العنوان إحياء فقه الدعوة : فصاحة الحزم المخبت
الكاتب محمد أحمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 29-ديسمبر-1987
مشاهدات 106
نشر في العدد 849
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 29-ديسمبر-1987
·
قضايا المسلمين المعاصرة تحتاج من
الدعاة أن يتفاعلوا معها أولًا بأول
المبشرات!
ما نظن هذا التصارع السياسي والاجتماعي الذي يشهده العالم الإسلامي اليوم،
وسقوط الرؤوس، وحصاد أئمة الكفر بعضهم بأيدي بعض، إلا أمرًا يقدمه الله تعالى بين
يدي الدعاة، كنسًا للأصنام المعوقة، وإشارة للحيارى للذين أتعبتهم الضلالات
الجاهلية أن يدخلوا في دين الله أفواجًا.
ويومنا هذا كاليوم الذي سبق الهجرة الشريفة ووصفته عائشة رضي الله عنها
فقالت:
«كان يوم بعاث يومًا قدمه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، فقدم رسول الله
صلى الله عليه وسلم وقد افترق ملؤهم، وقتلت سرواتهم، وجرحوا، قدمه الله لرسول صلى
الله عليه وسلم في دخولهم في الإسلام»(1).
وإنما يكون حتف الطغاة على غير قياس، كيما يكون فيه عبرة وعظة.
ولو جرت الأمور على قياس
لوقي شرها الفطن اللبيب
وذكاء الذكي لا ينفعه في كل موطن، وإلا لنفع الهدهد، فإنه يهتدي للماء في الأرض
الفيفاء، ثم ينصب له صبي فخًا بدودة أو حبة فيصيده، كما قيل: «وليس على الإنسان أن يدرك النجاح في
العواقب، وإنما عليه أن يتحرز في المبادئ».
ولهذا قال القائل:
لأمر عليهم أن تتم صدوره
وليس عليهم أن تتم عواقبه
وقال سليمان بن عبدالملك -أو غيره من أهل بيته- ما لمت نفسي على فوت أمر
بدأته بحزم، ولا حمدتها على درك أمر بدأته بعجز»(2).
تربية الحماسة اللاهبة
فهذا هو ما يوجب بدء التربية الإسلامية الحركية بتأجيج شعلة الحماسة في قلوب
الدعاة، لتساعد على توفير الحزم.
إن الفقهاء والمفكرين كثير عددهم، ولكن قضية الإسلام الحاضرة تريد أصحاب
القلوب الملتاعة، الذين يتفاعلون مع الأحداث أولًا بأول، ولهم تعبد في مراغمة
الباطل ومعاندته ومحاربته، فعلى مثلهم ينعقد الرجاء، لا على أصحاب الأصوات
المرفوعة.
وذلك يعطي لمنهج الدعوة سمتًا خاصًّا في تجاوز مجرد الدراسات الفقهية
والتوجيه الفكري القريب من طبيعة المنطق الجامد، إلى مخاطبات قلبية، تسبقه،
وتقارنه وتتلوه، تغذي الأرواح، وتنمي الأشواق، وتحبب البذل، وتدفع نحو الجهاد.
وهو مذهب إقبال، اكتشفه لما رأى براعة الإمام الرازي في الفلسفة خلال تفسيره
للقرآن الكريم براعة وافية وافرة، إلا أنها عجزت عن تحريك القلوب.
يقول، غير غافل عن الإقرار لفضل أهل الفضل:
من الرازي كتاب الله فافهم
ومنه النور خذ، فالليل أظلم
ولكن لي كلام فيه، فانظر:
أنحيا بالفؤاد وما تضرم؟
(3)
كلا، وقراء كتاب الرازي يشهدون، فإنهم آمنوا وحسن إيمانهم، وأفحموا الملاحدة
وأبانوا خطل آرائهم، غير أنهم لم يتقنوا تربية أبناء الأمة وإيقاد الجذوة فيهم
وقيادتهم نحو الجهاد، بل ولدت مجالس الحوار العقلي ترفًا علميًّا خفض الهمم ولم
يرفعها، وأذهل عن الحاجات المتكاملة ولم يوفرها وبرز نموذج فقيه:
خلي الغمد، ما في الكف مال
وهذا الرف يهوي بالكتاب
(4)
وهو نموذج ناقص، كأن الدعوة الإسلامية المعاصرة قد كررته، فغزارة الإنتاج
الفكري عندها لم يبلغها حزب آخر، حتى لتئن الرفوف وتتقوس هابطة، لتكسر غمدًا
فارغًا اتخذه الدعاة عمادًا لما تحتها، يضحك الرائي له ضحك الرافعي لما هزته خدعة
سيوف الخشب في الأيدي المتوضئة.
إنها حيرة الإسلام المتكررة بين جهل أبنائه، وعجز علمائه، ووداعة دعاته.
أغاني الحصاد
ولذلك فإن تربية الدعاة في أسلوب الحاضر لا تبدأ بمخاطبة عقولهم ببحوث جافة
كالتي تتداولها الجامعات، بل تخرجهم إلى جولة واقعية يتفاعلون خلالها مع يوميات
الحياة.
إن أول نداء ينبغي أن يسمعه السائر مع ركب الدعوة نداء عبدالوهاب عزام حين
يقول:
يا حبيسا بالدور خدن كتاب
قارئًا من مقال كل عليم
ابرزن للحياة واقرأ سطورًا
مائلات لعين كل حكيم
(5)
سطور معاملة الناس، ومعرفة أطوار جاهليتهم، والمساعي المبذلة لإصلاحهم، وصبر
الأحرار في المحن، وكيف يسبق المراهق المغامر الفاسق الشيخ الحكيم المؤمن.
بهذه السطور تكتشف النفس المعاني، فإن الحياة إن خلت من حركة التغيير: فقدت
مغزاها. وحركة التغيير إن انحرفت عن حدود حقائق الفطرة: أخطأت هدف المسير. وهدف
المسير إن لم تستعن على بلوغه، بما وراء المعادلات العقلية من منح التوكل:
طال دربك وتبدد من جهدك الكثير.
وذاك هو تعليل ما يصيب الدعاة من انخلاع عما حولهم من طبائع التوكل العامي،
فالأدعية من كل جانب تطرق سمعهم، لكنها لا تلقى منهم الاهتمام، إذ لا تعدو همس
طالب غني، أو منتظر لذائذ، إلا صوتًا يأسرهم من بعيد عبر القرون، تطرب له قلوبهم،
فتنجذب، فتقترب، فتنصت، فتجد نبرة الزاهد سديف بن ميمو، يلقنهم دعاء المفاصلين،
ويعلمهم كيف يلبون:
اللهم قد «حكم في أبشار المسلمين أهل الذمة، وتولى القيام بأمورهم فاسق كل
محلة.. اللهم وقد استحصد زرع الباطل، وبلغ نهايته، واجتمع طريده.. اللهم فأتح له
يدًا من الحق حاصدة، تبدد شمله، وتفرق أمره، ليظهر الحق في أحسن صوره وأتم نوره»(6).
فتأخذهم إطراقه حين يوازنون: في أيهما كان هذا الصالح أبلغ: أفي كشفه سبب
واقع السوء، أم في وصفه الحصاد؟
وما تدري: أهم لسديف يقدمون، وله يقلدون، أم للخليفة العباسي القائم بأمر
الله ابن القادر لما تفنن في تضرعه إلى الله تعالى عندما تغلب المفتتن الباطني
الفاطمي المسمى بالبساسيري عليه، وأرسل رسالته.
«إلى الله العظيم، من المسكين عبده.
اللهم إنك العالم بالسرائر، المطلع على الضمائر. اللهم إنك غني بعلمك
واطلاعك على خلقك، عن إعلامي.
هذا- أي البساسيري- عبد قد كفر نعمتك وما شكرها، ألغى العواقب وما ذكرها،
أطغاه حلمك حتى تعدى علينا بغيًا، وأساء إلينا عتوًا وعدوًا.
اللهم قل الناصر، واعتز الظالم، وأنت المطلع العالم، المنصف الحاكم، بك نعتز
عليه، وإليك نهرب من بين يديه، فقد تعزز علينا بالمخلوقين، ونحن نعتز بك، وقد
حاكمناه إليك، وتوكلنا في إنصافنا منه عليك، ورفعنا ظلامتنا هذه، ووثقنا في كشفها
بكرمك، فاحكم بيننا بالحق وأنت خير الحاكمين».
وقد علقت رسالة القائم في الكعبة فقتل البساسيري بعد تعليقها بقليل.
استعلاء.. بعد الموت أيضًا
وفي كلٍّ خير، في الخليفة، وفي سديف، ومن كليهما الداعية ينتفع، ولإخباتهما
يواطئ، فيكون إبداع منهما في دعائه وأبرع، وأتم منهما في انتداب نفسه للمهمة
الجسيمة، فإن من أزهر بدعاء حقيق أن يثمر بفعل، فهو في مضي نحو همته، يطلب النصر
قرة عين لإخوانه الدعاة، وله الشهادة جزاء، ويلح سائلًا:
فيا رب حانت وفاتي فلا تكن
على شرجع يعلى بخضر المطارف
ولكن قبري بطن نسر مقيله
بجو السماء، في نسور عواكف
وأمسي شهيدًا ثاويا في عصابة
يصابون في فج من الأرض خائف
فوارس من بغداد ألف بينهم
تقى الله، نزالون، عند
التزاحف
إذا فارقوا دنياهم فارقوا الأذى
وصاروا إلى ميعاد ما في
المصاحب
هكذا في الرواية الراجحة، أنهم من بغداد، وفي روايات أخرى أنهم فوارس من
صنعاء، أو من بيروت، أو من عمان، وكل ذلك وارد، وفي وزن الشعر سائغ.
والشرجع: النعش، والمطارف: الأطراف، أي الأيدي، والخائف: المنخفض.
وبذلك يبتكر داعية اليوم في المراغمة ابتكارًا، إذ ليست تنقطع فنونها.. إنه
لا يحلق بروحه سامية في فلك الشموخ فحسب، بل ببدنه أيضًا، إنهم لن يصلوا إليه، بل
في بطون النسور، فيراغمهم ميتا، كما راغمهم حيا.
_________________________
(1) صحيح البخاري 5/55 طبعة صبيح.
(2) لأبي حيان التوحيدي في الإمتاع
والمؤانسة 3/221.
(3) ديوان هدية الحجاز 90 ترجمة
الدكتور حسين مجيب المصري.
(4) المرجع السابق 52.
(5) ديوان المثاني 139.
(6) ديوان الأخبار لابن قتيبة 1/76.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل