة، ثم شع في العالم كله، فكان النعمة المسداة، والرحمة المهداة، والسراج المنير، ومن سنن الله في هذا الكون أن المعاني المجردة لا تستقر في أذهان أكثر الناس ما لم تقترن بمثال محسوس، وبواقع مشاهد، يوضح المعالم، ويطبق المبادئ، وشاء الله عز وجل أن يجسد في سيد الدعاة صلي الله عليه وسلم لمبادئ الإسلام، وشريعته الخالدة، وأخلاقه السامية، ومثله العليا، ولذلك من الواجب علينا أن نقترب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن نصاحبه وأن نحبه حب الأسوة والقدوة والأتباع، حب الفقه لأقواله وأعماله وخصاله كلها، فهو المثل الخالد وهو المعين الذي لا ينضب صلي الله عليه وسلم، «لقد كان لكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة»، لقد ولد صلى الله عليه وسلم في قمة الحسب والنسب في الجزيرة العربية، وكان لذلك الأمر أثره -بقدر الله وتدبيره- فقد كانت له منزلته ومهابته بين قومه، فالمنبت طاهر، والبيت أصيل، والطهر والعفاف سمات أساسية في حياته، والعقل الراجح يتدبر ويتأمل ويفكر، والصلة عميقة بين الداعية وقومه، يعرفونه من خلالها، ويلقبونه بالأمين، معرفة فيها الحجة والبرهان عليهم، وفي مستنقع الجاهلية، وبحر الشهوات حفظ الله رسوله صلى الله عليه وسلم، حتى من مجرد المشاركة في اللعب مع قرنائه، كما جاء في كتب السيرة. 

ولقد أراد الله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يحمل أثقل دعوة من ناحية التكاليف، وذلك أمر الله، وصنعه، فقد شرح الله صدره، فانفسح تمامًا وقام بالتكليف، وقال لخديجة -رضي الله عنها-: «مضى عهد النوم يا خديجة»، وقام يدعو ويجاهد ثلاثة وعشرين عامًا، حتى أتاه اليقين». صلي الله عليه وسلم 

واليوم ونحن نحتفل بهذه الذكرى، ونستعيد هذه الأمجاد والبطولات، لا بد لنا من وقفة مع النفس، ومع المسلمين الذين بعدوا كثيرًا عن هذا الطريق، وأحاط بهم الأعداء من كل مكان، وهم لا يتحركون ولا يستيقظون، نذكرهم والذكرى تنفع المؤمنين، ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ﴾ (الأعلى: 9).

 

أمم الإسلام تباد!

في عصرنا هذا نزلت بالمسلمين محن قاسية من العدوان والاضطهاد والتغريب، فواقع المسلمين مر شديد المرارة، مؤلم شديد الألم، ثرواتهم نهبت وتنهب، وديونهم ارتفعت وتكدست، وتبعيتهم للغير تعمقت في الماضي وتزداد عمقًا، والكفاءات تسرق وتسحب لصالح أمم أخرى، والمستوى الخلقي هبط ويسارع إلى القاع، والأثرة والنزعة الفردية لا حد لها، والانتهازية داء يسري في جسد الأمة والاستبداد مستمر في الهيمنة، واللقاءات من ورائها مصالح، والمصالح الدنيوية دائمًا تفرق وتباعد، ولا تجمع صفًا، ولا تحقق هدفًا، ولا تؤدي إلى خير.

والمشروع الصهيوني الخبيث، يتقدم ويكتسح، ويسعى لمحاصرتنا في كل مكان، وهو يلقى العون بشكل سافر من الشرق والغرب، والجميع يسانده في العدوان على أمة الإسلام لتبديد طاقاتها، وخطة الذبح للمسلمين وضعت من قديم على أيدي الصهاينة في فلسطين، والإلحاد في دول البلقان، وعباد البقر، للمسلمين العزل في كشمير، وفي غيرها.

وأمام عيوننا في الصحف صور الأطفال في كوسوفا، وهم يبكون ويبحثون عن آبائهم، الذين ذبحوا بأيدي الجزارين، وإنه ليروعك من هذه الصور في نظرات الأطفال حالة التضرع المرير من أجل أمل مستحيل، إنهم يتضرعون من أجل آباءهم الذين ذهبوا ولن يعودوا، دفنوا أحياء في المقابر الجماعية، أو أحرقوا بالنار كغيرهم، فهل فكرنا ولو مرة في حال القرى المهجورة، بعد أن سفك العدو دماء الأبرياء العزل وهم يهربون داخل المساجد أو البيوت، فتقتحم عليهم، ويفتح العدو النار وتدوي طلقات الرصاص ولا تنقطع، ويتحول المكان إلى مجزرة أو مقبرة، ثم يصب على الجثث البنزين، ويشعل فيها النار ويتحول الأبرياء إلى رماد.. حدث هذا في فلسطين وغيرها. 

إن الذين سلموا المسلمين للجزارين للعمل على إبادتهم بهذه الصورة الوحشية لا تستطيع أي لغة أن تصف هذه الجرائم، هل تسميها وحشية.. حقد أسود.. همجية؟! ماذا تعني كل هذه الكلمات عن الواقع والحقيقة التي أغرب من الخيال. 

والمسلم يتساءل: هل أخرج الله هذه الأمة، لتصير إلى هذا الهوان حتى يقتحمها اللصوص وسفاكو الدماء من كل جانب ولا تتحرك، ولا تصد أو تدافع عن الدماء والأعراض والأموال؟ أما آن لهذه اللطمات أن تنتهي؟ ولهذه المذابح أن تتوقف؟ أهذه أمة الإسلام؟ أهذه هي الأمة التي تلقت وعد الله بالنصر والتمكين: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ﴾ (النور: 55)، ما أبعد الصورة اليوم عن الأصل؟ وما أبعد الواقع عن الحقيقة.

 

الإسلام قادم قادم

نعم هذا وعد الله، وهذه عقيدة كل مسلم يفهم هذا الدين فلا بد أن يوقن بأن الإسلام هو الحل الأمثل، بل الحل الوحيد الذي يضع كل أمة في حجمها الحقيقي، وينقذ أهل الأرض جميعًا من شياطين الجن والإنس ويخلصهم مما يساقون إليه من ضياع وهلاك محقق، نقول هذا على الرغم من كل الجراح والآلام، وكل ما نراه من فتن وبلاء، فإن هذا القرن يحمل في طياته بوارق الفجر، لغد مشرق عظيم، ونصر مؤزر كريم، لقد أفلس الغرب في عالم المبادئ والقيم وارتكس الإلحاد في الشرق وبطل السحر والساحر، وبقي الحق الذي قامت عليه السماوات والأرض، وبقي منهج الله الخالد، وبقي وعد الله والله لا يخلف الميعاد.

قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: ١٠٥- ١٠٧)، ﴿قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ۖ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف: 128).

 إن أمة محمد ﷺ أمة موعودة بالنصر والفتح المبين، وإن دماء الشهداء والمظلومين الطاهرة، لن تضيع أبدًا عند الله، إنها دماء غالية، ينتصر الله لها ولو بعد حين، وها هو «حبيب النجار» مؤمن آل يس يدعو قومه إلى الله، ويخبرهم بأنه أمن بربه، فقتلوه دون أن يمهلوه، فماذا كانت النتيجة؟ لقد صاح عليهم -جبريل عليه السلام- صيحة واحدة، خلعت قلوبهم وهلكوا من فورهم وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾ (يس: 28).

أما الشهيد فقد فاز، ونراه في العالم الآخر يرى كرامة الله له، ويرى الشهادة نقلة من عالم الفناء إلى عالم البقاء، وخطوة خلص بها من ضيق الأرض إلى سعة الجنة، ومن تطاول الباطل والضالين والسفاحين إلى طمأنينة الحق وجوار العلي العظيم والروح والريحان.

وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ۖ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (يس: ٢٦- ٢٧) هذا جزاء قولة الصدق والحق، وجزاء الداعين إلى الله، فأما الطغيان فكان أهون على الله من أن يرسل ملائكة لتدميره لكنها صيحة واحدة أهلكتهم جميعًا، وأطفأت نار الحقد والكفر والضلال إلى الأبد.

 

نداء ورجاء

ونحن اليوم إذ نستحث عقيدة المسلمين ورجولتهم، وإيمانهم وغيرتهم الإسلامية ونخاطبهم بكلمة الحق والحق في هذه المواقف مر، فمتى يشعر المسلمون بأحوال الأمة، ومن للأرامل والأيتام والمعوقين والمرضى، والأطفال والجرحى، ومتى يحس المسلمون بالواجب عليهم تجاه إخوانهم؟ أين أخوة الإسلام؟ وأين الرحمة بل أين الإسلام؟ وأين الجسد الواحد؟

إن الدماء التي أريقت في فلسطين وتراق، وفي كوسوفا، وفي كشمير وفي كل بقعة يقال فيها لا إله إلا الله محمد رسول الله، والمعارك التي تدور لیست أبدًا معارك شعب مع شعب، إنما هي معركة العقيدة، معركة الحق مع الباطل، معركة الإسلام السمح ضد البرابرة، والزنادقة والملحدين، إنها امتداد لمعارك يهود مع رسول الله منذ بدء الإسلام، ومع الطغاة البغاة الظالمين من أعداء البشرية والإنسانية ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ﴾ (البقرة: 120).

وأذكر نفسي وكل مسلم بيوم آت لا ريب فيه يوم تبلى فيه السرائر وتعنو فيه الوجوه لملك مقتدر قهر الناس بجبروته، وهم له خاضعون، يرجون رحمته ويخافون عذابه، فأداء حق هذا الدين، واتباع الرسول الأمين ونصرة المعذبين والمغلوبين وكسر شوكة المبطلين، فرائض وواجبات ولا بد لجميع المسلمين حكامًا ومحكومين أن يتعظوا ويعتبروا بمن مات منهم، ولا بد لهم أن يفكروا فيمن كانوا بالأمس، أين هم اليوم؟

يا مسلمون: نحن الآن في مهل قبل فوات الأجل، وانقطاع الأمل اذكروا الوقوف بين يدي الواحد القهار في مجمع من الملائكة، ﴿وَقد عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ (طه: 111).

وفي هذه المناسبة العظيمة نطرق باب الكريم جل جلاله، وتضرع إليه أن ينصر دينه، وأن يعز أولياء وأحبابه، وأن يفتح للمسلمين فتحًا مبينًا وأن ينصرهم على أنفسهم وعلى أعدائهم، وأن يثبت أقدامهم فهو وليهم القادر على كل شيء.

الرابط المختصر :