; الجذور التاريخية للاغتيال في إيران القيادات الكردية السنية نموذجًا | مجلة المجتمع

العنوان الجذور التاريخية للاغتيال في إيران القيادات الكردية السنية نموذجًا

الكاتب أ. د. فرست مرعي

تاريخ النشر الأحد 14-أكتوبر-2012

مشاهدات 53

نشر في العدد 2024

نشر في الصفحة 30

الأحد 14-أكتوبر-2012

  • «الحشاشون» هم فرقة اغتيالات أسسها «الحسن بن الصباح» أيام الدولة الباطنية ارتكبت أبشع صور القتل والتنكيل بالأكراد.
  • انتفاضة الأكراد الكبرى عام ١٨٨٠ م بقيادة الشيخ «عبيد الله ابن السيد طه» كانت للرد على إجرام «القاجاري» الشيعي.
  • تمكنت القوات الإيرانية بدعم روسي مباشر وبخديعة من المنصر الأمريكي «كوجران» من سحق الانتفاضة الكردية وتصفية عدد كبير من قادتها.
  • الثورة الإيرانية لم تغير من واقع ظاهرة الاغتيالات شيئًا حيث استمرت عمليات تصفية القيادات الكردية.

رغم النكبات والمذابح الجماعية التي ذاقها الأكراد وغيرهم من مجموعات أهل السنة في الهضبة الإيرانية من التركمان والبلوش، فإن الصفويين «١٥٠٢- ١٧٣٦م» حاولوا تصفية القيادات الكردية من علماء الدين وزعماء القبائل وحكام المناطق، وفي العصر الحديث زعماء الأحزاب السياسية، ونجحوا في خططهم إلى حد كبير.

وعندما حكمت سلالات أخرى الهضبة الإيرانية من القاجاريين «١٧٩٦- ١٩٢٥م»، والبهلويين «١٩٢٥- ١٩٧٩م»، والثورة الإيرانية «۱۹۷۹م»، فإنهم ساروا على منوالهم، ونفذوا خططهم، ولكن بأساليب أخرى قد تتشابه وقد تختلف ولكن مضمونها واحد هو عدم إفساح المجال للشعب الكردي للم شمله وإعادة تنظيم روح المقاومة فيه، فكان حكام إيران عبر القرون حاولوا إماتة روح الجهاد والمقاومة لدى الشعب الكردي في كردستان الإيرانية.

والمتتبع لهذه الظاهرة يرى بوضوح أن لها جذورا تضرب في التاريخ الإيراني، تعود إلى أيام الدولة الإسماعيلية الباطنية التي أنشأها الحسن بن الصباح في قلعة «الموت» الواقعة في سفوح جبال «البرز» المطلة على بحر قزوين للفترة من ٤٨٣- ٦٥٤هـ، حينما قضى عليها «هولاكو».

وكان الحسن بن الصباح قد أنشأ منظمة فدائية «انتحارية بالمفهوم المعاصر» أطلق عليها المؤرخون اسم «الحشاشين»، غايتها اغتيال المناوئين للدولة والمذهب الإسماعيلي على حد سواء، وكان أعضاء هذه المنظمة ينتقون منذ صغرهم لتعليمهم فنون القتل والاغتيال، حيث نالوا شهرة واسعة منذ اغتيالهم للوزير السلجوقي نظام الملك، في سنة ٤٨٥هـ، فأوقعوا الخوف والرعب في نفوس المخالفين، حتى وصل الأمر إلى أن السلاطين والأمراء لم يجدوا في حفظ أنفسهم من الفداوية، وكان مؤسسو هذه المنظمة الإرهابية قد أخذوا على عاتقهم تخدير أعصاب هؤلاء الفتيان بنيات الحشيشة لتخديرهم، وهذا ما جعل المؤرخين يطلقون عليهم اسم «الحشاشين»، ونظرًا لكثرة عمليات الاغتيال التي نفذوها ضد مناوئيهم، فقد دخلت هذه الكلمة إلى قواميس اللغات الأوروبية «Assassins» وتعني «الاغتيال».

تصفية القيادات الكردية

قام الصفويون خلال حكمهم لإيران بعدة عمليات لتصفية القيادات الكردية، ومن أبرزها:

1- قتل «الشاه طهماسب» «۱٥۲۳- ١٥٧٦م» الأمير الكردي «جهانكير بن الشاه رستم» أحد أمراء الأسرة الحسنوية التي كانت تحكم مقاطعة لورستان الواقعة جنوب منطقة كرمنشاه.

2- قتل الشاه عباس الكبيره «١٥٨٧-١٦٢٩م» «شاه وردي بن محمدي» أمير لورستان عام ١٥٩٦م.

3- قتل الشاه «عباس الكبير» الأمير الكردي «خاني لب زيرين البرادوستي» «صاحب اليد الذهبية» عام ١٦٠٨م مع جميع أفراد جيشه الذين قاوموا الهجوم الصفوي على قلعة «دمدم» الواقعة على بعد 15 كم جنوبي مدينة «أورمية»، وكان الهجوم الصفوي ضاريًا والمقاومة الكردية شديدة، حتى أن المؤرخ الصفوي «إسكندر بيك تركمان منشئ» يصف الحالة بقوله: «لم يترك الأعجام «الصفويون» من المقاتلة «الأكراد» أحدًا ولا من غير المحاربين إلا وقتلوه شر قتلة لتنمو هذه المأساة فيما بعد إلى ملحمة أشاد بها المستشرقون وتغنى بها الأدباء.

4- في عام ١٩٦٠م قضى الشاه «عباس الكبير» على الأمير «قيادخان»، رئيس عشيرة الموكري الكردية، مع ١٥٠ من مرافقيه، كما أصدر فرمانًا بالقضاء التام على جميع أفراد عشيرة الموكري حيث قتل الآلاف من أبناء العشيرة، وتم أسر آلاف النساء والأطفال، كما قام الشاه «عباس» بتهجير ١٥ ألف أسرة كردية إلى منطقة خراسان الواقعة في شرقي إيران؛ لكي يفقدوا الحماس للأرض التي يعيشون عليها، فتخيو نار ثورتهم، وحتى يعيشوا في ذل الغربة والاستكانة، وحتى يكونوا فاصلًا بشريًا بين الصفويين وبين الأوزيك القاطنين فيما وراء النهر، ويذكر أحد الباحثين بأنه أراد بهذا الإجراء «أن يجعل الأكراد السنيين أول من يتلقوا ضربات الأوزبك السنيين، وبهذا يتخلص من كليهما معًا».

«القاجاريون» وعلاقتهم ب«الأكراد»

«القاجاريون» عشيرة تركية الأصل شيعية المذهب تقطن شمال أذربيجان ومازندران، قدمت مساعدات كبيرة للصفويين أثناء محاولتهم السيطرة على الهضبة الإيرانية، وقد استغل «آغا محمد خان القاجاري» «١٧٤٢- ۱۷۹۷م» الضعف الذي انتاب حكم الزنديين «الأكراد» لإيران بعد مقتل «نادر شاه» عام ١٧٤٧م، حيث تمكن من الانتصار على آخر حاكم زندي وهو «لطف علي خان» عام ١٧٩٤م، ليبدأ عهد جديد في حكم إيران تحت سيطرة الأسرة القاجارية الذي دام إلى سنة ١٩٢٥م.

وكان «آغا محمد خان» على حد وصف المؤرخ الإيراني «سعيد نفيسي» إنسانًا قاسيًا في تقاطيع وجهه حاقنا في أعماقه، إنسانًا لم يعرف العفو عمن حقد عليه، ولذا تعدى الحدود في قسوته مع الزنديين وكل من تعاون معهم، سيما وأنهم من العرق الكردي، فبعد انتصاره في آخر موقعة له مع «لطف علي خان» آخر الحكام الزنديين، أمر بإحضار ۲۰ ألف زوج من عيون أعدائه أمامه، وعندما أتاه خبر أسر «لطف علي خان» نفسه أمر بقطع رؤوس ستة آلاف من الأسرى الزنديين احتفاء بهذه المناسبة.

وقد بلغ به الحقد درجة أنه قام بنفسه بتقطيع سجادة نفيسة تركها «كريم خان الزندي» «١٧٦٠- ١٧٦٩م» لأنها كما قيل تذكره بمثوله أمامه، كما نقل رفاته مع رفاة «نادر شاه الأفشاري» ودفنهما أمام عتبة قصره حتى يظهر بذلك عظمته.

ومن جانب آخر، فإنه تصرف بقسوة مع قيادات كردية أخرى وقفت إلى جانبه، منهم «صادق خان» زعيم عشيرة الشكاك القوية الذين كان يتبعه أكثر من ١٥ ألف مسلح، ومنهم أيضًا «خسرو خان» أمير إمارة «أردلان»، وهذا ما حدا ب«صادق خان» إلى قتل الشاه آغا محمد خان، في خيمته بقلعة شوش الواقعة بمنطقة القوقاز وهو في طريقه للإغارة على جورجيا عام ١٧٩٧م.

واستمرت عمليات تصفية القيادات الكردية في العهد القاجاري على قدم وساق، فقام «أحمد خان» مقدم حاكم مدينة مراغة باغتيال «بابير آغا الأول» رئيس عشائر منكور، إضافة إلى قيامه بعمليات قتل جماعية للمئات من أفراد عشيرة منكور.

الانتفاضة الكبرى

وعندما بلغ الظلم والاضطهاد القاجاري ذروته، قام الأكراد بانتفاضتهم الكبرى عام ۱۸۸۰م بقيادة الشيخ «عبيد الله بن السيد طه الشمديناني» حيث كان الشيخ يتمتع بنفوذ ديني ودنيوي كبير بين الأكراد في منطقة واسعة تمتد من بحيرة «وان» غربًا إلى بحيرة «أورمية» شرقًا، وإلى مناطق «مهاباد» و«أردلان» جنوبًا، وقد سجل الشيخ «عبيد الله» بنفسه وقائع معينة من المظالم القاجارية الشيعية التي دفعت الكرد السنة إلى الانتفاضة ضد طهران، جاء ذلك في رسالتين مهمتين أرسلهما إلى المنصر الأمريكي في مدينة أورمية «د. كوجران» الذي كان على علاقة جيدة به، فقد أشار الشيخ في رسالته الأولى التي تحمل تاريخ ٢٥ سبتمبر ۱۸۸۰م أن شجاع السلطنة القاجاري نفذ حكم الإعدام بحق ٥٠ من أتباعه عام ١٨٧٩م والحق به من الخسائر ما يربو قيمتها على 100 ألف تومان «عملة إيرانية»، كما عذب القاجاريون الشخصية الكردية المعروفة في المنطقة «فرج الله خان» حتى الموت، وفرضوا غرامات ثقيلة على زعماء الكرد، كما أهانوا النساء، وردًا على ذلك أعلن الشيخ أنه أرسل أبناءه على رأس قواته إلى إيران للثأر عما لحق بإخوانه من أضرار.

وقد تمكنت القوات الإيرانية بدعم روسي مباشر وبخديعة من المنصر الأمريكي «كوجران» المقيم في مدينة أورمية من سحق الانتفاضة الكردية وتصفية عدد كبير من قادتها، حيث تم وضع «جليل آغا بحشره في فوهة مدفع فمزقته القذيفة أثناء إطلاقها، أما «جعفر آغا» رئيس عشائر منكور التي لها الدور الكبير في هذه الانتفاضة فقد دعاه القائد الإيراني «أمير نظام» «كردي الأصل» إلى الاجتماع به في مدينة ساوجبلاغ «مهاباد»، وأقسم أنه لن يمسه بسوء طالما كان حيًا على وجه الأرض، وبعد وصول الزعيم الكردي دعاه القائد الإيراني أمير نظام إلى خيمته، وبمجرد دخول «جعفر أغا» الخيمة أطلق الحراس النار عليه حسب الإشارة المتفق عليها مع القائد الإيراني فمزقت الرصاصات الخيمة، وخر «جعفر آغا» صريعًا على أرض الخيمة، وعند أوضح أمير نظام بأنه لم يغدر بضيفه «جعفر آغا» وحافظ على وعده! لأنه أقسم بالقرآن بأنه لن يقدر ب«جعفر أغا» مادام على وجه الأرض، وهو في هذه الحالة كان تحت الأرض حيث حضرت له حفرة خاصة بهذا الخصوص! وبهذا الأسلوب غير الأخلاقي تخلص الإيرانيون من عدد كبير من زعماء عشيرة «البلباسي» الكردية أثناء دعوتهم للاشتراك في حفلة بمناسبة أحد الأعياد في مدينة «مياندو آب».

عادة متوارثة

وقد استمرت هذه الظاهرة عند الحكام الإيرانيين، ولم يتعظ الزعماء الكرد أو يأخذوا درسا مما لحق بأسلافهم من القتل والتصفيات، فقد استطاع «ممتاز السلطنة» حاكم أذربيجان المقيم في مدينة تبريز عاصمة الإقليم من الإيقاع ب«جوهر آغا» زعيم قبائل الشكاك الكردية الضاربة وشقيق «سمكو شكاك»، حيث دعاه إلى زيارته في مقره في تبريز، وأقسم له بالقرآن بأنه لن يلحق به أي سوء في حالة حضوره للتباحث بشأن القضايا العالقة بين الجانبين الكردي والإيراني وتعيينه حاكمًا على المنطقة الكردية، وفعلًا لبى الزعيم الكردي «جوهر أغا» الطلب حيث حضر ومعه ٨ من حراسه، وبعد انتهاء الاجتماع وأثناء توديعه من قبل حاكم آذربيجان، وحيث كانت الخطة مهيأة مسبقًا كما يقول المستشرق الروسي «مينورسكي»: بدأ الجنود الإيرانيون بإطلاق النار على «جوهر أغا» فأردوه قتيلًا.

الأسرة البهلوية

في بداية ١٩٢١م، وبعد انقلاب عسكري بدعم بريطاني جاء «رضا خان» إلى الحكم، وفي عام ١٩٢٥م أزاح «رضا خان» الأسرة القاجارية وأعلن نفسه ملكًا على إيران، حيث طبق سياسة دكتاتورية تجاه صهر القوميات المختلفة.

وكان الزعيم الكردي «سمكو شكاك» رئيس عشائر الشكاك الضاربة والقاطنة غرب بحيرة أورمية قد استغل سنوات الحرب العالمية الأولى، ودخول عدد من الجيوش الأجنبية الأراضي الإيرانية للقيام بانتفاضة كردية في سنوات ۱۹۲۰- ۱۹۲۲م، حيث تمكن من السيطرة على الجزء الأكبر من كردستان إيران، وأعلن الاستقلال ونشر برنامج كردي أوضح فيه بجلاء مطالب الشعب الكردي العادلة، كما أنه حاول التنسيق مع الزعيم الكردي الآخر «محمود الحفيد البرزنجي» الذي نصب نفسه حكمدارًا لکردستان الجنوبية «كردستان العراق» خلال سفره إلى مدينة السليمانية في عام ١٩٢٣م محاولًا تنظيم الحركة الكردية وتوحيد أهدافها في البلدين.

وكانت هذه الحركة إحدى أبرز المعوقات التي وقفت حجر عثرة أمام الشاه «رضا خان» لتوحيد إيران وإنشاء سلطة مركزية دكتاتورية، لذا رسم الشاه خطة مع أركان حكمه من شأنها تصفية الزعيم الكردي «سمكو»، وهكذا دعا أحد كبار ضباط الجيش الإيراني «سمكو» للالتقاء به في مدينة شنو «أشنوية» شرق الحدود العراقية بقصد التفاوض، وانطلت الحيلة على «سمكو»، ولم يأخذ الدرس من مقتل أخيه «جوهر أغا» بيد نفس هؤلاء الحكام، حيث سافر إلى مدينة شنو وهناك قتل بطريقة أقل ما يمكن أن يطلق عليها لا أخلاقية.

ومن جهة أخرى، فإن مجيء الثورة الإيرانية لم يغير من واقع هذه الظاهرة شيئًا؛ حيث استمرت عمليات تصفية القيادات الكردية بدءًا باغتيال «د. عبد الرحمن قاسملو» رئيس «الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني» مع زملائه في فيينا عاصمة النمسا في ١٣ يوليو ۱۹۸۹م على أيدي المخابرات الإيرانية «ساوما»، في حين أنه كان مدعوًا لإجراء مفاوضات مع الجانب الإيراني لحل المسألة الكردية، وعلى نفس المنوال تم اغتيال سلفه في قيادة «الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني» «شرفكندي» وقادة آخرين عام ۱۹۹۲م.

وأخيرًا، يبدو أن القادة الإيرانيين على شتى اتجاهاتهم العقائدية مستمرون على تهجهم في تصفية وإنهاء الزعامات الكردية السنية، التي لم تستوعب الدرس حتى كتابة هذه المقالة.

الرابط المختصر :