; القرآن الكريم.. وأهل الكتاب | مجلة المجتمع

العنوان القرآن الكريم.. وأهل الكتاب

الكاتب د. زينب عبدالعزيز

تاريخ النشر الجمعة 07-سبتمبر-2012

مشاهدات 69

نشر في العدد 2017

نشر في الصفحة 36

الجمعة 07-سبتمبر-2012

جذور كراهية عتيدة.. الفاتيكان والقرآن (۳)

لا يدين القرآن الكريم أهل الكتاب إدانة عامة مطلقة على أنهم يهود أو نصارى.. وإنما يقوم بتحديد واضح بين الأتقياء منهم وبين من يطلق عليهم الفاسقين

يشير القرآن إلى صلاة جماعة من أهل الكتاب وسجودهم في خشوع كما أن يسوع كان يسجد وهو يصلي.. لكن الكنيسة غيرت في المسائل العبادية

المسيح عليه السلام لم يرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة.. كان منقذًا لبنى إسرائيل وليس منقذًا للعالم كما تود الكنيسة فرض ذلك على الجميع

وردت العبارة التي تصف «أهل الكتاب تحديداً ۲۹ مرة في القرآن الكريم، إلا أن الآيات التي تتضمن معاني تتعلق بهم أكثر من ذلك بكثير، ومن البداية يجب تحديد أن القرآن لا يدين أهل الكتاب إدانة عامة مطلقة على أنهم يهود أو نصارى، وإنما يقوم بتحديد واضح بين الأتقياء منهم وبين من يطلق عليهم عبارة الفاسقين، وهذه التفرقة ناجمة كما رأينا في الجزأين السابقين، عن تصرفهم تجاه رسالة التوحيد التي أنزلت إليهم، ثم حادوا عنها أو من حافظوا على طريق الاستقامة.

﴿وَمِنْ أَهْل الكتاب مَنْ إِن تَمَنْهُ . بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه . بدينار لا يؤده إِلَيْكَ إِلَّا مَا دمْتَ عَلَيْهِ قائمًا ﴾ (آل عمران : ٧٥).

﴿ولَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُم مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ (آل عمران: 110)

﴿لَيْسُوا سَوَاءٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيات الله آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوف وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأَوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ واللهُ عَلِيمٌ بِالمتقين(115) ﴾ (آل عمران) .

ونلاحظ في الآيات الأخيرة أن هناك جماعة من أهل الكتاب، تصلي أثناء الليل وتسجد في خشوع، وهو ما يشير في نفس الوقت إلى تغيير قامت به الكنيسة في المسائل العبادية ضمن كثير غيرها، لأن يسوع كان يسجد وهو يصلي، وهو مكتوب في الأناجيل الحالية، والمعروف منذ العصور القديمة أن الصلاة كانت ركوعا وسجودا تعبيرا عن الاحترام المطلق للخالق.

واستكمالا للآيات التي تفرق بين المؤمنين والفاسقين من أهل الكتاب، نطالع:

﴿وإن من أهل الكتاب لمن يُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ اللَّهَ لَا يَشْتَرُونَ بآيات الله ثَمَنًا قليلا أولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ( 199 ) ﴾ (آل عمران).

ثم نجد تمييزاً آخر يؤكد أنه يوجد بين أهل الكتاب من يعرفون الحق ويمارسونه ويعيشون رسالة التوحيد كما أنزلت عليهم: ﴿لكن الراسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بما أنزل إِلَيْكَ وَمَا أنزل من قبلك والمقيمين الصَّلاةَ وَالْمُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢) ﴾ (النساء).

فالأتقياء من أهل الكتاب يؤمنون بالرسالة التوحيدية كما أنزلت بدون التحريف الذي تعرضت له حتى وإن مارسوا عبادتهم في الخفاء بعيدا عن بطش الكنيسة، أما الفاسقون الميالون للأذى، الفاسدون خلقاً، فهم يكذبون ويحرفون ويدعون إلى الخديعة ويحاولون تكفير المؤمنين بعداوة وكراهية﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ(10) ﴾ (البقرة).

﴿إن تمسسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120)﴾ (آل عمران).

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مَنَا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنْ أَكْثَرَكُمْ فاسقون (59) ﴾ (المائدة). 

إن ما يتم الإعداد له حالياً ضد المسلمين وكل ما يستعد الفاتيكان لاستصداره من قرارات لازمة له في «سينودس» الأساقفة الذي سينعقد في أكتوبر القادم، ليست مجرد عداوة وكراهية، وإنما رغبة بغيضة كاسحة تهدف عمدا إلى اقتلاع الإسلام والمسلمين، وفي الواقع، أن هذه الرغبة اللحوح ليست بجديدة أو ترجع فقط إلى مجمع الفاتيكان الثاني (عام ١٩٦٥م) الذي يمثل بداية هذه الموجة الجديدة التي تدفع بهذه المؤسسة الفاتيكانية السلطوية إلى تجييش كل الإمكانات التي يمكنها التأثير عليها واستخدامها .

ماض غير مشرف

وما من إنسان يجهل كل ما تحمله الكنيسة الكاثوليكية على كاهلها، وهو ماض غير مشرف، بدأ بالحملة البيزنطية ضد الإسلام التي امتدت من القرن الثامن إلى القرن الثالث عشر الميلادي، لتتواصل عبر الحروب الصليبية التي استدعت المسيحيين بطوائفهم إلى حمل السلاح، ثم قامت بتبرير الاستعمار والمستعمرين وانضمت له بجيوش المنصرين والمبشرين، وقبل ذلك كانت قد ألقت باللعنة على الإسلام والقرآن وسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام،  وذلك في «مجمع القسطنطينية الثالث»؛ وهو ما يعني أو شخص في الديانة الكاثوليكية لعن مذهب هرطقي واستئصاله علنا من مجتمع الأتقياء وهو ما يتشربه الأتباع من القساوسة.

وهل لنا أن نشير إلى كتاب نبع المعرفة ل يوحنا الدمشقي، الذي تناول الهجوم على الإسلام، على أنه الهرطقة (رقم (۱۰۱) التي تعترض طريق المسيحية ؟! وهل لنا أن نضيف أن هذه الدكتاتورية الكاثوليكية المتحكمة لم تحافظ على عقائدها غير المنطقية، والتي لا يفهمها أي عقل بشري، إلا بالرعب والإرهاب وهو ما تقوم به حاليا لمطاردة الإسلام والمسلمين تحت راية تنصير العالم؟ وهنا نطالع ما يقوله القرآن الكريم ﴿ودت طائِفَةٌ مَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (69 ) ﴾  (آل عمران).

(وَدَ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بعد إيمانكم كفارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقِّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إن الله على كل شيء قدير (109)﴾ (البقرة).

وحتى حينما يقوم المولى سبحانه وتعالى بتحذيرنا من مكائدهم، فإن القرآن الكريم يفرق بين أهل الكتاب موضحا: «طائفة من أهل الكتاب»، كثير من أهل الكتاب»، ولم يقم بالتعميم، فالآيات تتهم أولئك الفاسقين علهم يتوبون ويرجعون إلى الطريق المستقيم.

ولم يطلب منهم إلا أن يتبعوا الدين الحق وأن يتوبوا إلى الله تعالى، ويؤمنوا بما أنزله وكم من آية توجه لهم هذا النداء، إلا أن حب السلطة والتعطش إلى السيطرة يكتسحان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَلْنَا مُصَدِّقا لما معكم من قبل أن نطمس وُجُوهَا فَتَرُدَهَا على أدبارها أو تلعنهُمْ كَمَا لَعَنَا أَصْحَابَ السَّبْتِ وكان أمر الله مَفْعُولاً (47) ﴾ (النساء).

﴿وليحكُمْ أَهْلُ الإنجيل بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَن لمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(47)﴾ (المائدة).

﴿ولَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ(65) ﴾ (المائدة).

ولا يطلب منهم بوضوح إلا أن يتبعوا الحق ويبتعدوا عن التحريف، فأيا كانت مدة عنادهم وتلاعبهم أو طغيانهم، فإن هؤلاء المزيفين عليهم أن يرضخوا يوما ما إلى إرادة الخالق عز وجل.

وإذا ما قمنا بتلخيص العبارات الموجهة إلى هؤلاء الفاسقين والمشركين من بين أهل الكتاب نرى أن العبارات التي يصف بها المولى ضياعهم تقول: إنهم يخلطون الحق بالباطل، ويكتمون الحق وهم يعلمون، ويحرفونه، ولا يؤمنون بأيات الله، ويبدلونها، ويحاجون في آيات الله عن غير علم، ويزيفونها، ويضلون المؤمنين، ويجاهدون لدفعهم إلى الكفر، ويقتلون ويأسرون، ويصدون المؤمنين عن سبيل الله، ويبغونها عوجا ويكذبون ويراؤون، ويعبدون الباطل، ويبالغون في دينهم بغير الحق، ويتبعون أهواء الضالين ويضلون أنفسهم .. ومع ذلك، فهم يعرفون تماما أن القرآن هو كلام الله الذي أنزله للعالمين.

الكذب لا سيقان له

وإلى هؤلاء الذين يهدمون بقلوب غلف لن نكف عن تكرار أن الكذب لا سيقان له، وأن المسيحية الحالية التي صنعوها قائمة على أكاذيب متراكمة.. فالمسيح كان يهودياً، ولم يرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة، وهو الذي يؤكد ذلك، وقد أتى لتصويب من حادوا عن التوحيد من بني جلدته، وليس لابتداع دين جديد أو لإلغاء الشرع.. إنه كان منقذا لبني إسرائيل وليس منقذا للعالم كما تود الكنيسة فرض ذلك على الجميع!

إن اليهود والنصارى قد أداروا ظهورهم لرسالته، رسالة التوحيد بالله تعالى، وبذلك قطعوا تواصل سلسلة الأنبياء.. واليهود والنصارى قطعوا بذلك أيضا تواصل سلسلة التراث، التي أوضحها الشيخ عبد الواحد يحيى («رنيه جينون» سابقا)، في كثير من كتاباته وهو ليس الوحيد الذي تناول هذه الجزئية في العالم!

والقرآن الكريم، بما أنه طريق الهدى ورسالة التوحيد الخاتمة والمنزلة للبشر أجمعين، فهو لا يمكن تحريفه أو تزييفه لأن الله سبحانه وتعالى هو حافظه، فهو القائل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)﴾ (الحجر).

وهنا لا بد من إضافة الآية التالية لتوضيح سبب ذلك وكيفية تطبيقه لإعادة البشر إلى الطريق المستقيم : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى ودين الحقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِالله شَهِيدًا (28)﴾ (الفتح).

لذلك نتساءل باندهاش ونحن نطالع الآية الكريمة التي تسأل: ﴿ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كان من عند غير الله لَوَجَدُوا فيه اختلافا كثيرًا (82)﴾ ) النساء).

ألم يحن الوقت ليفهم هؤلاء المحرفون الفسقة، بعد ألفي عام من التاريخ الدامي والمذابح التي اقترفوها والاغتيالات والقتل بالسم، والإبادة الجماعية بحيث تتراكم أعداد القتلى بالملايين من أجل فرض سلطانهم والحفاظ على السلطتين المدنية والدينية؟ ألم يحن الوقت لهؤلاء القتلة الهدامون أن يفهموا أنه لا يحق لهم أن يخدعوا أتباعهم بمثل هذا الإصرار وبمثل هذه العدوانية؟ ألم يحن الوقت بعد أربعة عشر قرنا من مختلف أنواع العدوان السياسي والاضطهاد الديني من أجل اقتلاع الإسلام والمسلمين دون أن يتمكنوا من ذلك أبداً، أن يفهموا أن: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (30)﴾ (لقمان).

يا أيها الذين تحملون في أعناقكم ذنب كل من خدعتوهم، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازَ عَن والده شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَنَكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ولا يغرنكم بالله الغَرُورُ (۳۳)﴾ (لقمان).

الرابط المختصر :